هيومن فويس

أذكر أننا كنا نتوسل إلى أمي عندما كنا صغاراً، لتسمح لنا باللعب في حديقة المنزل الخلفية المليئة بأشجار الليمون وشجيرات الزهور التي كانت تعتني بها جدتي، مرت عشرون سنة فقط منذ ذلك الحين، وبات الأطفال يتوسلون إلى أمهاتهم لقضاء ساعة إضافية أمام التلفاز، أو لعب مزيد من ألعاب الفيديو أو اللعب مدةً أطول بأجهزتهم الذكية… التغير الهائل الذي فرضته التكنولوجيا على سلوكيات أطفال العصر الحديث جعلهم معرَّضين بشدة للإصابة بما بات يُعرف بـ “اضطراب نقص الطبيعة”.

يعتبر مصطلح “اضطراب نقص الطبيعة” مصطلحاً حديثاً لا يُستخدم كتشخيص طبي؛ بل يشير فقط إلى المشاكل التي قد تترتب على ابتعاد الأطفال تدريجياً عن الطبيعة في العصر الحديث، وقد كان ريتشارد لوف أول من صاغ هذا المصطلح بكتابه “آخر طفل في الغابة” والذي يتحدث عن عن الفجوة المتزايدة بين الأطفال والطبيعة، بسبب سيطرة التكنولوجيا من جهة وطغيان البناء على حساب المساحات الخضراء من جهة أخرى، وما يترتب على ذلك من مشاكل صحية ونفسية لدى الأطفال.

إليكم لمحة عن أبرز الدراسات التي أُجريت لمعرفة العلاقة بين الابتعاد عن الطبيعة من جهة والسلوكيات السلبية للأطفال مثل نقص الانتباه وقلة التركيز وفقدان الدافع إلى التعلم من جهة أخرى، بحسب ما أورده في موقع Big Think البريطاني.

أضرار عدم قضاء وقت كاف في الأماكن المفتوحة
تقدم عديد من الدراسات المثيرة للاهتمام والتي تناولت هذا الموضوع، نظرة عميقة إلى ما يفقده الأطفال بسبب عدم التعرض للطبيعة بشكل كافٍ.

وتتلخص مخاوف الباحثين الرئيسية في نقص فيتامين “د”، وارتفاع أعراض حالات الصحة العقلية مثل: اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، وفقدان الدافع إلى التعلم.

فقد أشارت دراسة أجرتها سوزانا هوه وكاثرين جوردون عام 2008، إلى وجود علاقة قوية بين انخفاض ممارسة الأنشطة بالأماكن المفتوحة والارتفاع الكبير في نقص فيتامين “د”، الذي تنتجه أجسادنا استجابة للتعرض لأشعة الشمس، والضروري للحفاظ على صحة العظام والأسنان، والذي يمكنه أيضاً توفير الحماية من أمراض كالسكري من النوع الأول.

وقد جمع الباحثون أدلة تثبت أن التعرض للطبيعة مهم لصحة الأطفال البدنية والعقلية، إذ لا يجب النظر إلى الوقت الذي نمضيه في الطبيعة على أنه وقت فراغ؛ بل هو استثمار أساسي في صحة أطفالنا.

فوائد الطبيعة لصحة الطفل العقلية
أجرت المعاهد الأمريكية للبحوث دراسة أخرى في عام 2005، ركزت على 255 طالباً بالصف السادس الابتدائي من مدارس في جميع أنحاء كاليفورنيا.

حيث حضر هؤلاء الطلبة برامج تعليمية في الهواء الطلق بين شهري سبتمبر/أيلول ونوفمبر/تشرين الثاني.

وبعد ذلك، قَيَّمت الدراسةُ الأطفالَ استناداً إلى ثمانية جوانب مختلفة: تقدير الذات، والتعاون، وحل النزاعات، والقيادة، والعلاقة مع الأقران، والقدرة على حل المشكلات، والدافع إلى التعلم، والسلوك العام في الفصل.

قُسِّمَ الأطفال إلى معسكرين: تلقت إحدى المجموعتين جلسات التعليم في الهواء الطلق أولاً، في حين استُخدمت المجموعة الأخرى على أنها نقطة مرجعية، وكانت ستتلقى بعدها الجلسات التعليمية نفسها في الهواء الطلق بعد انتهاء البرنامج الأول.

وبعد عشرة أسابيع من ختام الدراسة الأولى، لوحظت بوضوحٍ تغييرات إيجابية على الأطفال في استطلاعات ما بعد التجربة، مع إبداء الأطفال الذين حضروا جلسات التعليم في الهواء الطلق أولاً، تحسناً كبيراً في جانب حل النزاعات.

أما المجموعة المتبقية التي لم تنهِ بعدُ جلسات التعليم الخارجية، فسجلت مستوياتٍ أقل بكثير في 7 من أصل 8 جوانب تم القياس عليها.

علاوة على ذلك، طُلب من معلمي الأطفال تقديم استطلاعات (منفصلة عن الاستطلاعات التي أجراها الباحثون)، حول الأطفال قبل التجربة وبعدها.

ووفقاً لتعليقات المعلمين قبل التجربة وبعدها، أظهر الأطفال الذين حضروا التعليم الخارجي في المعسكر الأول مكاسب إيجابية كبيرة بمجالات تقدير الذات، وحل المشكلات، والدافع إلى التعلم، والسلوك في الفصل.

وإلى جوار هذه النتائج، تبين أيضاً أن الطلاب الذين حضروا الدورات التدريبية في الخارج، ارتفعت درجاتهم في قسم العلوم بمقدار 27% تقريباً، واستمرت هذه الزيادة في الدرجات بعد البرنامج مدة 10 أسابيع.

أهمية الطبيعة لزيادة مستويات التركيز لدى الأطفال
تدعم دراسة أخرى أُجريت هذه المرة بشمال شرقي الصين في عام 2013، أهمية الطبيعة بحياة الأطفال.

لكن الدراسة ركزت هذه المرة على العلاقة بين المساحات الخضراء التي تحيط بالمدارس وحالة اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط المرتبطة بالصحة العقلية.

وجاءت بيانات هذه الدراسة على وجه التحديد، من قياس المساحات الخضراء حول المدارس وتقريرين قدمهما الآباء في أوقات مختلفة، يتناولان الأعراض المحتملة لنقص الانتباه مع فرط النشاط لدى أطفالهم.

وقد جُمعت هذه البيانات على مدار 10 أشهر، وأظهرت نتائج من سبع مدن مختلفة.

وشملت الدراسة ما يقرب من 60 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين عامين و17 عاماً من 94 مدرسة في جميع أنحاء البلاد.

وقد أظهرت نتائج هذه الدراسة أن الطلاب الذين تقل المساحات الخضراء حول مدارسهم يعانون بشكل أكبر، اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط.

ومن ناحية أخرى، ارتبطت زيادة مستوى المساحات الخضراء حول المدارس، بشكل كبير، بانخفاض أعراض اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط لدى أطفال تلك المدارس.

المصدر: عربي بوست

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

هل يعاني طفلك من اضطراب "نقص الطبيعة"؟

هيومن فويس أذكر أننا كنا نتوسل إلى أمي عندما كنا صغاراً، لتسمح لنا باللعب في حديقة المنزل الخلفية المليئة بأشجار الليمون وشجيرات الزهور التي كانت تعتني بها جدتي، مرت عشرون سنة فقط منذ ذلك الحين، وبات الأطفال يتوسلون إلى أمهاتهم لقضاء ساعة إضافية أمام التلفاز، أو لعب مزيد من ألعاب الفيديو أو اللعب مدةً أطول بأجهزتهم الذكية… التغير الهائل الذي فرضته التكنولوجيا على سلوكيات أطفال العصر الحديث جعلهم معرَّضين بشدة للإصابة بما بات يُعرف بـ "اضطراب نقص الطبيعة". يعتبر مصطلح "اضطراب نقص الطبيعة" مصطلحاً حديثاً لا يُستخدم كتشخيص طبي؛ بل يشير فقط إلى المشاكل التي قد تترتب على ابتعاد الأطفال

Send this to a friend