هيومن فويس

تعيش العلاقات البريطانية التركية أحسن أيامها، من خلال ارتفاع وتيرة التنسيق السياسي، والتعاون التجاري، والتواصل الدبلوماسي، وهو ما أثار انتباه الأوروبيين، الذين لا ينظرون بعين الرضا لهذا التقارب بين لندن وأنقرة، بعد أن بات قاب قوسين أو أدنى من التتويج باتفاق تجاري ضخم بين البلدين.

ولا تكاد تمر أزمة دولية، دون إجراء اتصال دبلوماسي بين بريطانيا وتركيا، سواء بين الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء بوريس جونسون، أو بين وزراء الخارجية، بغرض التنسيق، وكان آخرها الاتصال الذي جمع بين المسؤولين بغرض التباحث في أزمة إقليم ناغورني قره باغ بين أذربيجان وأرمينيا.

وبخلاف اللهجة الدبلوماسية المنتقدة الصادرة عن دول أوروبية كثيرة تجاه تركيا، فإن الخطاب البريطاني ينحو دائما باتجاه الحوار والتواصل، والتعامل مع تركيا كشريك لا خصم، ما دفع مركز الإصلاح الأوروبي الذي يقع مقره في لندن، ومعروف بقربه من أجهزة الاتحاد الأوروبي، إلى وصف العلاقات بين بريطانيا وتركيا بأنها “علاقة أفضل الأصدقاء”.

وصول العلاقات بين البلدين لهذه المرحلة التي كسرت حالة التوتر الأوروبي التركي، يعود لأسباب عدة يتداخل فيها السياسي بالتجاري بالأمني.

الانقلاب الفاشل
كان الانقلاب الفاشل في تركيا سنة 2016 حدثا مهما تمكنت فيه أنقرة من معرفة أصدقائها وأعدائها، مثلما أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أكثر من مناسبة، ومن الأصدقاء الذين ظهروا في هذه الأزمة هي المملكة المتحدة التي كانت أول دولة أوروبية تعلن إدانتها للمحاولة الانقلابية، وتعدها انقلابا على الشرعية.

ولم تنتظر الحكومة البريطانية إلى أن تنجلي سحب المواجهات التي دارت في ليلة الانقلاب، لتحدد موقفها؛ بل أعلنت مباشرة أنها تقف ضده، بخلاف دول غربية أخرى اختارت اللوذ بالصمت إلى أن ظهر لها فشل المحاولة الانقلابية لتصدر بيانات إدانة.

هذا الموقف البريطاني، ساهم في توثيق التعاون مع تركيا، ولم يتم تسجيل أي مواجهة دبلوماسية بين البلدين منذ تلك الأزمة، رغم توالي الأحداث العنيفة التي هزت العلاقات الأوروبية التركية.

العقدة الأوروبية
تلتقي كل من تركيا وأوروبا في نسج علاقات متشابكة مع الاتحاد الأوروبي، أو ما يمكن تسميته “العقدة الأوروبية”، فبريطانيا، ومنذ عقود، غير راضية عن وجودها داخل الاتحاد الأوروبي، وترى أن الأخير يسلبها مالها وسيادتها، أما تركيا فلعقود وهي تحاول الانضمام للاتحاد الأوروبي دون جدوى، وذلك لأسباب سياسية محضة.

هذه العلاقة المرتبكة مع التكتل الأوروبي، دفعت تركيا لإعلان الكف عن محاولات الانضمام للاتحاد، أما المملكة المتحدة فقررت الانسحاب منه، وهنا تلتئم مصالح أنقرة الناقمة على الاتحاد رفضه منحها العضوية، ولندن الغاضبة، وبات كلاهما يبحث عن مصالحه خارج الاتحاد، ويسعى لتعزيز موقعه دون الحاجة للوجود داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

وكانت بريطانيا من الدول الأوروبية المؤيدة لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، ولم يسبق أن سجلت رفضها لهذه الخطوة، على عكس دول أوروبية أخرى لا تدخر جهدا في إعلان المعارضة لدخول تركيا في النادي الأوروبي.

البريكست
كانت سنة 2016 فارقة أيضا في تاريخ المملكة المتحدة، بعد التصويت على استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، ورغم دخول البلاد في متاهات كثيرة حول صيغة الطلاق الأوروبي؛ إلا أن هذا التغيير ساهم في بحث المملكة المتحدة عن شركاء جدد، وباشرت رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي عددا من الزيارات لدول آسيوية وأفريقية وخليجية، بحثا عن تعويض الشريك الأوروبي.

وكانت تركيا من الدول التي استرعت اهتمام الدبلوماسية الأوروبية، ولأن المملكة تريد زيادة أصدقائها، فقد انتهجت مع تركيا سياسة “حسن التعامل وعدم التدخل في شؤونها”، ولعل هذا ما جر عليها غضب دول أوروبية حاولت الضغط من خلال مراكز الأبحاث لدفع لندن للإعلان عن مواقف منتقدة لتركيا، كما حدث في الأزمة الأخيرة في شرق البحر المتوسط بين تركيا واليونان، حيث ابتعدت بريطانيا عن اللهجة التصعيدية التي اعتمدتها الدول الأوروبية، وحافظت على مسافة من هذا الصراع.

وفي ظرف سنة، استقبلت العاصمة البريطانية لندن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في زيارة رسمية، أعقبتها زيارة أخرى لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو.

كورونا
“شكرا للصديق التركي”، تصريح صادر عن الدبلوماسية البريطانية خلال وباء كورونا، ومرد هذا الشكر هو قرار تركيا توجيه شحنة ضخمة من المعدات الطبية إلى المملكة المتحدة، التي كانت حينها تواجه نقصا حادا في المعدات الطبية.

وكان للطائرات التركية، التي وصلت لبريطانيا، أثرا إيجابيا على صعيد الإعلام البريطاني، الذي اعتبر السلوك التركي سلوكا محترما، في وقت كانت الدول الأوروبية تنافس بعضها وتتنازع للحصول على أكبر قدر من المعدات الطبية.

التجارة
بات إبرام بريطانيا وتركيا لاتفاق تجاري شبه مؤكد، حسب ما أعلنه أكثر من مسؤول رفيع من البلدين، وبذلك سيكون ثالث اتفاق تعقده بريطانيا بعد الاتفاق التجاري مع اليابان، وآخر مع الولايات المتحدة هو في مراحله الأخيرة.

ويبلغ حجم المبادلات التجارية بين الطرفين 16.3 مليار دولار مع السعي لرفعها إلى 20 مليار دولار خلال العام المقبل، وتعدّ بريطانيا ثاني شريك تجاري أوروبي لتركيا بعد ألمانيا، بينما تبلغ حجم الاستثمارات البريطانية المباشرة في تركيا حوالي 10 مليارات دولار، وتعمل في تركيا 2500 شركة بريطانية في مجالات مختلفة أهمها الطاقة والاتصالات والقطاع المالي.

الدفاع
عام 2017، عقدت تركيا وبريطانيا صفقة دفاع بقيمة 120 مليون دولار، للمساهمة في برنامج تطوير طائرات حربية تركية، وتم عقد الاتفاق بين شركتي “بي أيه إي سيستمز” (BAE Systems) و”توركيش آيروسبيس إندوستريس” (Turkish Aerospace Industries).

وتعول بريطانيا على هذه الصفقة من أجل الترويج لصناعتها الدفاعية، كما تتوقع تركيا أن تطور قدرة سلاح الجو، في إطار سعي الجيش التركي لتحقيق الاكتفاء الذاتي في تصنيع المعدات الحربية.

المصدر : الجزيرة

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

بريطانيا وتركيا.. علاقات متينة تطرق أبواب التحالف الكبير

هيومن فويس تعيش العلاقات البريطانية التركية أحسن أيامها، من خلال ارتفاع وتيرة التنسيق السياسي، والتعاون التجاري، والتواصل الدبلوماسي، وهو ما أثار انتباه الأوروبيين، الذين لا ينظرون بعين الرضا لهذا التقارب بين لندن وأنقرة، بعد أن بات قاب قوسين أو أدنى من التتويج باتفاق تجاري ضخم بين البلدين. ولا تكاد تمر أزمة دولية، دون إجراء اتصال دبلوماسي بين بريطانيا وتركيا، سواء بين الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء بوريس جونسون، أو بين وزراء الخارجية، بغرض التنسيق، وكان آخرها الاتصال الذي جمع بين المسؤولين بغرض التباحث في أزمة إقليم ناغورني قره باغ بين أذربيجان وأرمينيا. وبخلاف اللهجة الدبلوماسية المنتقدة الصادرة عن دول

Send this to a friend