هيومن فويس: متابعات

تبنّت الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت في ربيع 2011 في سورية شعار إسقاط النظام، وهو الشعار الذي كان سائداً آنذاك في دول الربيع العربي. ورغم أن بعض المحتجين اختاروا في البداية اقتصار مطالبهم على الإصلاح والتغيير، إلا أن “إسقاط النظام” سرعان ما طغى على كل ما عداه.

كان تفاعل القوى المحلية في سورية والإقليمية والدولية مع شعار إسقاط النظام متفاوتاً؛ سواء من ناحية غياب الرؤية المتماسكة والموقف الثابت، أو لاحقاً من ناحية الرغبة والقدرة؛ بعد أن أصبح هذا المطلب مرتبطاً بسياسات أمن واستقرار المنطقة.

ومع دخول الصراع في سورية عقده الأوّل، ما يزال النظام ممسكاً بمقاليد الحكم، وإن كان حكماً هشاً ويقتصر على أقل من ثلثي مساحة البلاد، لكن من الواضح أنّ ما من أحد من الأطراف الدولية الفاعلة لديه الرغبة في إسقاطه، وإن لم يكن ذلك يعني رغبة هذه الأطراف في بقائه بالشكل الحالي أو عودته إلى شكله السابق قبل عام 2011.

وقد شكّل الحراك السلمي الذي انطلق عام 2011، وتحول لاحقاً إلى صراع مسلّح، أكبر تحدٍّ لبقاء النظام منذ وصول الأسد الأب إلى الحكم عام 1971؛ رغم أنه واجه خلال هذه الفترة الطويلة عدداً كبيراً من التحديات، أهمها الصراع مع الإخوان المسلمين والطليعة المقاتلة بين عامي 1978 و1982، وسلسلة العقوبات الاقتصادية بين عامي 1979 و2010، وانتقال السلطة إلى بشار الأسد في عام 2000، والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005، وغيرها.

استمدّ النظام السوري طوال 4 عقود قوّته وقدرته في الحفاظ على السلطة من السيطرة الكاملة على المؤسسة العسكرية والأمنية، وبناء دولة شمولية، وإقصاء القوى المعارضة له، وتعميق التحالف الاستراتيجي مع إيران وروسيا، وفهم سياسات الاستقرار الأمني في الإقليم بالنسبة للولايات المتّحدة وإسرائيل، وغير ذلك من العوامل المحلية والدوليّة.

لكن، مع قرب انتهاء العقد الخامس من سيطرته على السلطة في سورية، تبدو العوامل السابقة قد تعرّضت لخلل كبير من ناحية قدرة النظام على انتهاج سياسات مستقلة وفعّالة نسبيّاً تضمن له الاستمرار والبقاء. هذا الخلل قد يكون امتداداً للسياسات المتعثّرة التي تبنّاها في العقد الرابع من الحكم، في ظل رئاسة بشار الأسد، والتي لم تعكس بنية ورؤية متماسكة لمستقبل العلاقة مع الفواعل المحليّة، الإقليمية والدولية.

يحاول هذا التقرير بناء مقاربة لفهم الأسباب الذاتية والموضوعية لعدم سقوط النظام السوري، ومعرفة ما إذا كان عدم سقوطه دليلاً على نجاح النظام أو فشل المعارضة، وما إذا كان عدم السقوط يعني بقاء النظام أصلاً، أم أننا أمام نظام آخر غير الذي كان قائماً قبل عام 2011.

أولاً: لماذا لم يسقط النظام؟
يحاول أنصار النظام من سوريين وغير سوريين تصوير عدم سقوطهِ باعتباره انعكاساً لقوتِه الذاتية، وربما يضيفون إليها انتماءه لما يُسمى بـ “محور الممانعة والمقاومة”، إلى غير ذلك من الأسباب التي تحاول تصوير عدم السقوط بحدّ ذاته باعتباره نصراً يستحق الاحتفاء. وبالمقابل، فإنّ المعارضين يحاولون تعظيم الأسباب الخارجية وحدها، في محاولة لتمييع أي أسباب ذاتية داخلية لدى النظام أو المعارضة.

ويمكن في قراءة موضوعية حصر الأسباب التي أدّت لعدم سقوط النظام وفق التصور التالي:

1) أسباب ذاتية
منذ عام 2011 كانت العديد من الدول تتوقع أو تأمل سقوط النظام السوري خلال فترة قصيرة(1)، وكان النظام بدوره يستخدم هذه “التوقعات” كفرصةٍ للتأكيد على بقاء سيطرته(2).

وقد استند النظام السوري إلى أربعة عوامل داخلية حالت دون سقوطه وهي الشرعيّة، والقوّة، والثروة والحماية.
أ. الشرعيّة المحليّة
يمكن تقسيم الشرعية إلى قسمين، الأولى محلية، وتستند إلى قدرة النظام على ضبط المجتمع وتقديم الخدمات، أما الثانية فشرعية دولية، تستند إلى اعتراف المجتمع الدولي بالنظام باعتباره ممثلاً للدولة، واعترافه بالوثائق التي يُصدرها.
وقد استخدم النظام السوري تاريخياً وسائل العنف المفرط واحتكار القرار والأمن لتكريس شرعيته المحلية؛ نظراً لافتقار شرعيته للمستند القانوني، باعتباره نظاماً انقلابياً تحول إلى نظامِ وراثي عائلي.

وقد عمل النظام على تكريس شرعيته المحلية من الإبقاء على سير عمل مؤسسات الدولة وتوفير الخدمات العامة واستمرار دفع أجور الموظفين حتى في المناطق الخارجة عن سيطرته(3)، وإصراره على تفعيل الدوائر الحكومية كشرط رئيسي في عمليات التسوية والمصالحة التي شهدتها سورية بين عامي 2012 و2018، كإجراء يهدف إلى توليد شعور لدى السكان المحليين خلال فترة وقف إطلاق النار المؤقت بأنّ مؤسسات الدولة هي الأساس في عملية فرض الاستقرار والأمان(4).

كما عمد النظام السوري إلى احتكار الخدمات العامة التي يتم تقديمها للمواطن، الذي بدا عاجزاً –حتى في النزوح والمهجر– عن توفير بدائل ملائمة تساعده على تجاوز تحدّيات حالة عدم الاستقرار، ويُمكن التماس ذلك من أصغر وثيقة وهي إخراج القيد المدني مروراً بالحصول على جواز سفر، وصولاً إلى تسجيل المواليد وغيرها من الأوراق الرسميّة الضرورية.

وقد استفاد النظام من الاعتراف الدولي بوثائقه فقط في ابتزاز معارضيه، وفي الحصول على فائض من القوة القانونية والسياسية؛ إضافة إلى العوائد الاقتصادية(5).

ب. القوّة
استند نظام الأسد منذ قيامه على المؤسستين العسكرية والأمنية، واللتين بذل حافظ الأسد منذ ثمانينات القرن الماضي، جهداً كبيراً في تشكيلهما وبناء عقيدة لهما تعتمد على العنصر الطائفي للحفاظ على الحكم والاستقرار الداخلي والإقليمي. واستمر بشار الأسد بهذا النهج، بل وعززه وكرّسه، بعد عام 2011 بشكل مهول.

ورغم أنّ القوّة العسكرية والأمنية التي لجأ إليها النظام السوري في مواجهة الصراع السلمي والمسلّح في العقد الخامس من الحكم، تعرّضت لاستنزاف كبير، حيث خرجت وحدات بأكملها عن الخدمة، وكشف الصراع عن غياب الكفاءة الميدانية إلى الدرجة التي احتاج معها النظام إلى تدخل مباشر من حلفائه، إلّا أنّ تماسك البنية الأساسية للأجهزة الأمنية والعسكرية ساعد بلا شك في منع سقوط النظام.

بذل النظام السوري جهداً كبيراً للحفاظ على توازن أجهزة الأمن والجيش بما يبقيها تحت سيطرته، ورفض مراراً أي حلّ أو اتفاق سلام ينصّ على تفكيك هاتين المؤسستين، في حين كان يشترط تفكيك الفصائل المسلّحة وإعادة دمج أفرادها في المؤسسة العسكرية تحت قانون التجنيد الإلزامي وتعديلاته حين توقيع اتفاقيات التسوية والمصالحات، كما استطاع نسبياً إخضاع قيادة الوحدات العسكرية المستحدثة من قبل روسيا لعنصر الولاء الطائفي.

ج. الثروة
تقوم ثروة النظام السوري بعد أن فقد سيطرته على معظم حقول النفط شرق البلاد منذ عام 2012، على إيرادات اقتصاد الحرب(6)، المتمثّلة بعدة جوانب وهي:

• إخضاع موارد الدولة؛ حيث تم إصدار العديد من القوانين لتفعيل ذلك منها مثلاً رقم /14/ لعام 2016 والذي يقضي بإلغاء إنهاء خدمة العامل من الجهات العامة للدولة في حال التحق بخدمة العلم الاحتياطية أو الإلزامية ويبقى راتب المنخرط في الجيش سارياً من مؤسسته التي يعمل ضمنها.

• الاستناد على شبكة المحسوبية، والتي أدّت دوراً بارزاً في عمليّات تمويل الحرب ودعم الليرة السورية؛ مثل “جمعية البستان” التابعة لرامي مخلوف وشركاته الأخرى، والتي وقفت وراء دعم ميليشيات الدفاع الوطني ورعاية أسرهم لسنوات (وهو ما أكّده مخلوف في التسجيل الذي بثّه على صفحته على فيسبوك يوم 3/5/2020)، و”مجموعة فوز القابضة”، التابعة لسامر فوز، والتي ساهمت في تمويل كامل لقوات درع الأمن العسكري وجماعات أخرى، و”شركة المهيمن للنقل” لنفس المالك، والتي ساهمت بعمليات نقل وإمداد لوجستي لجنود النظام السوري بشكل كبير.

لاحقاً، في منتصف عام 2019، قام النظام السوري ببذل جهود إضافية لتحصيل المزيد من الأموال من شبكة المحسوبية بعيداً عن صيغتي الدعم الطوعي والقانوني، للحفاظ على أكبر قدر ممكن من الاستقرار المؤقت في سعر صرف الليرة، وذلك بإجبارهم على شراء سندات أو على الأقل أذونات الخزينة بموجب القانون 60 للأوراق المالية لعام 2007.

• الاقتراض الخارجي، والتي لجأ إليها النظام السوري نتيجة ضعف موارد الخزينة العامة للدولة ومن ثم انهيار احتياطي النقد الأجنبي؛ حيث تم عقد صفقات مع إيران لقروض متعددة، أبرزها الخط الائتماني الإيراني في العام 2013، بمبلغ وصل فيه الدين العام الخارجي في عام 2017 إلى 7.6 مليار دولار. كذلك هناك ديون من روسيا والصين.

• عمليّات النهب المسلّح، التي تم اللجوء إليها في تمويل القوى العسكرية والأمنية النظامية وغير النظامية، وشملت الخطف والمبادلة، فرض الأتاوات على الحواجز، ابتزاز أهالي المعتقلين، وسرقة الأثاث ومحتويات المنازل في القرى والمدن التي يتم اجتياحها عسكريّاً.

• الرسوم والضرائب، بما في ذلك إيرادات جوازات السفر وغيرها من الوثائق، والتي تعدّ مصدراً مهماً لجمع العملة الصعبة من السوريين في الداخل والخارج.

• تأجير موارد الدولة لفترة طويلة، وقد تم استعمال هذا النموذج مع الطرف الروسي على وجه الخصوص، حيث ترغب موسكو في ضمان مصالح طويلة المدى، حتى بعد إقرار الحل السياسي وبدء عملية إعادة الإعمار.

د. الحماية المحليّة
وهي مجموعة من الشبكات أسسها أو سيطر عليها النظام السوري منذ وصوله للسلطة في سبعينيات القرن الماضي، والقائمة على الروابط الطائفية، العائلية والسياسية. ومن أبرز هذه الشبكات:

• شبكة الحماية الطائفية؛ فقد عمد النظام إلى صناعة الخوف والشك لدى العلويين، بغية ضمان التفاف أكبر جزء ممكن من الطائفة حوله، وجعل بقاء النظام الضمانة الوحيدة للطائفة. وقد استفاد النظام من شبكة النفوذ العلوي داخل مؤسسات الدولة، وخاصة الجيش والأمن، وهو النفوذ الذي أسسه الأسد الأب على مدار عقود، ورعاه الأسد الابن بعد ذلك.

• شبكة الحماية العائلية، حيث عزّز الأسد الأب السيطرة على السلطة من خلال تعظيم دور عائلة آل الأسد وأنسبائهم، ومن ثم العشيرة التي ينحدرون منها، واتسعت هذه الشبكة في العقود الأخيرة لتضم الجيل الجديد من العائلة ومن أبناء الضباط والمسؤولين.
• شبكة الحماية السياسية، والتي تقوم أساساً على حزب البعث؛ باعتباره قاعدة الحكم الأساسية منذ نشأة النظام السوري برئاسة حافظ الأسد، والتي بموجبها كان يعزّز من سيطرة الدولة على الفرد والمجتمع. لكن، بعد عام 2011، تعرّض الحزب إلى تغييرات جوهرية؛ لا سيما من ناحية الانشقاقات، واستبدال القيادة المدنية بالعسكرية والأمنية، وانخفاض العضوية في المناطق الريفية وغير ذلك(7)، إضافة إلى إلغاء القيادة والأمانة القطرية واستبدالهما بالمركزية والعامة.

2) أسباب تتعلق بالمجتمع الدولي
امتلك النظام السوري منذ بدء الصراع في البلاد عام 2011 أسباباً موضوعية ساعدته في الحفاظ على السلطة والاستمرار في مواجهة المعارضة السياسية والمسلّحة والقوى الاجتماعية الرافضة له. وغالباً ما كانت خطابات بشار الأسد تعكس جانباً من الثقة المبالغ فيها بالقدرة على البقاء مقارنة مع الظروف المحيطة به. لكن، أداء قوى المعارضة السورية وكذلك مواقف القوى الدولية، كان دائماً يزيد من تلك الثقة ويدفعه للتمسّك أكثر برغبته وسعيه نحو الاستمرار والبقاء.

أ. أداء القوى الدولية
كان لأداء القوى الدولية دور رئيسي في عدم سقوط النظام السوري، ولاحقاً تعزيز حضوره في خارطة النفوذ والسيطرة أمام بقية الفاعلين المحليين، وكذلك موقعه في العملية السياسية.

• غياب الجديّة؛ فقد كانت معظم القوى الدولية تصب جهودها بشكل مشترك أو منفرد على أولويات مختلفة عن إسقاط النظام السوري؛ من قبيل الحفاظ على الاستقرار ومحاربة الإرهاب وغيرها من القضايا التي تمسّ السلم والأمن الإقليمي والدولي. وقد بدا ذلك بشكل واضح في جميع مبادرات التسوية الدولية منذ إصدار بيان جنيف 1 لعام 2012، ومقررات فيينا والقرارات الأممية الأخرى مثل 2118 (2013) و2254 (2015)، ومذكّرات التفاهم الثنائية مثل سوتشي (2018) و(2019)، وموسكو (2020) وغيرها.
• غياب المساءلة؛ فقد تجنّبت جميع قرارات مجلس الأمن الدولي حول سورية تحديد مسؤولية الانتهاكات مع الاكتفاء بتوصيف الجرائم، وذلك بسبب استخدام روسيا لحق النقض الفيتو 14 مرّة بين عامي 2011 و2019، بدعم من الصين، إضافة لعدم وجود آليات فاعلة خارج المظلّة الأممية يتم اللجوء إليها تؤدي إلى محاسبة النظام السوري، باستثناء استحداث هيئة مراقبة الأسلحة الكيميائية في منتصف عام 2018.

كما ارتبطت المبادرات المنفردة بأولويات السلم والأمن في المنطقة، مع حرص واضح على عدم المساس باستقرار النظام السوري. وعلى هذا الأساس جاء الهجوم الثلاثي الخاطف على بعض مواقع النظام السوري في آب/ أغسطس 2018، من قبل فرنسا، بريطانيا والولايات المتّحدة، بعد استخدامه السلاح الكيميائي.

• غياب الإرادة؛ إذ لا يبدو أن القوى الفاعلة في المنطقة والعالم كانت لديها الرغبة الجدية بإسقاط النظام، بل وعملت هذه القوى على التدخل في اللحظات المناسبة لمنع سقوط النظام. وقد عبّرت الولايات المتحدة وإسرائيل في أكثر من موقف عن رغبتهم في تغيير سلوك النظام لا إسقاطه. كما لم تقم هذه الدول بأي جهود للحد من شرعيته السياسية، كتقييد حضوره في المنظمات الدولية على سبيل المثال، أو استهداف شرعيته القانونية، من خلال اعتماد وثائق صادرة عن جهة تمثيلية أخرى.

• اختلاف الرؤى الدولية؛ رغم غياب الرغبة بإسقاط النظام بشكل عام، إلا أن المجتمع الدولي لم يكن متفقاً هو الآخر على الشكل المرغوب للنظام، ولا على نوعية المعارضة التي يرغب بدعمها. وانعكست هذه الخلافات داخل مجموعة أصدقاء سورية، والتي تأسست عام 2012، وداخل غرف عمليات القيادة والتنسيق في أنقرة وعمان، والتي تأسست في عامي 2013 و2014، لتقديم الدعم العسكري لفصائل المعارضة. وانتهى المطاف بالفاعلين الدوليين إلى الالتفات إلى مشاريعهم الخاصة في سورية، على حساب العمل المشترك ولو بحدوده الدنيا، الأمر الذي منح النظام وداعميه فرصة للحياة والاستمرار.

3) أسباب تتعلق بالمعارضة
غالباً ما ساهم أداء قوى المعارضة السورية السياسية والعسكرية في تعزيز قدرة النظام السوري على الصمود بدل دفعه نحو الضعف والسقوط، وهو ما يُمكن التماسه من النقاط التالية:
• التحول السريع للعمل العسكري، والذي سمح للنظام بنقل الصراع إلى الساحة العسكرية والأمنية التي يُجيدها من جهة، كما جعل الفصائل العسكرية تحت رحمة الداعمين الدوليين، نظراً للكلف الباهظة اللازمة لتشغيل هذه الفصائل، ناهيك عن تكاليف قيامها بمعارك فاعلة. وانتهى المطاف بكل الفصائل التي لم تتمكن من الاستحواذ على مواردها الخاصة للتحول إلى أدوات يسهل التحكم بها من الخارج.

• ظهور مشاريع متعارضة ومتنافسة، حيث انقسمت المعارضة بأشكالها السياسية والعسكرية حول عدد من المشاريع، أخذ بعضها أشكالاً من التطرف الديني الحاد. وساهم صعود تنظيم داعش في رفع مستوى الخطاب الديني لدى الفصائل على وجه الخصوص، في محاولة لوقف تأثير التنظيم على جمهورهم وحتى على عناصرهم.

• التنافس على المكانة والموارد سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو المدني، وهو عامل لم يساهم فقط في منع تشكيل جبهة عمل مشتركة، بل عزّز من الانغلاق على الهويات المحلية والأيديولوجية والمشاريع السياسية الضيقة؛ على حساب الهدف الأساسي القائم على إسقاط النظام السوري.

ويُلاحظ أن كل الفصائل تقريباً لم تعد ترغب بعد عدة سنوات من القتال بخوض معارك خارج مناطقها، ولا في فتح معارك لا تحافظ على مصالحها المباشرة.

• غياب السياسات المستقلّة، ومع أنّه عامل نتج أصلاً عن تضافر الأسباب سابقة الذكر، لكنّه بذاته أدّى إلى التحوّل عن فكرة إسقاط النظام السوري لصالح الاستجابة فقط للسياسات الأمنية الإقليمية والدولية، حيث بات هدف المعارضة تثبيت خطوط التماس ووقف إطلاق النار وإقامة منطقة آمنة.

• غياب الرؤية الواضحة حول شكل الدولة والحكم لمستقبل سورية، أو حتى على تعريف دقيق لمفهوم “إسقاط النظام” الذي ساد شعارات السنوات الأولى للحراك، حيث خضع الشعار إلى حالة من المزايدة الشعبية التي منعت تقديم أي طروحات ينخفض سقفها عن “إسقاط النظام بكل رموزه وأركانه”، رغم إدراك معظم الفاعلين في المعارضة بمرور الوقت أن هذا السقف لم يكن واقعياً أو لم يعد واقعياً.

• ضعف الأداء على مستوى التنظيم والقيادة لدى فصائل المعارضة المسلّحة، ما أدّى إلى تنامي نفوذ وحضور التنظيمات المتطرفة. وهو عامل عزّز من قدرة النظام السوري وحلفائه على توظيف تواجد تلك التنظيمات لاختراق مبادرات التسوية والتهدئة الدولية بدعوى مكافحة الإرهاب، من مسار جنيف إلى مسار أستانا.
وأظهرت المعارضة السياسية والعسكرية ضعفاً واضحاً في أدائها، حيث تصدّرت شخصيات تفتقر إلى الكفاءة في معظم الفصائل العسكرية والأجسام المدنية والسياسية، وقدّمت أنظمة الحكم المحلية التي قامت في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام نماذج بعيدة عن الرُشد، بما خدم مشروع النظام، وحدّ من التفاف الجمهور حول شعار إسقاطه.
• غياب المبادرة الذاتية في التمثيل السياسي ومن ثم الحلول، فمعظم أجسام المعارضة تم تشكيلها بمبادرات غير سورية، ما جعلها عرضة للاستقطاب الدولي والإقليمي. وهي ثغرة لطالما استفاد منها النظام السوري وحلفاؤه من خلال التشكيك الدائم بتماسك المعارضة وصفتها التمثيلية.

ثانياً: مواقف الفاعلين تجاه إسقاط النظام السوري
1) الولايات المتحدة
لم تسع الولايات المتّحدة إلى إسقاط النظام السوري عسكرياً قبل عام 2011، رغم السياسات التي كان يتبناها في زعزعة استقرار المنطقة قبل عام 2011، بما في ذلك السياسات التي اتبعها في العراق، والتي أدّت إلى مقتل جنود أمريكيين.
ناقشت واشنطن بعد 2011 فكرة إسقاط النظام في أكثر من مرحلة(8)، بشكل لا يؤثر على سياساتها وأولوياتها في المنطقة، القائمة على حماية الأمن القومي الإسرائيلي، وضمان الأمن الإقليمي، تقويض واحتواء أنشطة إيران ومكافحة الإرهاب.
لكن النظام استفاد بشكل كبير من وجود إدارة ديموقراطية حاصلة بشكل مسبق على جائزة نوبل للسلام، حيث كان البيت الأبيض يرفض التوصيات التي تقدم له من أطراف داخل الإدارة الأمريكية نفسها، أو من دول صديقة، إن كانت هذه التوصيات تنتهي بإسقاط النظام أو القيام بعمل عسكري ضده.

ولم تكن تصريحات الرئيس أوباما التي تتحدّث عن وجوب سقوط الأسد بمثابة إعلان عن خطة أمريكية لإسقاطه، بقدر ما كانت محاولة من الرئيس وقتها لتثبيت موقف قبل سقوطه الذاتي الوشيك، حتى يكون الموقف الأمريكي على “الجانب الصحيح من التاريخ”. ودفع الموقف الأمريكي ذلك بقية السياسيين الغربيين لترديد ذات التعبير(9).

ولذا، فإن كل التصريحات الأمريكية المتعلقة بتحقيق الديمقراطية وتمكين الشعوب من تقرير مصيرها كانت توجهات نظرية، ولم تتحول إلى مشروع عملي قابل للتطبيق.

لاحقاً، توقفت واشنطن عن مناقشة خطط إسقاط النظام، واعتمدت رغبتها في تغيير سلوكه(10) أو محاربة الإرهاب الذي لم ينشأ الا نتيجة لسلوك النظام، واستخدمت في ذلك عدد من الأدوات، أهمها تشديد نطاق العقوبات الاقتصادية، والتي توّجت باعتماد قانون قيصر لحماية المدنيين السوري نهاية عام 2019.

وتؤكد المعطيات السابقة أن الموقف الأمريكي كان وما زال هو “تغيير النظام” وليس اسقاطه.

2) الاتحاد الأوروبي
كان موقف الاتحاد الأوروبي منذ بداية الصراع في سورية حاسماً بدعوة النظام للاستجابة إلى مطالب المحتجين ولاحقاً ترك السلطة. ومن الممكن فهم هذا الموقف رغم العلاقات الجيدة التي كانت تربط بعض دوله بالنظام السوري بسبب عدم إبداء هذا الأخير قبل عام 2011، مرونة اقتصادية واستثمارية أو انفتاح ملائم يتيح المجال أمام الاتحاد الأوروبي أو أعضائه لأداء دور فاعل في دول الشرق الأوسط(11).

ولم يتبنّ الاتحاد الأوروبي الدعوة لإسقاط النظام، إلا أن بعض دوله، وخاصة فرنسا، شاركت في بعض المراحل في هذه الدعوات وفي تحريض واشنطن عليها.

وعلى العموم، فإنّ الاتحاد الأوروبي ينسجم في سياسته تجاه سورية مع التوجهات الأمريكية، حيث يشارك في فرض العقوبات الاقتصادية على النظام، وفي ربط عملية إعادة الإعمار بإقرار الحل السياسي، وفي ممارسة الضغط السياسي على النظام وحلفائه في المحافل الدولية، بما يُعزز “استراتيجية تعديل السلوك أو إحداث تغييرات في بنية النظام” وليس اسقاطه.
3) روسيا

وقفت روسيا منذ عام 2011 ضد مساعي إسقاط النظام السوري واستخدمت القوّة العسكرية والدعم الاقتصادي المشروط والنفوذ الدبلوماسي لا سيما حق النقض الفيتو في مجلس الأمن 14 مرة للحيلولة من إدانته أو تشكيل أي تهديد يزعزع استقرار حكمه.
وجاء تدخل روسيا العسكري في نهاية أيلول/سبتمبر 2015 ليكون أحد العوامل الخارجية الرئيسية التي منعت سقوط النظام، والذي كان سيحدث بعد 3 أسابيع من وقت التدخل الروسي، وفقاً لما قاله وزير الخارجية الروسي (12).
وعملت روسيا منذ قدومها إلى سورية على تقوية بنية النظام، من خلال تعزيز المركزية فيه، ومحاولة إنهاء الأشكال الميليشاوية.. إلخ، وعملت على إحداث تغييرات في بنية الجيش، من خلال استحداث فرق جديدة -كالفرقة الخامسة- والإشراف عليها. لكن هذه الجهود لم تُحقق الكثير من التغيير في بنية النظام، خاصة مع وجود التأثير الإيراني المعاكس.

وبالمقابل، تغاضت روسيا عن كل الضربات التي نفّذتها القوى الدولية والإقليمية ضد مصالح النظام السوري، طالما أنّها لم تُشكّل تهديداً لبنية النظام، وهذا ينطبق على معظم الضربات التي نفّذتها إسرائيل منذ عام 2013، وإن كانت قد استخدمت أدواتها الدبلوماسية لوقف بعض تلك الضربات والعمليات، مثلما فعلت في آب/ أغسطس 2013، عندما قدّمت لإدارة أوباما عرض تسليم الأسلحة الكيميائية مقابل وقف الضربة الأمريكية.

وترى موسكو أن فكرة “إسقاط النظام” هي رغبة غربية لفرض أجنداتها وإخضاع الدول لسيطرتها، وأن قبول روسيا بحدوث هذا الأمر في سورية من خلال ما تسميه “تحريض الشعوب ضد رموزها وأنظمتها السياسية”، فليس مستبعداً أن تقبل حدوث ذلك في روسيا، وهذا ما يشكل هاجساً روسيّاً ضد أي تحرك غربي بهذا الصدد.

4) إيران
وقفت إيران منذ عام 2011 ضد مساعي إسقاط النظام السوري، واستخدمت القوّة العسكرية عبر وكلائها في المنطقة، وكذلك الدعم الاقتصادي المشروط للحيلولة دون ذلك. وهو الموقف الذي لم يتغيّر رغم الضغوط الدولية الكبيرة التي تمت ممارستها عليها للحد من نفوذها ودعم النظام السوري.

وبالمقابل، فإنّ إيران لا ترغب بعودة النظام إلى شكله ما قبل عام 2011، حيث عملت بشكل منتظم منذ عام 2011 على إضعاف النظام، وتحويله إلى كيان ضعيف يُمكّنها من التحكم بالدولة والمجتمع، ويسمح لقياداتها ولأتباعها الآخرين، وخاصة حزب الله، بأداء دور السيطرة على النظام، بدلاً من العمل تحت مظلته كما كان الأمر سابقاً.

وتبدي إيران اهتماماً خاصاً لتعزيز النفوذ الديني والمجتمعي، وانعكس هذا الاهتمام في انخراط القوات التابعة لها في أنشطة دينية وتحالفات مجتمعية، حيث تعتقد طهران أن تغيير المعتقدات يمنحها موطئ قدم ثابت في سورية، ويُعقّد من طروحات إخراجها من سورية مستقبلاً.
5) تركيا
انسجمت تركيا مع مطالب إصلاح النظام السوري في عام 2011، لكن هذا الموقف تغيّر لاحقاً إلى المطالبة بإسقاطه. ويمكن أن يُعزى ذلك إلى القلق الذي تشكل في أنقرة من مدى إمكانية الاعتماد على النظام في توفير الاستقرار في الإقليم الذي يعد أساس السياسة الخارجية التركية(13).

لجأت تركيا بعد ذلك إلى تأمين حدودها الجنوبية مع سورية من خلال مبادرات السلام الدولية بالتعاون مع روسيا، إيران، الولايات المتّحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، ولاحقاً استخدام القوّة العسكرية المباشرة. وساهم هذا التغيّر في الأولويات بتخلي تركيا جزئياً عن المطالبة بإسقاط النظام السوري، لكن ذلك لم يدفعها للقبول بمساعي حلفائه لإعادة تطبيع العلاقات معه، بل وجدت نفسها لاحقاً في مواجهة مباشرة معه بعد استمرار تحدّيه لقدرتها على حماية أمن جنودها وتواجدها شمال غرب البلاد، ذلك بإعلان عملية درع الربيع في شباط/ فبراير 2020.

ومع ذلك، ما زالت فكرة اسقاط النظام لدى أنقرة حاضرة رغم كل الصعوبات والتحديات التي تواجه هذا المسعى، باعتبار أن أهدافها في سورية تتضمن العمل على أن يكون النظام في دمشق متصالحاً مع أنقرة، ويحقق لها تحالفات مستقبلية تتيح الحفاظ على مصالح أنقرة الأمنية والاقتصادية، وهو ما لا يتحقق إلا من خلال إسقاط النظام أو المساهمة في ذلك.

6) إسرائيل
نأت إسرائيل بنفسها عن إبداء موقف منسجم بين الخطاب الرسمي والسلوك العسكري تجاه إسقاط النظام السوري منذ عام 2011. ويُظهر السلوك السياسي والعسكري الإسرائيلي أنها لم ترغب في أي وقت من الأوقات في إسقاط النظام، رغم قدرتها على تحقيق ذلك، وأنها فضّلت التعامل مع النظام الذي عرفته واختبرته لعقود طويلة وشكل لها سياجاً آمناً، بدلاً من المغامرة مع بديل غير مجرب يجعلها تعيش في خطر التعامل مع نظام جديد.
وبالمقابل فإن إسرائيل اعتمدت سياسة التدخل المباشر للحد من إمكانات النظام عبر استهداف حليفه الإيراني. وانعكس هذا التدخل في ضربات مستمرة لم تتوقف تقريباً منذ عام 2013.

ثالثاً: المآلات المستقبلية للنظام
طرأت على بنية النظام السوري منذ بدء الصراع في سورية عام 2011 وحتى عام 2020، تغييرات كبيرة تمسّ العديد من القطاعات العسكرية، الأمنية، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية.

سياسياً، فقد النظام خارجياً حضوره السياسي، وتحول إلى نظام منبوذ في المحافل الإقليمية والدولية، ولا يبدو أن من الممكن له أن يعود إلى وضعه الطبيعي قبل إقرار حلّ سياسي مقبول من المجتمع الدولي.

وفقد النظام الكثير من تأثيره على القرار السوري، فبعد أن كان متحكماً به بالكامل قبل عام 2011، أصبح قراره مرهوناً بموافقات حلفائه وداعميه، وتحوّل إلى العمل في الهوامش الصغيرة التي تتاح له، تماماً مثلما تفعل بقية المكونات السورية، كالمعارضة والقوى الكردية.

ورغم فشل المعارضة في الحصول على شرعية قانونية دولية، إلا أنها تمكّنت من انتزاع اعتراف سياسي بوجودها كمقابل للنظام، وهو ما أقرّه حلفاء النظام من خلال اعتماد اللجنة الدستورية، وقبل ذلك في موافقتهم على إطار جنيف وأستانا.

عسكرياً، باتت مؤسسة الجيش مترهلة وضعيفة أكثر من أي وقت مضى، فقد فَقَدَ الجيش معظم الدبابات والمركبات المدرعة والطائرات وأنظمة الدفاع الجوي التي كانت متاحة قبل الحرب، ولا يُعتقد أنه سيكون من الممكن استعادتها في وقت قصير(14).
كما فقد الجيش عدداً كبيراً من كفاءاته في السنوات الماضية، وأصبحت مكوناته مزيجاً من قوات نظامية وأخرى ميليشياوية، مع توزّع الولاء والنفوذ بين الإيرانيين والروس، بعد أن كان رأس النظام سابقاً هو صاحب الولاء والنفوذ المطلق.
وبذلك لم يعد الجيش الذي يمثل أحد أذرع النظام ذو تأثير كسابق عهده وأي محاولة لإعادة تشكيله فسوف تكون بأيدٍ خارجية وتفقده دوره وتأثيره السابق.
اقتصادياً، توقف الإنتاج بشكل كلي أو شبه كلي في العديد من القطاعات الإنتاجية الرئيسية، كما خسر النظام سيطرته على العديد من الموارد الحيوية، وخاصة النفط والغاز، وكثير من الأراضي الزراعية شرق الفرات وشمال سورية.
وأدّت سنوات الحرب إلى إنهاك الميزانية العامة، وإضعاف المخزون النقدي من القطع الأجنبي، وتراكم الديون الخارجية.
كما تسببت عمليات النظام العسكرية والأمنية بهجرة الكثير من رأسمال السوري إلى الخارج، إضافة إلى هجرة آلاف من الخبرات والكفاءات السورية.

وانخفضت قيمة الليرة السورية بشكل كبير، حتى وصلت إلى مستويات لم تصلها خلال كل سنوات الحرب. وتُظهر المؤشرات الحالية أن هذه القيمة سوف تستمر في تدهورها على المستوى المنظور.

وتُظهر كل هذه المؤشرات أن النظام شهد حالة انهيار اقتصادي على مستوى الدولة.
اجتماعياً، فقد النظام السوري العديد من شبكات الحماية التي كان قد أسسها على مدار 5 عقود، ما اضطره إلى إعادة بناء شبكات اجتماعية أمنية جديدة في المناطق التي خرجت عن سيطرته واستعادها مجدداً، بعد أن تسبّبت الاحتجاجات الشعبية بتكوين ما يشبه حدّاً فاصلاً بين حقبة حكم وأخرى. جاء ذلك على حساب تحوّل تلك المناطق إلى بؤر أمنية تُشكّل تحديّات كبيرة أمام قدرته على السيطرة مثل جنوب البلاد.

ما سبق من تغييرات على بنية وشكل النظام السوري نتيجة سنوات الصراع، تُشكّل أرضية ملائمة أمام تصوّر المستقبل الذي قد تصبح عليه وفقاً لسياسات القوى الدولية.

1) روسيا
تسعى روسيا إلى تحقيق إصلاح عسكري في بنية الجيش السوري ليكون احترافياً وغير أيديولوجي، وألا يكون قادراً ولا راغباً في تهديد دول الجوار(15).

بطبيعة الحال، يبدي النظام السوري ممانعة لأيّ خطوات قد تؤدي إلى تقويض سيطرته على المؤسستين العسكرية أو الأمنية، وهذا ما يُفسّر زيادة التعيينات على أساس طائفي بشكل غير مسبوق في هاتين الأخيرتين. ولا يبدو أنّ هذه الممانعة قد تكون مجدية مستقبلاً.
وطالما، أنّ إسرائيل تعمد إلى إضعاف الدولة في سورية، وهو هدف تسعى إليه غالباً بما لا يتعارض مع سياسات روسيا في هذه الأخيرة، لذلك ليس مستبعداً التوصل لتفاهمات ثنائية تقلل من حجم التسليح والتدريب والقوة التي سوف تكون عليها المؤسسة العسكرية مستقبلاً.
ولكن إصرار روسيا على عدم إسقاط النظام السوري لا يعني عدم وجود رغبة لديها في إجراء تغييرات على مستوى القيادة السياسية مستقبلاً، فما يهمّها فعلاً هو بقاء هيكل النظام الذي يرعى مصالحها حالياً ومستقبلاً.
2) إيران
إنّ نظرة إيران إلى شكل النظام السوري مستقبلاً لا تختلف عن مقاربتها لنموذج العراق، فهي تريد تأسيس ميليشيات وقوى محليّة تضمن لها مصالحها في حال انسحابها لاحقاً أو تقليل تواجدها المباشر، تكون بمثابة جيش موازٍ للمؤسسة العسكرية، التي سعت أصلاً لاستمالة بعض الوحدات فيها مثل الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد شقيق بشار الأسد.

ومن هذا المنطلق، فإنّ إيران ربما تكون أكثر دولة قد ساهمت عملياً في تغيير النظام مقارنة عما كان عليه في عام 2011، وأنها تمثل التهديد المباشر للجهود الروسية التي تسعى إلى إصلاح النظام وتقويته، إذ أن استعادة النظام لقدراته السابقة سوف تكون على حساب النفوذ الإيراني الحالي.

3) الولايات المتّحدة، الاتّحاد الأوروبي وتركيا
في الأصل، تُفضّل هذه الدول الوصول إلى نموذج حكم ينسجم مع سياساتها أو لا يتعارض معها على الأقل. ومع إزالة خيار إسقاط النظام السوري عسكرياً من طاولة البحث، فقد تحوّلت هذه الدول إلى دعم خيار تغيير سلوك النظام وبعضاً من بُنيته، بالشكل الذي يحفظ مصالح هذه الدول، ويمنع النظام من تهديد الأمن الإقليمي، إن لم يتحول إلى فاعل إيجابي في حمايته.

وبناء على ذلك، قد تدعم هذه الدول مبادرات تقود إلى فرض الاستقرار من خلال الوصول إلى وقف إطلاق نار شامل يقود إلى مناطق آمنة تنبثق عنها وحدات سياسية داخل حدود الدولة الموحّدة، وتكون ذات شخصية مستقلة نسبياً لحين مرحلة ما بعد الحل السياسي.

لكن، تواجه هذه الدول عثرة أمام تحقيق هذه الرغبة المشتركة، وهي التفاهم فيما بينها حول العديد من الملفات حول تواجد وتأثير كل منها في مستقبل سورية.

الخلاصة
عموماً، غابت الرغبة والجديّة لدى معظم القوى الدولية في إسقاط النظام السوري الذي استفاد من هذا العامل في تعزيز قدرته على الاستمرار والبقاء مستفيداً من ضعف أداء قوى المعارضة والدعم السخي والحماية من حلفائه.
وقد استخدم المجتمع الدولي العديد من المبررات لتفسير إحجامه عن اتخاذ خطوات جادة لإسقاط النظام، كان أبرزها ضعف المعارضة وغياب البديل. إلا أن قراءة المعطيات التاريخية تُشير إلى أن الدول الكبرى لا تقوم بانتظار البدائل أو الاعتماد على المعارضات عندما ترغب في التغيير، بما يؤكّد أن هذه المبررات كانت دعائية وإعلامية لا أكثر.

ورغم عدم سقوط النظام خلال السنوات السابقة، وغياب المؤشرات على إمكانية سقوطه في المرحلة المقبلة، إلا أن تغييرات جوهرية حصلت في بنيته، حتى لم يعد مشابهاً أبداً لما كان عليه قبل عام 2011، وربما لن يكون من الممكن للنظام بأي حال أن يعود إلى نسخته القديمة حتى لو أراد، حيث لم يعد صاحب القرار الوحيد في الدولة، بوجود شركاء أجانب يقاسمونه السلطة وآخرون يملكون التأثير عليه وعلى الشركاء.

كما أن الدولة لم تعد هي ذاتها، فالنظام اليوم لم يعد يُسيطر إلا على ثلثي الأرض، وتغيب عن سيطرته معظم الموارد الطبيعية من نفط وغاز، ومعظم الطرق والمعابر الدولية خارج الخدمة أو خارج سيطرته أصلاً.

وتغير المجتمع بدوره، بشكل لم يعد من الممكن للنظام القديم أن يعود ثانية، فقد كسرت سنوات الصراع صورة النظام المرعبة، فبعد سنوات الخوف التي كان يخشى فيها المواطنون من مجرد استراق النظر إلى سيارات الأمن خشية المسؤولية والمحاسبة، أصبح المواطنون الخاضعون لسلطة النظام أمام مشاهد يومية يُهين فيها عنصر من المليشيات الأجنبية ضباطاً في الجيش والأمن، ناهيك عن قدرة عنصر واحد من الأمن العسكري الروسي على التحكم بسلوك وحدات كاملة من الجيش والأمن، إلى غير ذلك من مظاهر انهيار نظام الرعب الذي أسسه الأسد الأب.

وساهم وجود ملايين من السوريين خارج سلطة النظام بالكامل برفع مستوى معارضة النظام بكل الأشكال وبنطاق غير مسبوق في تاريخ الدولة السورية المعاصرة.

وتظهر كل هذه المعطيات أن فكرة إسقاط النظام بكل أركانه ومكوناته، والتي سادت في أوساط المعارضة بعد عام 2011، ربما لم تكن فكرة واقعية، أو ربما لم تسمح الأسباب الداخلية والخارجية بتحويلها إلى واقع، إلا أن فكرة بقاء النظام بكل أركانه ومكوناته لم تعد هي الأخرى واقعية أيضاً، كما أن التغيرات التي طرأت على النظام حتى الآن قد لا تكون إلا بداية لتغيرات أعمق ستفرضها معطيات ذاتية وأخرى موضوعية.

مركز جسور للدراسات- بقلم عبد الوهاب عاصي

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

لماذا لم يسقط النظام السوري للآن؟

هيومن فويس: متابعات تبنّت الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت في ربيع 2011 في سورية شعار إسقاط النظام، وهو الشعار الذي كان سائداً آنذاك في دول الربيع العربي. ورغم أن بعض المحتجين اختاروا في البداية اقتصار مطالبهم على الإصلاح والتغيير، إلا أن "إسقاط النظام" سرعان ما طغى على كل ما عداه. كان تفاعل القوى المحلية في سورية والإقليمية والدولية مع شعار إسقاط النظام متفاوتاً؛ سواء من ناحية غياب الرؤية المتماسكة والموقف الثابت، أو لاحقاً من ناحية الرغبة والقدرة؛ بعد أن أصبح هذا المطلب مرتبطاً بسياسات أمن واستقرار المنطقة. ومع دخول الصراع في سورية عقده الأوّل، ما يزال النظام ممسكاً بمقاليد الحكم، وإن

Send this to a friend