هيومن فويس: رغد عبد العزيز

“كان الضابط كل ما مضى القليل من وقت يدخل الشاحنة ويستفسر عن عددهم، انتهى المطاف بستة من الأفغان موجودين معنا كانوا مكبلين ولم يستطيعوا الاستفسار عن شيء سوى السكوت وانتظار مصيرهم”.

هكذا أنهى الشاب “بشير جبسة” حديثه عن رحلة الترحيل التي عاشها من تركيا إلى سوريا بتفصيل ظنه مضحكاً لمن سوف يقرأه غير منتبه لعملية صنفها البعض مدروسة على إنها إدخال متعمد للأجانب إلى سوريا.

وتابع بشير حديثه قائلاَ: عندما أصبحنا في إدلب بقوا وحدهم في العربة لم يقبلوا النزول وبدأوا بالبكاء والصراخ قائلين بكلمات تركية قليلة أنهم يريدون العودة لبلادهم وأنهم لا يريدون الدخول والبقاء في سوريا، ثم قام الضابط بضربهم بالعصا وشتمهم وسحبهم من الشاحنة ورميهم على الأرض.

وأضاف “بشير” عند استلامنا حوائجنا من هيئة تحرير الشام سألنا عنهم وقالوا إنهم سيعيدونهم إلى تركيا (ولكن مصيرهم مجهول ومنذ ذلك الوقت لا نعلم عنهم شيء)

وسؤالنا الأقوى كان “بما أنهم سيعيدونهم إلى تركيا لماذا أحضروهم إلى إدلب لمكان لا ينتمون له ولا للغته ولا يمت بصلة لهم ومع ذلك خطر عليهم داخل أراضيها”

“بشير جبسة” شابٌ سوري، كان يقيم في إسطنبول منذ منتصف ٢٠١٤، دخل إلى الأراضي التركية بشكل نظامي، ومعه إقامة وأوراق نظامية قبل فقدانها.

يتحدث بشير قائلاً: ” في الثامن عشر من تموز قامت دورية تابعة للشرطة التركية بإيقافي، عند مروري من جانب جامع أفجلار وطلبوا إبراز الهوية أو ما يُعرف ” بالكملك عند الأتراك ”

يضيف بشير: ” أخبرتهم بفقدان الكملك، لكنهم لم يستمعوا لكلامي، رغم وجود عقد العمل، وعقد إيجار المنزل، وقاموا بسحبي الى المخفر مباشرة مع مجموعة من الموقوفين ”

وأشار بشير: ” انهم في المخفر قاموا بإرغامنا على التوقيع لمغادرة البلاد ” وقال عند دخولنا للزنزانة رأينا شاب يبلغ من العمر ١٧ عاماً تكلمنا مع الجندرما وبدأنا بمحاولة حل قصته على أنه مازال صغير بعد ساعة من عدم الاستجابة أخذوه إلى زنزانة أخرى لكي لا يراه أحد قبل أن يتم تقييدنا وإرسالنا،  نمنا ليلة في المخفر، كانت غرفة لا تتسع إلا ١٧ شخصاً ونحن كنا نحن ٢٨ وضع الغرفة يشبه تماماً غرف الاعتقالات في سوريا، لم تغسل منذ مدة، الأغطية لم يلمسها أحد، الحمامات موصولة مع الغرف، نادانا أحد عناصر الجندرما لنحمل انا وصديقي علب الطعام التي كانت تكفي شخصاً فقط أن يحملها بسبب قلتها.

بعدما كنا نائمين لم نشعر إلا وباب الزنزانة قد قام أحد بركله وبدأ الصراخ بصوت عالٍ لم نفهم ما قاله لأننا استيقظنا خائفين (كان يسألنا إذا ماكنا جائعين) وعندما لم نرد عليه قام برمي اكياس الخبز والعصير على الأرض وهمّ بالخروج

وفِي نفس السياق يضيف ” كان معنا شاب من درعا رفض التوقيع، وطالب بإحضار المحامي، لان موعد استلامه الكملك كان بعد يومين، لكن الشرطة تعاملت معه بقسوة وقامت بضربه لأجل التوقيع”

عن الرحلة الى إدلب يتحدث بشير: ” بقينا مكبلين في الحافلة قرابة ٢٤ ساعة، وكان معنا ضابط يقوم بتهدئتنا بأننا ذاهبون لولاية “هاتاي” لاستخراج الكملك من هناك والاستقرار في المدينة ”

حدث ما لم يكن بالحسبان، الى إدلب حيث القتال والقصف والنزاع على المدينة بين المتقاتلين، يقول بشير: ” كانتِ الدهشة أننا أصبحنا في الأراضي السورية.

لم يكن بشير وحده الذي تعرض للترحيل فقد قامت الشرطة وقوات الأمن التركي بترحيل ما يزيد عن 4500 شاب سوري من مختلف الولايات التركية بعضهم يحمل وثائق رسمية نظامية واقامات مؤقتة لا تضطرهم إلى الترحيل أبداً لكن وبحسب الناشط الحقوقي “حسين بصبوص” أن مزاجية دورية الأمن أو الضابط هي المسؤولة عن تطبيق القوانين أو انتهاكاها بشكل أو بأخر وهذا الكلام ينطبق على جميع موظقين الدولة من دوائر حكومية وكوادر طبية وغيرها.

ليس “هشام مصطفى” بأفضل حالاً من بشير، فمصطفى من مدينة حلب (السفيرة)، في بداية عقده الثالث من العمر، التقى ببشير في رحلته القسرية الى بلاده، ومع حملة الترحيل الأخيرة قامت السلطات التركية بترحيله إلى إدلب، مخلفاً وراءه زوجته وثلاثة أطفال ، حيث اقتيد من مكان عمله في إسطنبول ومنها الى ادلب، فضلاً ان عائلة “مصطفى” يملكون إقامات إسطنبول.

لم يجلس “مصطفى” كثيراً في الداخل السوري، بل حاول العبور مرة أخرى، ولكن كانت المحاولات متعثرة، وفِي إحدى المحاولات قُتل “مصطفى” برصاص الجنود الأتراك ولم يعد الى أهله وأطفاله حتى وهو محمولاً على الاكتاف.

كما يروي شاب من درعا رفض التصريح باسمه عندما روى قصته قائلاً: كنت ذاهباً للعمل في يوم عادي مثل بقية الأيام ،أحمل جوازي السفر وورقة موعد (الكملك) احتياطاً وطلبتها مني دورية البوليس أمام جامع أفجلا (تماماً مثل بشير) أعطيتهم جوازي السفر (الذي يملك ختم دخول نظامي لتركيا) وأعطيتهم ورقة موعد الكملك، قالوا أن هذا لا ينفع وأن عليَّ مرافقتهم للمخفر للتأكد، وافقت وذهبت معهم وحدث مالم يكن بالحسبان!

وإذا بهم يجبروني على التوقيع أنني لا املك (كملك) رفضت التوقيع وطلبت محامي لان هذا شيء غير قانوني ان يجبروني على التوقيع وموعدي بعد يومين لم يوافقوا على رؤية الأوراق ولم ينظروا لجوازي لُحِقتُ بالضرب والشتم من قبل أربعة عناصر من الشرطة وجبروني على التوقيع، تذكرتُ تماماً لحظة اعتقالي في سوريا وشعوري حينها بالإهانة، وحتى غرفة السجن كانت أشبه بمكان لا يستطيع حتى الحيوان أن يبيت بها لم يفرق شعوري ابداً حينها عن شعوري بسجون الأسد، غير أنهم كانوا يعطوننا جرعات أمل أننا ذاهبون لهاتاي وليس إلا سوريا

لا اعلم كمية الاستهزاء بنا عندما حاولوا إقناعنا بأنهم سيخرجون لنا الكمالك هناك وأنا لدي موعد في بورصة وبشير لديه قيد في اسطنبول أساساً لكنني فضلت العيش على الأمل، لم أكن أريد الموت مرتين، مرة في أحضان بلدي والثانية في أحضان غربتي

يذكر أن الحكومة التركية أصدرت مجموعة قرارات بحق السوريين مطلع تموز من العام الحالي تقتصر بحسب قول وزير داخليتها “سليمان صويو” على إعادة تنظيم تواجدهم في كبرى المدن التركية “إسطنبول” وقد بدأت الشرطة التركية حملة اعتقالات واسعة وعشوائية في صفوف السوريين المقيمين في المدن الكبرى في إسطنبول وإزمير وهاتاي وغيرها وقد قامت بترحيل عدد كبير منهم إلى سورية وسط انتهاكات كبيرة تخللها الضرب والاهانات والسجن بحسب شهود عيان.

تنويه: المادة تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس 

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

شهادات للاجئين رحلتهم تركيا.. "هكذا دخل الأفغان إلى سوريا"

هيومن فويس: رغد عبد العزيز "كان الضابط كل ما مضى القليل من وقت يدخل الشاحنة ويستفسر عن عددهم، انتهى المطاف بستة من الأفغان موجودين معنا كانوا مكبلين ولم يستطيعوا الاستفسار عن شيء سوى السكوت وانتظار مصيرهم". هكذا أنهى الشاب "بشير جبسة" حديثه عن رحلة الترحيل التي عاشها من تركيا إلى سوريا بتفصيل ظنه مضحكاً لمن سوف يقرأه غير منتبه لعملية صنفها البعض مدروسة على إنها إدخال متعمد للأجانب إلى سوريا. وتابع بشير حديثه قائلاَ: عندما أصبحنا في إدلب بقوا وحدهم في العربة لم يقبلوا النزول وبدأوا بالبكاء والصراخ قائلين بكلمات تركية قليلة أنهم يريدون العودة لبلادهم وأنهم لا يريدون الدخول

Send this to a friend