هيومن فويس

تتنافس الدول لتطوير قواها المعنوية والاقتصادية والعسكرية والبنيوية، لتحتل مكانا متقدما على سلم الترتيب الدولي، مما يسمح لها بالتأثير في سلوك الآخرين تجاهها وتمرير سياستها لتحقيق أهدافها الإستراتيجية.

وليست تركيا وإيران استثناء من هذه القاعدة، فالعلاقة بين الدولتين الأهم إقليميا اكتسبت طابع الندية نتيجة تضارب مصالحهما إقليميا ودوليا في كثير من الملفات، ولم ينف ذلك وجود قضايا التقيتا فيها على موقف واحد دفعهما لإيجاد صيغة تعاون بينهما.

في هذا التقرير سنعقد مقارنة بين الدولتين المحوريتين في الإقليم، وسنحاول أن نرصد فيه أهم ملامح القوة لهما، وترتيبهما على سلم القوى الدولية، خصوصا أنهما تتقدمان في منطقة مشتعلة تتشابك فيها مصالح القوى الغربية والشرقية على حد سواء.

الكتلة الحرجة
تكمن عناصر القوة الشاملة للدول في إرادتها الوطنية وأهدافها الإستراتيجية وقدراتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، يضاف إلى ذلك كله الكتلة الحيوية الحرجة المتمثلة بالأرض والسكان.

وفي حالة تركيا وإيران فإن الكتلة الحرجة لهما تتشابه إلى حد كبير من حيث وقوعهما في نطاق جغرافي متقارب وضمن مكونات سكانية وديمغرافية فيها قدر كبير من التشابه.

وبناء على نتائج حسابات القوة الشاملة للكتلة الحرجة بحسب مقياس العالم الأميركي راي كلاين -وفق بيانات أوردها المركز الديمقراطي العربي ومقره في برلين- فإن تركيا تفوقت على إيران في جودة التعليم والصحة والتجانس العرقي والديني، في حين تفوقت الأخيرة على الأولى بالوجود الحضاري والثقافي، إضافة إلى معدل الزيادة السكانية.

القوة العسكرية
يعتبر الجيشان التركي والإيراني من أقوى الجيوش في العالم، ويحتلان مراكز متقدمة من حيث العدد والعتاد وحجم الإنفاق العسكري.

وتمتاز تركيا عن إيران بتنوع مصادر تكنولوجيا السلاح، فبالإضافة إلى الولايات المتحدة تتلقى تركيا تكنولوجيا عسكرية من ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وكوريا الجنوبية وفرنسا وإسبانيا والصين وروسيا.

أما إيران فسعت إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأسلحة المتقدمة وامتلاك قدرة ذاتية تمكنها من مواجهة الحصار المفروض عليها من النظام العالمي، واتخاذ الاحتياطات الأمنية لمجابهة الوجود العسكري الأجنبي الكثيف في المنطقة، كما يشار إلى امتلاك طهران برنامجا نوويا تقول إنه لأغراض سلمية.

وتاليا بعض المعلومات المفصلة التي أوردها موقع غلوبال فاير باور في تقريره السنوي عن أقوى جيوش العالم لعام 2018.

وكما يبرز الجدول فإن لكل من الجيشين نقاط قوة يتميز فيها عن الآخر، إلا أنه في مجمل تقدير القوة العسكرية الشاملة التي تحسب من 200 نقطة، فإن الجيش التركي يتقدم بـ141 نقطة مقابل 134 لنظيره الإيراني.

فبينما تقدم الجيش الإيراني بعدد القوات والبرنامج النووي فإن الجيش التركي -وفقا للتقديرات- تقدم في مجالات التسليح بشكل عام والقدرات القيادية ومستوى التدريب، إضافة إلى الخبرات الحربية.

والجدول أدناه يوضح تقييم بعض عوامل القوة العسكرية لكل من الدولتين، وفق مقياس كلاين.

القوة الاقتصادية
العلاقات الاقتصادية بين تركيا وإيران قديمة جدا، وقد مرت بفترات مد وجزر بحسب ما تمليه الظروف السياسية دوليا وإقليميا، لكن التقارب الاقتصادي بين البلدين آخذ بالتزايد، خصوصا بعد توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى عام 2015.

وقد نجحت الدولتان في تأسيس شراكة قوية استطاعتا من خلالها رفع حجم التبادل التجاري بينهما إلى أكثر من 10 مليارات دولار مع طموح بزيادتها إلى 30 مليارا.

كما وقعت الدولتان اتفاقية تجارة تفضيلية في بداية عام 2015 بهدف الوصول إلى حجم تبادل تجاري بينهما يصل إلى 45 مليار دولار.

ويميل ميزان التبادل التجاري بين البلدين الآن لصالح تركيا التي تتقدم على إيران في حجم الناتج المحلي وحصة الفرد، لكن حجم الدين الخارجي الإيراني أقل بكثير منه في تركيا، وتاليا جدول يبين أهم محددات القوة الاقتصادية في البلدين.


القوة السياسية والدبلوماسية
بالإضافة إلى عناصر القوة السابقة، فإن القوة السياسية والدبلوماسية تعتبر من المقومات الأساسية لقياس مقدار قوة الدولة الشاملة، ويعتبر نظام الحكم داخليا فيما إذا كان ديمقراطيا أو دكتاتوريا محددا مهما للقوة السياسية للبلاد.

وأهم عناصر القوة السياسية للبلاد داخليا حجم المشاركة السياسية، والتداول السلمي للسلطة والفصل بين السلطات وآلية اتخاذ القرار، يضاف إلى كل ذلك مستوى حقوق الإنسان والحريات الممنوحة له.

أما في ما يتعلق بالعلاقات الدبلوماسية فإن أهم العناصر تقوم على حجم التمثيل الدبلوماسي، وعضوية الدولة في المنظمات الدولية والإقليمية، ومشاركة الدولة في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ومدى قدرة الدولة على رعاية مصالحها الخارجية.

وحسب تقديرات لعدد من الدراسات، فإن تركيا تتقدم على إيران في هذه المجالات، وخلال هذه الدراسات جرى الحديث عن التأثير السلبي للبرنامج النووي الإيراني ونظام الحكم فيها على حجم علاقاتها الدبلوماسية.

ختاما، نشير هنا إلى أهمية أن هذا التقرير لا يفترض وجود مواجهة بين الدولتين، بل العكس فالواقع السياسي يقدم رؤية مختلفة تماما، وهي أن الدولتين تواجهان الآن تحديات هائلة تدفعهما لإيجاد صيغ تقارب أكبر بينهما.

 

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

مقارنة بين قدرات تركيا وإيران

هيومن فويس تتنافس الدول لتطوير قواها المعنوية والاقتصادية والعسكرية والبنيوية، لتحتل مكانا متقدما على سلم الترتيب الدولي، مما يسمح لها بالتأثير في سلوك الآخرين تجاهها وتمرير سياستها لتحقيق أهدافها الإستراتيجية. وليست تركيا وإيران استثناء من هذه القاعدة، فالعلاقة بين الدولتين الأهم إقليميا اكتسبت طابع الندية نتيجة تضارب مصالحهما إقليميا ودوليا في كثير من الملفات، ولم ينف ذلك وجود قضايا التقيتا فيها على موقف واحد دفعهما لإيجاد صيغة تعاون بينهما. في هذا التقرير سنعقد مقارنة بين الدولتين المحوريتين في الإقليم، وسنحاول أن نرصد فيه أهم ملامح القوة لهما، وترتيبهما على سلم القوى الدولية، خصوصا أنهما تتقدمان في منطقة مشتعلة تتشابك فيها

Send this to a friend