هيومن فويس 

لم يكن حال سوريا الإعلامي قبل ثورات الربيع العربي مختلفا عن حال معظم الدول العربية، فالنشاط الإعلامي فيها كان مرهوناً بيد السلطة الحاكمة وتحت رعاية القبضة الأمنية، وعانت سوريا قبل عام 2011 من احتكار وتسييس النشاط الصحافي بما يتلاءم مع سياسة وساسة الحكم، أما حرية التعبير فكانت في أدنى مستوياتها وفي حالات كثيرة كان يمكن وصفها بـ “المعدومة” وكان الانتقاد أشبه بالجريمة النكراء، يحاسب عليها المرء ويهان.

مع انطلاقة الثورة السورية ضد نظام حكم الأسدين الأب والابن، أصبح النشاط الإعلامي ضرورة ملحة للثائرين، لنقل وقائع المظاهرات والاحتجاجات التي دأب النظام الحاكم عبر وسائل إعلامه الناطق باسمه على تكذيبها، فتارة كان يدعي أن المتظاهرين خرجوا للشوارع لشكر الله على نعمة المطر، وتارة كان تجمهرهم بسبب تقديم شكاوى ضد شركة الاتصالات لضعف الخدمات، وهذا ما دفع السوريين في العديد من المظاهرات للهتاف “كاذب.. كاذب .. الإعلام السوري كاذب” بسبب تبني ذلك الإعلام لرواية الحاكم، ومحاولة تضليل الرأي العام بعد وسم المحتجين بـ “المندسين والمخربين” وكان النظام يستغل ورقة غياب أي منابر إعلامية تنقل صوت المحتجين ومطالبهم لسحق معارضيه بكل ما أوتي من قوة.

بدأ الإعلام البديل أو “الحر” في سوريا بعدة طرق بسيطة ولكنها فعالة في نقل مجريات الأحداث، من إنشاء صفحات محلية لكل منطقة على موقع فيسبوك، وصولاً إلى اعتماد برنامج “سكاي بي” والغروبات للتواصل مع الإعلام العربي والدولي المهتم بالقضية السورية، ونقل الأوجاع والمداهمات والاعتقالات بأدوات بسيطة، كانت تعتمد في غالب الأوقات على الهواتف الذكية، ورغم ضعف جودة الكاميرات الخاصة بتلك الأجهزة، إلا أنها كانت عاملاً مهماً في بداية مشوار إعلامي أصبح اليوم أكثر حداثة وتطورا عن سابق عهده، ولعل أهم تلك التطورات أن الإعلام لم يعد في يد السلطة الحاكمة فحسب، في حين أن الأسد هاجم مرارا وتكرارا الإعلام المعارض له ولنظامه واتهمه بالعديد من التهم.

صحافة بعثية إلى الأبد!

قبل الثورة كانت الصحافة السورية حسب الصحافية المعارضة سما مسعود، هي صحافة حزب البعث فقط، لا منافس ولا خيارات أخرى أمام الجمهور إلا منابر الدولة الإعلامية، والتي هي منابر لحزب البعث.

فلم يكن الإعلام يتمتع بسلطة حقيقية ولم يكن يستطيع أن ينقل إلا أحداثا تملى عليه من المخابرات، حتى المكتبة الوطنية لم تكن لتقرأ فيها إلا كتبا محددة موافق عليها من قبل المخابرات، وإن أردت قراءة كتاب ما غير متوفر لأسباب مجهولة عليك أخذ موافقة خطية من الجهة الأمنية المسؤولة عن المكتبة.

فعلى سبيل المثال، أحداث القامشلي 2004 لم توثق بكاميرات صحافية ولم يعرف الشعب في بقية المحافظات ما الذي يجري ليحكم هو بنفسه أو على الأقل ليأخذ موقفاً حراً مبنياً على وقائع تصل إليه حقيقة. ورغم إنشاء النظام السوري لبعض المنابر الإعلامية الرديفة، إلا أنها أيضا كانت مسلوبة الإرادة والهوية، وكان الهدف منها تخفيف الاحتقان الداخلي.

مسعود تحدثت لـ “القدس العربي” قائلة: كان المواطنون في اللقاءات التلفزيونية يمجدون القيادة، ويعبرون عن ولائهم لها حتى لو سئلوا عن أماكن تنزههم ومشاعرهم اتجاه تغيرات الطقس.

ولكن كل ذلك تغير برمته مع انطلاقة الثورة. مئات الوسائل الإعلامية استحدثت، عرف السوريون شكلاً إعلامياً جديداً هو الإعلام الشعبي فيسبوك مثلاً متاح وبتكلفة معقولة يمكنك أن تعبر فيه عن رأيك دون أن يعرف أحد عنك شيئاً، فقد أصبح هناك تنافس بين المنابر الإعلامية في نقل الهم السوري وفي إيصال الحدث للمواطن البسيط بشكل مبسط موسع.

أزمة الهوية

هذه المنابر التي ولدت بعد عام 2011 ورغم نجاحاتها في نقل الخبر السوري للعالم بطرق عدة وتتنافس في ما بينها في فنيات الإخراج والنشر، إلا أنها أصبحت بعد سنوات الحرب العجاف، تنطق بلسان الدول التي تقدم لها الدعم، فالإعلام يبقى مرهونا ما لم يكن ممولاً تمويلا ذاتيا شعبيا، وهذا يأتي مع الانفتاح الفكري وازدياد الوعي الشعبي وأفضل مخرج هو الوسيلة المجتمعية التي يساهم المجتمع في تمويلها ليضمن استقلالية خبره، مما جعل تلك الوسائل تعاني من أزمة في الهوية الوطنية وانحسار كبير في خيارات الصمود.

موت سريري

وترى الصحافية سما مسعود أن الوسائل الإعلامية المحسوبة على المعارضة قد أخطأت حينما انقادت لسياسات الدول الداعمة في الغمز واللمز على بعضها وأحياناً سرقة الكوادر، وأن أهم ما سلب من الإعلام السوري البديل هو الاستقلالية، فبدلاً من تشكيلها لرأي عام، أصبحت مهمتها توجيه الرأي العام لحساب هذه الدولة أو تلك.

أما على مستوى الأفراد، فقد حقق السوريون من أبناء الإعلام البديل نجاحات كبيرة خلال السنوات الماضية التي بدأوها كمواطنين صحافيين، وحققوا انجازات رائعة وصلوا فيها إلى العالمية، وكل تلك النجاحات مهمة، ولكن الأهم هو العمل الجماعي المؤثر والقادر على تشكيل رأي عام يسعف السوريين مما هم فيه.

وترى الصحافية المعارضة أن أهم المصاعب التي تحاصر الإعلام السوري البديل اليوم، هي غياب الاستقلالية التامة، والاستمرارية من النواحي المادية واللوجستية، بالإضافة إلى المشكلة الأساسية بعد معرفة الوسائل الإعلامية المحلية لجمهورها بالشكل المطلوب، والمخاوف اليوم على الإعلام البديل كبيرة، فهو يعيش حالة موت سريري، ويتراجع وينحسر.

لكن ضريبة العمل الإعلامي مكلفة للغاية، فهي تعرض العاملين فيها لمخاطر جمة، وقد خسر العشرات من الناشطين السوريين أرواحهم في سبيل إيصال الكلمة ونقل معاناة السكان المضطهدين من قبل النظام الأمني في البلاد.

إلا أن كل تلك العقوبات والانتهاكات لم تثن الصحافيين السوريين عن تكملة المشوار، وبدأ هذا النشاط بالتوسع أكثر فأكثر في الجغرافية السورية، وبدأت معه مشاهدة العالم بأسره لما يجري في سوريا لحظة بلحظة، ولكن رغم عشرات آلاف الصور والمقاطع المصورة والمسربة والضغط الإعلامي الذي مارسه السوريون، إلا أن سياسة المصالح تغلبت حتى اليوم على أقل تقدير على الجانب الأخلاقي لصناع القرار.

ولم تتم حماية السوريين بالشكل المطلوب، ولا ردع نظام الحكم، بل ساءت الأحداث أكثر مع دخول دول لمساندته، وتعويم مصطلحات الإرهاب للتغطية على الإرهاب الحقيقي الذي يعد السبب الرئيسي في ظهور أي إرهاب آخر.

بعد أفغانستان

مع استعار الحرب السورية وتقلب سنواتها، أصبحت سوريا حسب منظمة “مراسلون بلا حدود” ثاني أكثر البلدان فتكاً بالصحافيين (بعد أفغانستان) خلال عام 2018 وذلك في تقريرها السنوي الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 2018.

وذكرت المنظمة أن عام 2018 شهد مقتل ما لا يقل عن 80 صحافيا، بينما ما زال 348 قيد الاحتجاز و60 في عداد الرهائن، حيث يعكس هذا الارتفاع في الأرقام عنفاً غير مسبوق ضد الإعلاميين حول العالم.

أما الباحث في مركز جسور للدراسات عبد الوهاب عاصي، فيرى أن الإعلام التقليدي والافتراضي لعب دوراً رئيسياً خلال سنوات الثورة السورية، حيث كان في أحيان لا يخلق الحدث على أرض الواقع ولا يستبقه، إنما يكتسب الزخم من خلال ما يحصل ويدعم التفاعلات فيه عبر الحشد والتحريض والمناصرة والتفاعل وتعزيز التواصل وغير ذلك، وفي أحيان أخرى كان يخلق الحدث على الأرض ويستبقه عبر سبل مختلفة، وفي مرات كان يعمل على تغيير الوقائع عبر تشكيل اتجاه عام لها جديد وافتراضي سرعان ما تتم محاكاته في الواقع.

إعلام تقليدي وافتراضي

كثيراً ما كان يختلف دور الإعلام بشقيه حسب الظروف المتغيرة، والتي كانت تفرض آلية تعاطي كل منهما مع الآخر، على سبيل المثال في مراحل الثورة الأولى كان الإعلام التقليدي يستند إلى نظيره الافتراضي في تشكيل المادة والمحتوى لصياغة الحدث أو التماهي معه.

لكن منذ أن سقطت مدينة حلب وبدأ النظام السوري يعزز من سيطرته بدعم من روسيا وإيران أصبح الإعلام التقليدي يحاول تكريس انتصار الأسد عبر العديد من الوسائل التابعة له ذات التأثير والصيت العالي، لكن شكل هذا الدور عامل افتراق بينه وبين الإعلام الافتراضي الذي عاد ليعكس الواقع كما هو عبر ظاهرة المواطن الصحافي وأظهر خطّا أو اتجاها إعلاميا مخالفا لما صوّره الإعلام التقليدي حيث بدا واضحاً أن تلك السيطرة قابلة للانهيار مرّة أخرى.

الباحث عاصي يقول لـ “القدس العربي”: شكّل الإعلام الافتراضي سُلطة على الإعلام التقليدي تدفعه نحو إعادة تصويب الاتجاه والصورة والتغطية المتبعة حول الأحداث في سوريا، وهذا في حد ذاته يعكس نجاحا وتميزا كبيرين للإعلام من حيث التجربة التي نشأت في ظل الثورة السورية.

اختلاف الأولويات

بالنسبة للعقبات فهي مرتبطة باختلاف الأهمية التي يلعبها الإعلام حسب الجهات التي تستجيب أو تتفاعل معه أو تدير شأنه، وأيضاً حسب نوعه، على سبيل المثال لم تتم الاستفادة من الاندفاع نحو تشكيل إذاعات سورية بكثافة كبيرة لتحقيق نجاح في مجال الإعلام المسموع.

في المقابل نجح السوريون من وجه نظر عاصي في الإعلام الرقمي لا سيما الصحافة الإلكترونية متجاوزين عقبة التمويل الضخم الذي يرافق الصحافة المطبوعة ومتطلباتها، أما الرأي العام فقد استطاع إيجاد حيز للتعبير فيه عن رأيه دون خوف أو ريبة بما في ذلك أولئك الذين في مناطق النظام وهذا يعتبر نجاحاً أيضاً.

ضحايا الكلمة بالمئات

في حين أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان “منظمة غير حكومية” وثقت مقتل ما لا يقل عن 689 عاملاً في الحقل الإعلامي في سوريا منذ بداية الحراك الشعبي على يد أطراف النِّزاع وفي مقدمتهم النظام، أي أنَّنا نفقد عاملاً في الحقل الإعلامي كل خمسة أيام. وحسب قاعدة بيانات المنظمة، فإنَّه لا يزال 418 عاملاً في الحقل الإعلامي معتقلاً أو مختفياً قسرياً، لقد دفع هؤلاء ثمناً كبيراً في سبيل إيصال المعلومة وكشفِ الحقيقة.

كما لم يقم أي طرف من أطراف النزاع بأيِّ نوع من عمليات التَّحقيق والمحاسبة عن الجرائم بحقِّ العاملين في الحقل الإعلامي أو عن غيرها من الجرائم، وفي مقدمة تلك الجهات التي ترعى بل وتُشرعن سياسة الإفلات من العقاب يأتي النظام السوري، الذي اقتدت به لاحقاً كل أطراف النزاع التي جاءت بعده، وتنصُّ مواد في الدستور السوري على عدم محاسبة قوات في النظام دون موافقة رئيسهم، وهذا يدلُّ على عقلية بربرية للسلطة الحاكمة وعلى رغبة في وضع تسلط لا محدود فوق رقاب المجتمع.

روسيا هي الأخرى شريك النظام السوري في الانتهاكات بحق السوريين العاملين في المجال الإعلامي، فمنذ تدخل القوات الروسية في 30 أيلول/سبتمبر عام 2015 ارتكبت موسكو سلسلة من الهجمات الوحشية شمال البلاد وجنوبها وتسبَّبت هذه الهجمات في مقتل 19 من الكوادر الإعلامية قضى معظمهم نتيجة سياسة الهجوم المزدوج التي اتبعتها القوات الروسية، كما تعرَّض الصحافيون والعاملون في الحقل الإعلامي في المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل في المعارضة المسلحة إلى عمليات قتل واعتقال وواجهت هذه الفصائل الصحافيين والمنتقدين لسياستها بالقمع والتَّرهيب، وكذلك في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية الكردية المدعومة من التحالف الدولي.

المصدر: القدس العربي: حسام محمد

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

سوريا: شهداء الكلمة بالمئات وإبداعات دخلت مرحلة الموت السريري

هيومن فويس  لم يكن حال سوريا الإعلامي قبل ثورات الربيع العربي مختلفا عن حال معظم الدول العربية، فالنشاط الإعلامي فيها كان مرهوناً بيد السلطة الحاكمة وتحت رعاية القبضة الأمنية، وعانت سوريا قبل عام 2011 من احتكار وتسييس النشاط الصحافي بما يتلاءم مع سياسة وساسة الحكم، أما حرية التعبير فكانت في أدنى مستوياتها وفي حالات كثيرة كان يمكن وصفها بـ “المعدومة” وكان الانتقاد أشبه بالجريمة النكراء، يحاسب عليها المرء ويهان. مع انطلاقة الثورة السورية ضد نظام حكم الأسدين الأب والابن، أصبح النشاط الإعلامي ضرورة ملحة للثائرين، لنقل وقائع المظاهرات والاحتجاجات التي دأب النظام الحاكم عبر وسائل إعلامه الناطق باسمه على تكذيبها،

Send this to a friend