هيومن فويس

على ضفاف النيل في مدينة خرطوم الشمال، والمعروفة باسم “الخرطوم بحري”، الواقعة شمال العاصمة السودانية الخرطوم، يطل مبنى ضخم حديث مكون من ستة طوابق يُغلفه زجاج أزرق عاكس مع أرضيات رخامية فاخرة، ويبدو المبنى للوهلة الأولى أنه أحد مباني سلسلة فنادق عالمية، إلا أن المبنى الفائق الفخامة هو في حقيقة الأمر أحد المستشفيات الخاصة السودانية المنشأة حديثًا تحت اسم “يونيفرسال السودان”.

لم يكن ذلك المستشفى عاديًا في أي وقت أو يمتلكه مستثمرون عاديون في القطاع الطبي السوداني مثلًا، وإنما يديره أفراد متقاعدون في جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني، محتويًا على أحدث الأجهزة والمعدات الطبية. ورغم أن تجهيز إحدى المستشفيات بالأجهزة الطبية الحديثة في أي دولة يعد أمرًا اعتياديًا طالمًا توافرت الإمكانيات المادية، إلا أن هناك مكان واحد لم يُسمح له دوليًا بذلك ولو توافرت الموارد، لذا عُد تجهيز مستشفى بجميع الأجهزة الطبية الحديثة أمرًا مستغربًا حينما يكون مقامًا على أرض دولة كالسودان، خاصة في ظل عقوبات أمريكية سابقة حولت المستشفيات الحكومية، التي تبعد عدة كيلومترات عن يونيفرسال، إلى مساكن أشباح وأطلال لصعوبة الحصول على أجهزة طبية أو قطع غيار من أي نوع.

في خضم ذلك، أشارت وثيقة حصلت عليها وكالة بلومبيرج(1) -في أكتوبر/ تشرين الأول للعام الماضي 2017- من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC، التابع لوزارة الخزانة الأميركية والمخول بمراقبة ومنح التراخيص للشركات الأجنبية التي تريد إجراء معاملات مع دولة تفرض عليها الولايات المتحدة عقوبات سارية مثل السودان قبل رفعها في التوقيت المذكور، أشارت إلى أن شركة “GE Health care” الأميركية -عملاق تصنيع المعدات الطبية- قدمت عرضًا في مارس/آذار عام 2016 لتوريد أجهزة تصوير بالرنين المغناطيسي وأجهزة تصوير مقطعي وغيرها من المعدات بقيمة 25 مليون دولار إلى مستشفى يونيفرسال، وحينما سُئلت الشركة عما إذا كانت على علم بصلة المستشفى بالنخبة الحاكمة السودانية، امتنعت عن التعليق. ولم تكن “GE” -ذات القيمة السوقية القريبة من 20 مليار دولار- هي الوحيدة، لنجد أن الوثائق قد كشفت أيضًا عن توقيع الشركة السويدية للمعدات الطبية “إلكتا” عقدًا لتوفير معدات العلاج الإشعاعي لقسم الأورام بـ “يونيفرسال”، إلا أنها أكدت في بريد إلكتروني على أنها لم تكن على دراية بارتباط المستشفى بجهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني.

تعطي الحادثة السابقة ملمحًا هامًا عما يدور في المشهد الاقتصادي السوداني منذ سنوات طويلة، وهو مشهد ذي طبيعة عربية أصيلة، حيث سيطرت النخبة الحاكمة، وهي نخبة الرئيس “عمر البشير” بالأساس، على مقدرات الاقتصاد الذي خرج من تحت عقوبات دولية جثمت عليه منذ عام 1997، مستأثرة بكل ما يمكن أن يوضع في صورة استثمارات فائقة ومربحة مقابل اقتصاد منهار في أغلب قطاعاته الشعبية تحديدًا.

ورغم أن العقوبات قد تم رفعها نهاية العام السابق فقط، إلا أن آثار هذا المشهد لم تلبث أن تسببت بشكل شبه مباشر في اندلاع احتجاجات، ربما أتت متأخرة- في العديد من المدن السودانية، مثل الخرطوم وعطبرة والقضارف وأم درمان وشمال كردفان وغيرها، منذ أيام قليلة، وهي احتجاجات أتت ردًا على ارتفاع أسعار الخبز والوقود(2) ولم تتوقف حتى تلك اللحظة، ونتج عنها مقتل حوالي 10 أشخاص، حسب مصادر رسمية، بينما يأتي رقم 22 سودانيًا للآن حسب “الصادق المهدي” رئيس حزب الأمة المعارض، وعشرات الجرحى والمعتقلين، وأيضًا إحراق مقار عدد من المؤسسات الحكومية والخاصة، من بينها مقر حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وتعليق الدراسة في الجامعات والمدارس.

لطالما كان الاقتصاد السوداني، تحت وطأة عقوبات طالت لـ 20 عامًا ونخبة حاكمة استحوذت على أجزاء الاقتصاد القليلة الفاعلة وأرباحها، لطالما كان ذلك الاقتصاد أحد أضعف اقتصادات القارة أداءً تبعًا لظروف اقتصادية لا يمكن عزوها بطبيعة الحال للسودانيين أنفسهم، والبالغ تعدادهم نحو 40 مليون نسمة، لذا، كان متوقعًا للأزمة الاقتصادية والمالية الطاحنة أن تنتج طال الأمد أم قصر احتجاجات واسعة كتلك في ظل تردي أوضاع معيشية لا يتوقف، إلا أن نظرة على تفاصيل إدارة تلك النخبة للمشهد السوداني الاقتصادي ربما يكشف نقاطًا أهم يمكن أن ترسم مسار الاحتجاجات الحالية ومستقبلها.

ليست الغضبة الأولى
بموجب اتفاق السلام المُوقع عام 2005، فقد انفصلت ولاية السودان الجنوبية لتشكل جمهورية جنوب السودان عام 2011 مخلفة ورائها صدمات اقتصادية متعددة، كانت أكثرها وطأة خسائر ثلاثة أرباع عائدات النفط التي كانت تمثل أكثر من نصف إيرادات الحكومة السودانية و95% من صادراتها، ليهبط معدل النمو الاقتصادي بشكل كبير، ويرتفع التضخم لمستوى الرقمين، مع ارتفاع مضطرد في أسعار الوقود، ليؤدي كل ذلك المزيج إلى اندلاع احتجاجات عنيفة عام 2013 قابلها نظام البشير الأمني بحملات قمع وقتل وسجن للمحتجين، وهو مشهد لا تختلف بداياته عن الحادث الآن كثيرًا. ورغم أن انفصال الجنوب، وما صاحبه من نزع لآبار النفط المتخمة من يد نظام البشير وحكوماته، وفشل خطط تقاسم الأرباح التي اتفق عليها الطرفان نظير السماح بمرور النفط الجنوبي في خطوط النقل الواقعة في الشمال بسبب اندلاع الحرب الأهلية جنوبًا، رغم أن ذلك كله يبدو على ظاهره السبب الرئيس في التدهور الاقتصادي الذي تلى عملية الانفصال وحتى الآن، إلا أن أحد أسباب التدهور الرئيسة ربما في حقيقته ربما يختلف عن تلك الصورة المباشرة.

بالتزامن مع اتفاق السلام الشامل عام 2005، وحتى تقرير المصير بانفصال جنوب السودان بعدها بـ ست سنوات، كانت تلك الفترة ممثلة لذروة الإنتاج النفطي السوداني مع تدفقات نقدية دولارية قدرت بالمليارات، وتمكنت تلك الطفرة النفطية بالفعل من تحفيز متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 7.9% بين عامي 2004 و2008، مما سمح بتغطية ثغرة كبيرة في ذلك النمو، وعن غياب تلك الطفرة عقب الانفصال الفعلي، تُرك الاقتصاد السوداني عاريًا لتظهر حقيقة الهشاشة والضعف الاقتصادي على إثر فخ ما يسميه الاقتصاديين بـ “المرض الهولندي Dutch Disease”، حيث أدت التدفقات الدولارية الضخمة في فترة الطفرة إلى ارتفاع قيمة العملة السودانية أمام الدولار، وبالتالي ارتفاع تكاليف الصادرات السودانية غير النفطية ومن ثم عدم قدرتها على المنافسة العالمية مع ارتفاع قيمة الواردات، مما أدى إلى تدهور الصناعات المحلية غير النفطية نتيجة لعدم قدرتها على المنافسة، ليصبح اعتماد الاقتصاد الرئيس على عائدات النفط فقط بلا أي بديل.

كان من المتوقع أن تبدأ الحكومة في خطة تنويع الاقتصاد عقب اتفاق عام 2005 والاستجابة للتوصيات القادمة من المؤسسات الدولية وعلى رأسها البنك الدولي بضرورة إجراء ذلك التنويع، واستغلال الوفورات الدولارية المتدفقة في بناء قاعدة إنتاجية قوية، من خلال تطوير الصناعات التحويلية وتنمية القطاع الزراعي والحيواني والإنفاق على التنمية الاجتماعية والبشرية، ليسهل بعد ذلك عملية فطم الاقتصاد عن النفط، والاعتماد على تدفقات نقدية غير نفطية، إلا أن ما حدث وحتى الانفصال كان خلاف كل ذلك.

إذن كان ذلك السبب الرئيس لاشتعال شرارة الأزمة الاقتصادية المستمرة، حيث اكتفت النخبة السودانية الحاكمة بعائدات النفط مع إهمال كبير للصناعات التحويلية والزراعية، لتجد نفسها بعد جفاف مصدر تلك العائدات؛ بصدد اقتصاد مهترئ لا يقوى على مواجهة التحديات الناجمة عن الانفصال، على الرغم من علم تلك النخبة باحتمالية الانفصال الكبيرة قبل حدوثه بـ 6 سنوات عند توقيع اتفاق السلام، ولم تفاجئ به على الأرجح في يناير/كانون الثاني لعام الربيع العربي حينما صوت الجنوبيون على الانفصال باكتساح.

ونتيجة للإهمال الحكومي على مدار سنوات الطفرة في بناء قاعدة إنتاجية قوية، ظهرت مشكلة أخرى ضاغطة لاسيما في العامين الماضيين وهي عجز الميزان التجاري نتيجة ارتفاع معدل الواردات بما في ذلك السلع الغذائية، رغم امتلاك البلد الإفريقي الغني طبيعيًا لـ 50 مليون فدان صالحة للزراعة يشقها أطول أنهار العالم، وجاء ذلك الارتفاع مقابل انخفاض الصادرات، إذ تشير بيانات صندوق النقد الدولي -الواردة في تقرير المفوضية الأوروبية لوضع التجارة مع السودان- إلى ارتفاع العجز في الميزان التجاري السوداني إلى 3.7 مليار دولار خلال العام الماضي 2017(6)، ليضغط ذلك العجز على الاحتياطي الدولاري الشحيح بطبيعة الحال بعد انتهاء عصر النفط، وليؤدي لمرحلة الانهيار الحتمية.

الانهيار
مع اقتصاد جائع للعملة الصعبة، وصعوبة تمويل الواردات لاسيما الأساسية منها، وجد نظام البشير نفسه أمام مسارين اثنين: فإما الاقتراض بشراهة وبلا توقف، أو تخفيض قيمة العملة، وكان أيًا من المسارين كفيلًا بتركيع أي اقتصاد ناشئ، إلا أن البنك المركزي السوداني، والذي لا يمتلك أي بدائل بطبيعة الحال، قرر اتخاذ المسارين معًا، فقام باقتراض 200 مليون دولار من ثلاثة بنوك من أجل تمويل استيراد المنتجات البترولية والقمح والأدوية(7)، وفي أوائل أكتوبر/تشرين الأول المنصرم قرر للمرة الثالثة في بضعة أشهر خفض قيمة الجنيه السوداني المتداول في البنوك التجارية بنسبة 60%، لينخفض رسميًا من 29 إلى 47.5 جنيه لكل دولار(8)، مع استمرار فرض القيود على سحب السيولة، ووسط هجوم ضارٍ من قبل السوق السوداء على قيمة الجنيه مع نمو حجم تلك السوق، وهو نمو فاق المألوف حتى أن الحكومة السودانية نفسها صارت ضمن عملاء السوق السوداء

يمكن لسعر الدولار الأميركي أن يوضح مدى تسارع عجلة الاقتصاد السوداني المنهار، فقبل بضع سنوات فقط، ورغم وطأة العقوبات الأميركية المتواصلة وقتها، كان الدولار مساويًا لما قيمته أقل من أربعة جنيهات سودانية، وهو سعر صرف تدهور بشدة ليبلغ الآن “رسميًا” 47.5 جنيه لكل دولار، بينما تخطى في السوق السوداء أكثر من 63 جنيه لكل دولار، وسط أزمة ندرة غير مسبوقة في حجم السيولة النقدية وخلو أجهزة الصراف الآلي من الأموال، حتى أصبح مشهد الصفوف الطويلة أمام البنوك التجارية مألوفًا في أنحاء الخرطوم خلال الأسابيع الماضية.

دفعت تلك الأزمة البنك المركزي لبدء طباعة عملة فئة 100 جنيه، للمرة الأولى، بعد أن نهش التضخم القوة الشرائية للعملة فئة الـ 50 جنيهًا، ليرتفع التضخم لأكثر من 68%، وهو أعلى معدل تضخم في السودان منذ عقدين ومن أعلى المعدلات العالمية(3). ورفقة ذلك، ورغم المعدل القياسي؛ لم ترتفع الرواتب بوتيرة مناسبة وموازية تقلل من تأثير ذلك الارتفاع، ما أدى لانتشار غضب وعدم رضا شعبي بين السودانيين الذين يعانون من نقص في الدواء والغذاء في دولة لطالما عرفت قديمًا بأنها إحدى سلال غذاء العالم، حتى اضطرت العديد من الأسر الفقيرة لإلغاء وجبات كاملة يومية ليتمكنوا من البقاء على قيد الحياة، ثم تطور الأمر بالبعض للجوء للعنف لتوفير الغذاء، قبل أن تنفجر الأوضاع كما هي عليه الآن.

في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي أصدر الجهاز المركزي السوداني للإحصاء نتائج مسحه للفقر بين عامي 2014-2015، لتخرج النتيجة بأن معدلات الفقر في البلاد قد وصلت لـ 36%، ولأن الأمور بطبيعة الحال ساءت كثيرًا منذ ذلك الوقت، فقد أشار مؤشر الفقر العالمي متعدد الأبعاد MPI للعام الحالي 2018(4)، وهو مؤشر يقيس الفقر الحاد من خلال 10 مؤشرات فرعية ويصدر بالتعاون بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، أشار إلى استحواذ السودان على النسبة الأكبر من فقراء الدول العربية، موضحًا أن مجموع الفقراء في تلك الدول باختلاف مستوى الفقر يصل لحوالي 66 مليون فقير، تستحوذ السودان على قرابة ثلثهم أو نحو 20 مليونًا تقريبًا، ويعني ذلك بشكل أوضح أن نحو نصف سكان السودان فقراء باختلاف مستويات الفقر، وأن نسبة الفقر السودانية قد قفزت من 36% لـ 50% من التعداد السكاني على أقل تقدير.

لاوة على فقر نصف سكانها، لا تزال السودان دولة مثقلة بديون خارجية هائلة، وتبلغ ديون السودان الخارجية 56 مليار دولار منها 85% متأخرات، ومع تأخرها عن السداد فقد تراكمت عليها متأخرات كبيرة حتى تم إدراجها تحت قائمة “عدم الاستحقاق non-accrual status” لدى مجموعة البنك الدولي WBG منذ عام 1994، ما يعني عدم قدرتها على الاقتراض من مؤسسات البنك الدولي كالبنك الدولي للإنشاء والتعمير والرابطة الدولية للتنمية، لذا يلجأ البنك الدولي في سبيل تمويل برنامج “الحد من الفقر المدقع” داخل السودان إلى الصناديق الاستئمانية لتنمية القدرات، والشراكات المختلفة، وميزانية البنك الدولي نفسها(5).

ميدان الجزيرة: آدم المخزنجي

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

أرض الذهب والماء.. لماذا يجوع السودان؟

هيومن فويس على ضفاف النيل في مدينة خرطوم الشمال، والمعروفة باسم "الخرطوم بحري"، الواقعة شمال العاصمة السودانية الخرطوم، يطل مبنى ضخم حديث مكون من ستة طوابق يُغلفه زجاج أزرق عاكس مع أرضيات رخامية فاخرة، ويبدو المبنى للوهلة الأولى أنه أحد مباني سلسلة فنادق عالمية، إلا أن المبنى الفائق الفخامة هو في حقيقة الأمر أحد المستشفيات الخاصة السودانية المنشأة حديثًا تحت اسم "يونيفرسال السودان". لم يكن ذلك المستشفى عاديًا في أي وقت أو يمتلكه مستثمرون عاديون في القطاع الطبي السوداني مثلًا، وإنما يديره أفراد متقاعدون في جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني، محتويًا على أحدث الأجهزة والمعدات الطبية. ورغم أن تجهيز إحدى

Send this to a friend