هيومن فويس

ثلاثة طلبات قدّمتها الأربعينية يسرى من أجل العودة إلى منطقة القصير في محافظة حمص وتثبيت ملكية منزلها، خوفاً من أن يستولي عليه النظام بموجب المخطّط التنظيمي الجديد للمدينة والذي صدر بموجب القانون رقم “10” سيئ الصيت كما تصفه بعد أن أكدت على عدم الكشف عن هويتها الحقيقية، قائلة “جميع محاولاتي باءت بالفشل منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول حتّى مطلع نوفمبر/تشرين الثاني”.

وتقوم آلية عملية العودة إلى سورية، عبر طريق تقديم “طلب عودة” إلى الأمن العام اللبناني في المنطقة التي يعيش فيها اللاجئ، ويرفعها بدوره إلى النظام السوري لتأتي الموافقة بدخول اللاجئ وقد لا تأتي كما تشرح يسرى المقيمة في البقاع اللبناني لـ “العربي الجديد”، مضيفةً: “كنت أتوقّع ذلك لأن زوجي مطلوب للنظام ولا يستطيع العودة”، ومؤكدة أنّها على معرفة بأربع عائلات أخرى من القصير يرفض النظام عودتها.

ويُلاقي القانون رقم 10 الذي أصدره النظام السوري في الثاني من شهر أبريل/نيسان الماضي إدانات واسعة من سياسيين ومنظمات حقوقية عالمية، وأبرزها “هيومن رايتس ووتش” التي اعتبرت في تقرير لها في 30 مايو/أيار الفائت، أن “القانون غير أخلاقي”، موضحةً أن “القانون سيمنع الكثير من الفارين من الحرب من العودة لديارهم في ظل سعي النظام لمصادرة ممتلكات السكان وإعادة الإعمار من دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة”.

تغييب أهل القصير

في العاشر من شهر أكتوبر الماضي، أعلن مجلس مدينة القصير التابع للنظام، عن المخطّط التنظيمي للمدينة، بعد إعلان المجلس على صفحته على فيسبوك أن: “على من يرغب بالاعتراض تقديم اعتراضه لديوان مجلس المدينة اعتباراً من تاريخ 10/10/2018 ولغاية 9/11/2018 بنهاية الدوام الرسمي”.

وأرفق المجلس صورة للمخطّط التنظيمي الجديد للقصير، والذي تم وضعه في غياب سكّان المدينة، غير القادرين على الوصول إلى البلدية من أجل الاعتراض وتثبيت ملكيات منازلهم، بحسب المحامي السوري أنور البني رئيس المركز السوري للأبحاث والدراسات القانونية الذي قال لـ “العربي الجديد”: “إن القانون رقم 10 تم الإعلان عنه ونحو نصف السوريين لاجئون خارج البلاد”.

وتقع مدينة القصير في ريف حمص الغربي، بمنطقة ملاصقة للحدود اللبنانية، وتُعتبر امتداداً للبقاع اللبناني الذي يسيطر عليه “حزب الله” اللبناني، والذي طردت مليشياته مقاتلي المعارضة من المنطقة كما يقول عبد الرحمن عمار عضو الهيئة العامة للقصير (تأسست بعد الثورة وتضم وجهاء ومثقّفي القصير) موضحاً أن عدد السكّان حالياً لا يتجاوز ألفين فقط بعدما كان عددهم نحو 50 ألف نسمة.

وكانت القصير من أوائل المدن التي خرجت بتظاهرات ضد النظام السوري، ثم انتشر فيها عناصر من الجيش السوري الحر في عام 2012، وكما تقول فاطمة الحسن التي عاصرت كل أحداث القصير وكانت من آخر المدنيين التي خرجوا منها.

وأضافت الحسن، وهذا هو اسمها المستعار خوفاً من ملاحقة حزب الله لها كونها تعيش في البقاع: “النظام السوري رد بقصفٍ عنيف أسفر عن فرار معظم السكان، وانتهى ذلك بهجوم “حزب الله” على المدينة فيما عُرف بـ “معركة القصير” التي امتدت لـ 18 يوماً وانتهت بهزيمة المعارضة في الخامس من يوليو/تموز 2013، وتدمير مناطق المدينة الجنوبية والغربية والشمالية كليا، في حين تعرّض الجزء الغربي لدمار جزئي”.

 تثبيت هيمنة حزب الله

يسيطر حزب الله اللبناني حتّى الآن على مدينة القصير، في حين أن 90 ٪ من سكّان القصير إما مهجّرون أو شهداء، كما يقول عبد الرحمن عمار، مضيفا: “حزب الله بالدرجة الأولى وسلطة الأسد بالدرجة الثانية يرفضان عودة أي إنسان إلى القصير من السكان الذين يقيمون حاليا في بلدات شنشار وشمسين وحسياء ومدن القلمون التي تقع تحت سيطرة النظام، ممنوع عليهم العودة لمدينتهم، كما أن هناك موظفين يعملون في مؤسّسات النظام في القصير ولكن ممنوع أن يقطنوا هناك”.

وأكّد عمار أن القصير ليس فيها أي وجه للحياة حتى الآن، حيث لازالت القواعد والمعسكرات التابعة لحزب الله تنتشر في المنطقة في ظل إجبار أهالي القصير على إخلاء منازلهم، موضحاً أن هناك عملية توطين في القصير جرت في المنطقة، ومنها توطين سكّان قريتي كفريا والفوعة الذين خرجوا من إدلب في منطقة الفاضلية بريف القصير”، وتابع متسائلا: “كيف يدعو النظام السكان لتثبيت الملكية أو الاعتراض وهم ممنوعون أصلا من دخول المدينة؟”.

 تعديل غير مجد

تنص المادة 2/6 من القانون رقم 10 على أنّه “تدعو الوحدة الإدارية خلال شهر من صدور مرسوم إحداث المنطقة التنظيمية، المالكين وأصحاب الحقوق العينية بإعلان ينشر في صحيفة محلية واحدة على الأقل أو إحدى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والموقع الإلكتروني لها، للتصريح بحقوقهم (شخصيًا) أو عبر أقارب حتى الدرجة الرابعة أو بموجب وكالة قانونية، وفي حال عدم التصريح خلال المدة المصرح بها، ستصبح أملاكهم ملكًا للدولة” لكن بعد اعتراضات محلية ودولية، أصدر بشار الأسد القانون رقم 42 في الثاني عشر من شهر نوفمبر/تشرين الثاني، عدّل بموجبه القانون رقم عشرة، وجاء في القانون الجديد، زيادة وقت تقديم طلبات الاعتراض من أجل تثبيت الملكية، من شهر إلى عام كامل فيما يخص تثبيت الملكية العقارية، وهو ما يصفه المحامي حسام السرحان أمين سر “تجمّع المحامين السوريين الأحرار” (تجمع حقوقي سوري معارض مقرّه تركيا) بحالة إيجابية ولكنه لا يحل المشكلة، قائلا لـ “العربي الجديد”: “طالما أن سياسة النظام واحدة عبر ملاحقة اللاجئين واعتقالهم في حال عودتهم، لن يتغيّر الأمر إذا تعدّلت مدة تثبيت العقارات إلى سنة أو سنتين”.

وأضاف السرحان: “هناك حلّ آخر لتثبيت الملكيات عن طريق توكيل أحد الأقارب من الدرجة الأولى إلى الدرجة الرابعة، لكن الوكالة العقارية تحتاج إلى موافقة أمنية من أفرع المخابرات، وبحسب ما رصدنا في التجمّع فإنّها في معظم الأوقات تأتي بالرفض”، وهو ما يعلق عليه مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” فضل عبد الغني، قائلا “تعديل مدة تثبيت الملكية شكلي وليس له أي قيمة لأنه في المحصلة، المدنيون يخافون من تعرّضهم للإبادة في حال عادوا إلى سورية والنظام يعرف ذلك تماماً”.

 مخطط غير واقعي

يعمل نذير فرح مهندساً معمارياً في لبنان، وعمل سابقا في مكاتب هندسية في مدينته القصير مرافقاً لوالده وزملائه، ولديه خبرة طويلة بتنظيمها ومبانيها، وبحسب نسخة المخطّط التنظيمي القديم للقصيرالذي تم إلغاؤه وإصدار آخر جديد من قبل مجلس البلدية التابع للنظام بعد التعديلات القانونية الأخيرة، فإن المدينة تتكون من التقطيعات الإدارية العقارية مروراً بالمرافق الصحية والتعليمية والاجتماعية، ويسخرالمهندس فرح من المخطّط قائلا: لا علاقة له بالهندسة إطلاقاً وهو ما تكرر في الجديد، إذ إن “نسبة كبيرة من العقارات في القصير غير مفروزة، أي أن المدنيين يتقاسمون الأراضي بموجب أسهم العقار وعندما سيتم هدم هذه المنازل سيكون من الصعب معرفة الأصحاب الحقيقيين للأرض وخصوصاً بعد تلف الثبوتيات الورقية”، وأضاف معلّقاً على المخطّط التنظيمي الجديد، “لا يمكن تطبيقه إطلاقاً بسبب تقسيمه مدينة القصير إلى مباني هائلة الضخامة حيث يحتوي المخطط على ما يقارب 30 زون (منطقة) سكنيا موزّعة على مساحة المدينة استناداً إلى الرسم التوضيحي للمخطّط”، لافتاً إلى أن “مَن المستحيل أن يكون من وضع المخطّط مهندساً فعلاً”.

وأوضح أن المخطّط الجديد استثنى المناطق التي تقع “شرق سكّة القطار” وهذه المنطقة تمثل المربّع الأمني للقصير ودوائر الدولة وبعض الأحياء السكنية التي لم تخضع لسيطرة المعارضة في السابق. ووصف فرح المخطّط الجديد بأنّه “مخطط تهديد” من أجل إجبار الناس على العودة واعتقالهم، مشيراً إلى أن الدوار الرئيسي للمدينة في المخطط الجديد يبلغ قطره نحو نصف كيلو متر، وهذا الأمر من المستحيل تنفيذه على الأرض في القصير، بل لا يمكن تطبيقه في مدينة مثل نيويورك، أي أن مدينة القصير تبلغ مساحتها نحو ١٥ كيلو متراً عمرانياً، وبالمقابل فإن المخطّط الجديد حدّد داخلها ما يقارب الـ 30 زون (منطقة) سكنيا فقط، ما يعني أن المباني هائلة الضخامة وغير قابلة للتطبيق فعلياً داخل مدينة القصير.

انتهاكات النظام

ينتهك النظام السوري دستوره بشكل دائم، كما يقول القانونيان عبد الغني والسرحان إذ المادة 15 من الدستور السوري تنص على أنه: “لا تنزع الملكية الفردية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل وفقًا للقانون” وهو ما يخالف القانون رقم 10 وتعديله الذي جاء فيه “يُقتطع مجانًا وفق المخطط التنظيمي العام والمخطط التفصيلي جميع الأراضي اللازمة لإنجاز وتنفيذ طرق وساحات وحدائق، دون بدل أو تعويض”، وهو ما يراه المحامي أنور البني، مخططا لعملية تغيير ديمغرافي، كون حزب الله تدخّل عسكرياً من أجل السيطرة على القصير، معتبرا أنّه لا توجد إرادة دولية لإيقاف القانون، قائلاً: “كل الحديث الذي جرى عن القانون عالميا دون أدوات ضغط حقيقية تمنع النظام من المضي فيه”.

العربي الجديد

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

مأساة أهالي القصير.. ترسيخ سيطرة حزب الله

هيومن فويس ثلاثة طلبات قدّمتها الأربعينية يسرى من أجل العودة إلى منطقة القصير في محافظة حمص وتثبيت ملكية منزلها، خوفاً من أن يستولي عليه النظام بموجب المخطّط التنظيمي الجديد للمدينة والذي صدر بموجب القانون رقم "10" سيئ الصيت كما تصفه بعد أن أكدت على عدم الكشف عن هويتها الحقيقية، قائلة "جميع محاولاتي باءت بالفشل منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول حتّى مطلع نوفمبر/تشرين الثاني". وتقوم آلية عملية العودة إلى سورية، عبر طريق تقديم "طلب عودة" إلى الأمن العام اللبناني في المنطقة التي يعيش فيها اللاجئ، ويرفعها بدوره إلى النظام السوري لتأتي الموافقة بدخول اللاجئ وقد لا تأتي كما تشرح يسرى المقيمة في البقاع اللبناني لـ "العربي الجديد"،

Send this to a friend