هيومن فويس

في قرية مثل جالود الفلسطينية قرب نابلس في الضفة الغربية لا يزيد سكانها عن ثمانمئة مواطن، تجثم فوق أرضها عشر مستوطنات إسرائيلية يسكنها أكثر من خمسة آلاف مستوطن يسيطرون على 80% من أراضي القرية البالغة 22 ألف دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع).

تخنق المستوطنات القرية وتحرم أهلها من التوسع بالبناء أو حتى فلاحة أراضيهم، بل رد المستوطنون على قرار للمحكمة العليا الإسرائيلية صدر مؤخرا بإعادة الأرض لأصحابها بتشييد مستوطنة جديدة (عميحاي) في فبراير/شباط الماضي وبتوسيع أخرى تدعى شيفوت راحيل.

ويسعى الاحتلال الإسرائيلي بهذه “السياسات الممنهجة”، حسب رئيس المجلس القروي عبد الله الحاج محمد، لمحاصرة المواطنين داخل قراهم ومن ثم دفعهم لهجرتها، بينما ينعم المستوطنون بالأرض وخيراتها.

وينكأ ما تعيشه جالود اليوم الجرح الفلسطيني، ويترجم واقعا رسالة خطت قبل 101 عام (وعد بلفور) ببضع كلمات تشرعن لليهود، كما يقول المؤرخ الفلسطيني جوني منصور، “وطنا قوميا في بلد اسمه فلسطين تقطنه طوائف لا شعبا مستقلا له كيانه”.

حضن بريطانيا
وحتى اليوم يواجه الفلسطينيون سياسات بلفور ومخططات دولته بريطانيا، التي أعطت الحق مسبقا لأقلية يهودية لم تكن تشكل أقل من 8% (55142) من عدد الفلسطينيين آنذاك الذين فاقوا 630 ألفا قبل عام 1914، وفق بيان نشره المركز الفلسطيني للإحصاء.

 مستوطنة شيفوت راحيل الجاثمة على أراضي قرية جالود (الجزيرة)

ويضيف منصور أن اليهود وجدوا “كأقليات دينية” بأربع مدن داخل الدولة العربية (فلسطين) هي القدس وصفد وطبريا والخليل. وبلغت هذه الأقليات ذورتها عام 1948، وشكلت أقل من نصف الفلسطينيين (1.5 مليون نسمة).

ولم يكن اليهود يملكون حينها، وفق تصريح للباحث الفلسطيني بقضايا اللاجئين سلمان أبو ستة، إلا 5.5% من الأرض (1.5 مليون دونم من أكثر 26 مليون دونم للفلسطينيين)، غالبها سربته بريطانيا لهم بطرق غير قانونية مثل “أملاك الغائبين”، لتنعكس الصورة الآن ويسيطروا على أكثر من 85% من مساحة فلسطين التاريخية ويشكلون غالب سكانها.

لكن أخطر ترجمة لتصريح بلفور، برأي منصور، هو الاعتراف باليهود شعبا له قومية، وبالتالي له الحق بأن تكون له دولة، وتجريد الفلسطينيين من حقهم القومي وفي الأرض وجعلهم “طوائف” وليس شعبا.

وأضاف المؤرخ منصور أن اليهود سعوا قبل بلفور لتأسيس حركة قومية بدافع ودعم من بريطانيا، وأنشؤوا مؤسسات تمكنهم من شراء الأرض، أبرزها الصندوق القومي والشركة اليهودية والصندوق التأسيسي الذي اهتم بجمع المال من يهود العالم.

ويتابع الرجل قوله إن الدعم الغربي ممثلا ببريطانيا -التي استغلت انتدابها على فلسطين لصالح اليهود- لم يقتصر على المال، بل “في التفكير والتخطيط” لزيادة أعدادهم التي تنامت عبر هجرات عدة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.

 مواطنان يخرجان من بوابة نصبها الاحتلال قرب منزلهما بعد عزلهما عن قريتهما الولجة بمدينة بيت لحم (الجزيرة)

كما استغل اليهود “المحرقة” والاعترافات الدولية بهم (صك الانتداب وقرار التقسيم)، وهو ما يظهر حجم “التزاوج بين الفكر الاستعماري الصهيوني ونظيره الغربي”، يضيف منصور.

وحاول اليهود أيضا تمكين أنفسهم اقتصاديا، فاشتغلوا -كما يوضح منصور- في الحرف والتجارة لا سيما في المدن، أما المجموعات الدينية منهم فكانت تعتمد على دعم “المحسنين” من أوروبا وأميركا.

قوة المال
وبعد تأسيس التجمعات الاستيطانية (بضع عشرات المستعمرات)، اعتمد اليهود، وفق منصور، على مصدرين رئيسيين للرزق، وهما الزراعة “المتطورة” ورعاية المواشي وإنتاج الحليب وتوريده للمدن الفلسطينية، ثم المتاجرة بالعقار والأراضي والإيداع بالبنوك، وقد ساعدهم في ذلك سكنهم بالمناطق الإستراتيجية قرب السواحل وسكك الحديد ومنابع المياه.

أما خبير الخرائط والاستيطان في بيت الشرق بالقدس خليل التفكجي فيقول إن اليهود أسسوا “وطنهم القومي” قبل وعد بلفور بـ”التدرّج”، فأنشؤوا إبان الحكم العثماني أول مستعمرة (منتفيوري) بالقدس عام 1860، ثم بدؤوا بترسيم حدود دولتهم عبر المستعمرات، ولذلك دمروا مستعمرات داخل المدن العربية وجعلوها خارجها للسيطرة على مزيد من الأرض.

وبعد النكبة عام 1948 وتهجير أكثر من 800 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم، ظل العامل الديمغرافي “أكثر ما يؤرق اليهود”.

فتيات يحملن لافتات خطت عليها شعارات مناهضة لوعد بلفور خلال فعالية سابقة ضد وعد بلفور بمدينة نابلس (الجزيرة)

وعملت إسرائيل عقب احتلالها للضفة الغربية عام 1967 -حسب التفكجي- على تشييد المستوطنات ثم الانسحاب من قطاع غزة عام 2005 ومحاصرته “لذات السبب الديمغرافي”، وبهذا تخلصت من مليوني فلسطيني.

تفتيت المفتت
ثم ما لبثت أن قسمت ما تبقى من “فلسطين التاريخية” المقدرة مساحتها بـ22% (الضفة الغربية والقدس وغزة) لمناطق “أي” و”بي” و”سي” عبر اتفاق أوسلو، ووضعت يدها على كامل مناطق “سي” (62%) وأخضعت “بي” لسيطرتها الأمنية، بينما تُضيِّق الخناق على مناطق “أي”.

ويلفت التفكجي إلى أن سياسة إسرائيل الاستيطانية قامت على “التطويق والاختراق والتفتيت”، في محاولة لتهجير الفلسطينيين وعزلهم بأماكن وجودهم بالضفة والقدس بتشييدها 160 مستوطنة و116 بؤرة استيطانية يقطنها ما يزيد على 700 ألف يهودي.

وبتشييدها فوق المناطق الإستراتيجية والأكثر حيوية، تحوَّل جزء منها لمستوطنات زراعية وأخرى صناعية باتت تسهم وبشكل كبير في اقتصاد الاحتلال وتعد إحدى أهم ركائزه.

ولم يتبخر حلم الفلسطينيين بإقامة دولة لهم فحسب، بل “تبخروا” هم أنفسهم بفعل وعد بلفور، وفق التفكجي الذي اعتبر أيضا أن أعدادهم تراجعت لستة ملايين نسمة يوزعون على أربع مناطق هي الضفة الغربية وغزة والقدس والداخل الفلسطيني وبالكاد يسيطرون على “8%” من أرضهم، بينما ينعم أكثر من ثمانية ملايين يهودي بما تبقى من الأرض.

وبإعلان إسرائيل “يهودية الدولة” قبل بضعة أسابيع، تأكّد أن ذاك “الوطن القومي” الذي أراده بلفور قبل 101 عام صار أمرا واقعا، برأي منصور والتفكجي، وأن “رسائل بلفورية” كثيرة تلقتها إسرائيل ولا تزال من دول العالم وأبرزها أميركا التي أيدت ذلك بنقل سفارتها للقدس باعتبارها عاصمة لإسرائيل.

المصدر : الجزيرة

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

اليهود بعد 100 عام من بلفور.. ماذا تغيّر؟

هيومن فويس في قرية مثل جالود الفلسطينية قرب نابلس في الضفة الغربية لا يزيد سكانها عن ثمانمئة مواطن، تجثم فوق أرضها عشر مستوطنات إسرائيلية يسكنها أكثر من خمسة آلاف مستوطن يسيطرون على 80% من أراضي القرية البالغة 22 ألف دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع). تخنق المستوطنات القرية وتحرم أهلها من التوسع بالبناء أو حتى فلاحة أراضيهم، بل رد المستوطنون على قرار للمحكمة العليا الإسرائيلية صدر مؤخرا بإعادة الأرض لأصحابها بتشييد مستوطنة جديدة (عميحاي) في فبراير/شباط الماضي وبتوسيع أخرى تدعى شيفوت راحيل. ويسعى الاحتلال الإسرائيلي بهذه "السياسات الممنهجة"، حسب رئيس المجلس القروي عبد الله الحاج محمد، لمحاصرة المواطنين داخل قراهم ومن ثم دفعهم لهجرتها، بينما ينعم المستوطنون بالأرض

Send this to a friend