هيومن فويس: جسور للدراسات

مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سورية اتخذت جامعة الدول العربية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2011 قراراً بتجميد عضوية سورية، وذلك ضمن اجتماع طارئ عقده وزراء الخارجية العرب، ودعا الاجتماع أيضاً الدول العربية لسحب سفرائها من دمشق للضغط على النظام السوري من أجل تنفيذ المبادرة العربية الخاصة بـ “وقف العنف” بسورية.
وشهد شهرا شباط/فبراير وآذار/مارس قيام عدد من الدول العربية بسحب سفرائها أو إغلاق سفاراتها في دمشق، بالتزامن مع خطوات مماثلة قامت بها العديد من الدول الأخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية.
ومنذ ذلك الحين، انقطعت الاتصالات الدبلوماسية العلنية بين دمشق ونظرائها العرب، ما عدا عُمان والجزائر والعراق، ولم تُمثّل سورية في أي اجتماع رسمي عربي.
وجاءت المصافحة العابرة -إن صح وصفها كذلك- لوزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خلفية، مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك”، لتثير تكهنات حول وجود مقاربة خليجية – عربية جديدة للملف السوري، خاصة وأن وسائل إعلام عربية كبرى سلطت الضوء بشكل كبير على الحدث.
ورغم أن المصافحة لم تكن مرتبة بحسب ما قال الوزير البحريني، إلا أن الحفاوة التي أظهرها الوزير أمام العدسات، وتصريحاته اللاحقة حول ضرورة عودة كل الأراضي السورية لسيطرة الحكومة، وتأكيده على أن هذا اللقاء لم يكن الأول بينهما، قد يُشير إلى دور ما تلعبه البحرين، بالنظر إلى علاقاتها الخاصة مع السعودية، والتي قادت في عام 2011-2012 الحراك العربي لمقاطعة النظام.
مواقف عربية متباينة من النظام السوري
شهد عاما 2011 و2012 مقاطعة عربية شبه شاملة للنظام السوري، وتمثّلت هذه المقاطعة في سحب السفراء من دمشق أو حتى إغلاق السفارات فيها، وتعليق عضوية الحكومة السورية في جامعة الدول العربية، وفي كل اللجان المنبثقة عنها.
وانخرطت عدّة دول عربية، وخاصة من مجلس التعاون الخليجي في غرف العمليات المشتركة الخاصة بدعم فصائل المعارضة، حيث اشترك فيها مندوبون من السعودية وقطر والإمارات، إلى جانب تركيا والولايات المتحدة ودول أوروبية. كما شاركت معظم الدول العربية في مؤتمر أصدقاء سورية الأول في تونس والثاني في المغرب.
وبالمقابل، خرجت أربع دول عن شبه الإجماع العربي، وحافظت هذه الدول، وهي العراق ولبنان والجزائر وعمان، على علاقات طبيعية أو شبه طبيعية مع النظام، ورفضت أو تحفّظت على كل القرارات التي سعت لإدانة النظام في انتهاكات لحقوق الإنسان أو قرارات عزله.
وقد اقتصرت علاقة لبنان والعراق مع النظام في جانبها المعلن على دعم مواقفه في جامعة الدول العربية وغيرها من المحافل، ولم يقم البلدان بأية زيارات رسمية إلى دمشق منذ عام 2011. وشكّلت زيارة وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري لدمشق يوم 14/10/2018 أول خرق بهذا الخصوص. فيما قامت عُمان والجزائر في السنوات الماضية بإرسال واستقبال وفود على مستوى وزاري.
واختارت بقية الدول العربية مواقف متذبذبة ما بين دعم التوجه العربي العام في مقاطعة النظام وما بين النأي بالنفس، وخاصة في السنوات الأخيرة، وبدأت كل من مصر وتونس بعد عام 2014 بإطلاق تصريحات تدعو لتطبيع العلاقات مع دمشق، لكن هذه التصريحات لم تترافق بخطوات فعلية، ما عدا إعادة فتح القنصلية التونسية في دمشق عام 2015، والتي شكّلت خطوة في اتجاه المناكفة السياسية الداخلية مع الحكومة السابقة أكثر مما هو توجه دبلوماسي إقليمي.
وتنبغي الإشارة هنا إلى أن كل الدول العربية، ومعها بقية دول العالم، حافظت على العلاقات الأمنية مع أجهزة النظام السوري، وإن بدرجات متفاوتة، طول فترة الأزمة وحتى اليوم، وأن هذه العلاقات ستشهد أولى مؤشرات التقارب في حال دخول الأنظمة السياسية في مرحلة تطبيع العلاقات.

تبدلات مواقف الدول الداعمة للمعارضة 
أعادت مصافحة وزير خارجية البحرين مع وزير خارجية النظام السوري للأذهان زيارة الملك البحريني “حمد بن عيسى آل خليفة” إلى موسكو في شهر شباط / فبراير عام 2016، وإهدائه سيفاً دمشقياً للرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، وتأكيده على أن اسمه “سيف النصر”، متمنياً للزعيم الروسي “النصر القريب” .
ويمكن القول أن التدخل العسكري الروسي كان نقطة تحول في مواقف الدول العربية الداعمة للمعارضة السورية، حيث أجرى وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” زيارات إلى كل من الأردن والرياض لتنسيق الجهود في سورية، وتم توقيع اتفاق خفض التصعيد لمنطقة الجبهة الجنوبية في عمان عام 2017، كما تحركت السعودية لتشكيل جسم من مختلف أطياف المعارضة السورية لإدخاله في مفاوضات مباشرة مع النظام السوري، والحديث هنا عن هيئة التفاوض السورية بنسختيها الأولى المشكلة في نهاية عام 2015، والثانية في عام  2017 عقب زيارة العاهل السعودي “سلمان بن عبد العزيز” إلى موسكو .
وتمتلك السعودية وروسيا علاقات اقتصادية خاصة، حيث يدير البلدان ما يوصف بأنه أكبر احتكار نفطي في التاريخ، وتعزّز هذا التحالف النفطي بشكل خاص منذ عام 2016 وحتى الآن، كما تملك قطر هي الأخرى علاقات اقتصادية مميزة مع موسكو، باعتبارها من أكبر مصدري الغاز الطبيعي في العالم.
والتزمت غالبية الدول العربية وخاصة “السعودية” و”الإمارات” بالموقف الأمريكي عندما قررت وكالة الاستخبارات الوطنية قطع الدعم عن “فصائل المعارضة المسلحة”، والإبقاء على دعم وزارة الدفاع “البنتاغون” لـ “قوات سورية الديمقراطية”، حيث أعلنت السعودية في شهر آب / أغسطس عام 2018 ولأول مرة بشكل رسمي عن تقديم 100 مليون دولار إلى مناطق شرق الفرات التي تسيطر عليها “قوات سورية الديمقراطية”، ولقي قرارها ترحيباً أمريكياً .
وباتت الدول العربية التي اصطفت إلى جانب المعارضة لسنوات عديدة تركز في خطابها على إخراج إيران من سورية، دون التطرق أو الحديث عن رحيل الأسد، أو تغيير النظام السوري، ويبدو أن تلك الدول باتت تعول على التفاهم والتعاون مع روسيا من أجل تحقيق هذا المطلب بدلاً من دعم الفصائل العسكرية لمحاربة الوجود الإيراني في سورية .
كان لعدة أحداث في المنطقة أثرها الكبير على الموقف العربي تجاه الأزمة السورية، وكان أبرزها الأزمة الخليجية والحرب في اليمن.
وجاءت تصريحات ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” لصحيفة “التايم” الأمريكية حول بقاء الأسد في السلطة، وعدم توقعه مغادرة منصبه قريباً، وتمنيه أن لا يتحول “الأسد” لـ “دمية بيد إيران” ، لتمثّل تعبيراً عن المقاربة العربية وخاصة الخليجية للتعامل مع الملف السوري، والمتمثّلة بإعادة تأهيل نظام الأسد عربياً مقابل تخليه عن إيران.

المقاربة العربية الجديدة في سورية ومحدداتها
أصدرت خمس دول وهي: الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، والمملكة العربية السعودية، والأردن، وبريطانيا توصيات من أجل الحل في سورية أسمتها “اللاورقة”، وتضمنت استكمال مسار جنيف من خلال التعديلات الدستورية، وتهيئة بيئة آمنة لإجراء الانتخابات، إضافة إلى التأكيد على وحدة وإستقلال الأراضي السورية، وإعادة إعمار البنى التحتية، وخلق شروط مناسبة لعودة اللاجئين السوريين، كما نصت على ضرورة مكافحة الإرهاب .
وسربت “قناة روسيا اليوم” في منتصف شهر أيلول / سبتمبر الماضي نسخة مسودة عن إعلان مبادئ المجموعة المصغرة، والتي من المفترض أنها سلمت من قبل الدول الخمسة إلى المبعوث الدولي “ستيفان ديمستورا”.
وبحسب التسريبات فإن أهداف المجموعة هي بناء علاقات مع حكومة سورية منبثقة عن عملية سياسية وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254. تتمتع هذه الحكومة بمجموعة من الشروط أهمها: أنها ليست راعية للإرهابيين، ولا تُؤَمِّن بيئة آمِنة لهم وخالية من أسلحة الدمار الشامل، وملتزمة بقطع علاقاتها مع النظام الإيراني ووكلائه العسكريين، ولا تهدد جيرانها، وتخلق شروطاً للاجئين من أجل عودتهم بأسلوب طوعي وآمِن، وتلاحق مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية .
واللافت في توصيات “اللاورقة” الصادرة مطلع عام 2018، وتسريبات مسودة إعلان المبادئ للمجموعة المصغرة أنها لم تتطرق إلى مستقبل الأسد واكتفت بعبارات عامة، في حين بدت المسودة أكثر تركيزاً على الشروط الواجب توافرها بأي حكومة سورية، وخاصة مسألة “قطع العلاقات مع إيران وأذرعها العسكرية”، مما يفهم منها أنها قد تنطبق على النظام الحالي في حال التزم بها.
وتنطلق المقاربة العربية الجديدة من محددات أساسية، أبرزها التناغم مع الرؤية الأمريكية التي خطها المبعوث الجديد إلى سورية “جيمس جيفري”، والمعتمدة على دفع العملية السياسية في سورية عن طريق التعديلات الدستورية والتأسيس لانتخابات، يضاف إلى ذلك محدد ثاني وهو رفض الموقف العربي الرسمي للدورين الإيراني والتركي بسورية، وشعور الدول العربية وخاصة السعودية والإمارات ومصر أنها فقدت تأثيرها بالملف السوري لصالح أنقرة وطهران.
وقد أصدرت اللجنة الرباعية العربية (السعودية – مصر – البحرين – الإمارات)، بياناً في شهر أيلول الماضي على هامش اجتماعات مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية، أدانت فيه ما وصفته “التدخل الإيراني والتركي المستمر في الأزمة السورية”، واعتبرت أنه يحمل تداعيات خطيرة على مستقبل سورية وأمنها وسيادتها، وأن هذا التدخل لا يخدم الجهود المبذولة من أجل تسوية الأوضاع في سورية .

السيناريوهات المستقبلية
1-استجابة النظام للمقاربة العربية
في هذا السيناريو يستجيب النظام السوري للمقاربة العربية الجديدة، فالنظام يسعى لاستعادة شرعيته الدولية كاملة في حال استجابته للعروض المقدمة له من الولايات المتحدة وإسرائيل عبر بوابة النظام الرسمي العربي، والمتلخصة بالتخلي عن النفوذ الإيراني مقابل استمراره بالحكم، خاصة وأن الرؤية الأمريكية التي عبر عنها المبعوث الخاص “جيمس جيفري” باتت تقترب كثيراً من الطرح الروسي للحل في سورية، والقائم على إجراء تعديلات دستورية والتمهيد لانتخابات برعاية أممية .
ويكمن التحدي الأبرز في مثل هذا السيناريو في قدرة النظام السوري على التخلص من النفوذ الإيراني المتغلغل بشكل كبير في المؤسسة العسكرية والإقتصادية وحتى السياسية، مما يعني أن طهران تمتلك القدرة على ممارسة ضغوطات مختلفة على النظام الحاكم في سورية لمنع مقايضته لها على شرعيته الدولية، ولم يعد النظام في عام 2018 يملك قراره فعلاً، بغض النظر عن رغبة قيادته.
ويمكن أن يتحقق هذا السيناريو إذا ما وضعت روسيا ثقلها في سورية لتحجيم النفوذ الإيراني، بالتوازي مع العقوبات الأمريكية على إيران والتي ستبدأ بالنفاذ مطلع تشرين الثاني. ولكن الضغط الروسي على طهران لا يوجد له أي مبررات في الوقت الراهن.
كما يرتبط تحقيق هذا السيناريو بنوع المكتسبات التي يمكن أن تُقدّمها السعودية وغيرها من الدول للنظام السوري ولموسكو في آن معاً من أجل دفعهم للموافقة على العرض العربي، وعلى ما يبدو فإنّه لا يوجد عرض حقيقي متكامل بعد.
2-عدم مجازفة النظام السوري
قد يُفضّل النظام السوري عدم المجازفة واختبار العمل مع الدول العربية لاستعادة شرعيته العربية الرسمية والدولية، ويفضل الاستمرار بالتعويل على الدعم الإيراني والروسي لاستمراره وفرض نفسه كأمر واقع، إما لعدم رغبته بخوض التجربة، أو لعدم قدرته بسبب القيود لكل من موسكو وطهران على قراره.
وقد أفصح سابقاً “بشار الأسد” عن تلقيه عدة عروض من السعودية، تتضمن فك ارتباطه مع إيران مقابل عودة العلاقات العربية الرسمية مع سورية إلى طبيعتها، وأكد أن الأمر غير مطروح للمساومة .
ويأمل النظام في هذا السيناريو أن يكون الاستقرار السياسي الذي يمكن أن يتحقق عبر المخطط الروسي، والظروف الإقليمية والدولية المحيطة، سبباً في دفع الدول العربية لتطبيع العلاقات مع النظام في نهاية المطاف، ولو بوتيرة أبطأ مما لو قبل بالمقاربة العربية الحالية.
ويُعتقد في هذا السيناريو أن يقود العراق ولبنان عملية التطبيع الرسمي مع النظام السوري، نظراً لقرب حكومات البلدين -أو على الأقل معظم مكوناتها- من المحور الإيراني. وربما تُشكل زيارة وزير الخارجية العراقي إلى دمشق يوم 14/10/2018 تدشيناً لتوجهات الدول الداعمة للنظام السوري، باتجاه كسر الحصار العربي المفروض عليه.
وسيلي العراقَ ولبنان كلٌ من الجزائر وعُمان وربما مصر، بما يُتيح المجال أمام بقية الدول العربية لاتخاذ خطوات أكثر جرأة في هذا الإطار.

الخلاصة
يبدو أن قدرة النظام السوري على قبول تطبيع العلاقات مع الدول العربية مقابل فك ارتباطه بإيران أمر صعب التحقيق في ظل النفوذ الإيراني الكبير داخل المؤسسات السورية، والذي امتد ليشمل تشكيلات حساسة في الجيش السوري كالفرقة الرابعة، وكذلك السيطرة الروسية على القرار بسورية.
وبالمقابل فإن تأثير الموقف العربي على الملف السوري ينحسر باستمرار في مقابل تنامي لدور كل من روسيا وإيران وتركيا، ويبقى هامش المناورة العربي الوحيد هو العمل بالتنسيق مع واشنطن والتناغم مع موقفها باعتبارها الوحيدة القادرة على إحداث الفارق، وفي هذا السياق يمكن فهم الموقف الذي جمع وزير الخارجية البحريني ونظيره السوري في نيويورك .
ويُعتقد أن النظام السوري سيسعى -بتوجيه روسي وإيراني- لتقسيم الملفات، بحيث يعمل على تطبيع العلاقات بشكل تدريجي مع كل دولة أو محور على حدة، بدلاً من التعامل مع الملف العربي بشكل مجمل.

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

المقاربة العربية الجديدة تجاه الأسد

هيومن فويس: جسور للدراسات مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سورية اتخذت جامعة الدول العربية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2011 قراراً بتجميد عضوية سورية، وذلك ضمن اجتماع طارئ عقده وزراء الخارجية العرب، ودعا الاجتماع أيضاً الدول العربية لسحب سفرائها من دمشق للضغط على النظام السوري من أجل تنفيذ المبادرة العربية الخاصة بـ "وقف العنف" بسورية. وشهد شهرا شباط/فبراير وآذار/مارس قيام عدد من الدول العربية بسحب سفرائها أو إغلاق سفاراتها في دمشق، بالتزامن مع خطوات مماثلة قامت بها العديد من الدول الأخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية. ومنذ ذلك الحين، انقطعت الاتصالات الدبلوماسية العلنية بين دمشق ونظرائها العرب، ما عدا

Send this to a friend