هيومن فويس

برز استخدام مصطلح “الأمني” بين فصائل المعارضة المسلحة بدايات عام 2012، وانتشر بين الأوساط الشعبية والفصائل العسكرية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. ويُشير مصطلح “الأمنيين” إلى الأفراد ولاحقاً إلى المجموعات المسؤولة عن الأمن داخل الفصائل وخارجها، كمعادل موضوعي للأجهزة الأمنية المتواجدة في كل الدول.
ونظراً لأن “الأمنيين” بقوا ظاهرة فصائلية، فإنّ كل منطقة شهدت عملاً متوازياً لأمنيين ينتمون إلى جهات متعددة ومتنافسة، وتدخل فيما بينها بصراعات مسلحة وغير مسلحة، الأمر الذي حوّل العمل الأمني إلى جزء من الصراع وأحد أهم أدواته في الوقت ذاته، وأنتج حالة غير مسبوقة من عمل الأجهزة الأمنية المتصارعة في بيئة واحدة.
ويتّصف العمل الأمني للفصائل بطابع الغموض، وهي صفة تَطبع الأمنيين عموماً في منظومات الدولة وما دون الدولة. لكن غموض أمنيي الفصائل يأتي في بيئة تتصف أصلاً بالفوضى الأمنية، وغياب الهياكل التنظيمية والسياسية، الأمر الذي حوّل الأمنيين إلى أحد رموز هذه الفوضى، بدلاً من أن يكونوا رموزاً لضبط الأمن.
وتحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على القطاع الأمني لدى فصائل المعارضة، في محاولة لفهم طبيعة عمله، وموقعه داخل الهياكل التنظيمية للفصائل، كما تحاول تقييم أداء هذا القطاع خلال السنوات السابقة.
وتأتي هذه الدراسة في سياق محاولة مركز جسور للدراسات تناول القطاعات الأكثر تأثيراً على حياة المواطنين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، مما لم يحظ بالكثير من الدراسة والتمحيص من قبل، حيث سبقها دراسة تتناول قطاع الشرعيين.
وتستند هذه الدراسة إلى مقابلات مع عدد من الذين شاركوا في تشكيل بعض اللجان الأمنية لبعض الفصائل، وبعض قادة الفصائل، وعدد من المراقبين والفاعلين في العمل المدني في مناطق نشاط الفصائل خلال السنوات السابقة.

أولاً: النشأة والانتشار
تطوّر القطاع الأمني لدى الفصائل بشكل تدريجي، انسجاماً مع تطور الأوضاع الميدانية والسياسية في سورية، والتغيرات التي طرأت على بيئة عمل الفصائل المسلحة. ويمكن تقسيم هذا التطور إلى أربعة مراحل أساسية:
1) ما قبل المناطق المحررة
شهدت الفترة بين نهاية عام 2011 وبداية عام 2012 بدء مجموعات مختلفة آنذاك بإنشاء نويّات لأجهزة أمنية وفرق عملية خاصة، تستهدف النظام ورموزه على وجه التحديد، وتعمل من خلال العمل الأمني على تقديم بديل للعمل العسكري الكامل، أو بناء هيكل داعم ومساند له.
وشهدت تلك الفترة عمليات اغتيال لشخصيات أمنية وقادة لما كان يُعرف باسم “اللّجان الشعبية”، وهي مجموعات الشبيحة التي شكلتها الأجهزة الأمنية في عام 2011. ومن أهم تلك المجموعات التي عُرفت بعد ذلك: “كتائب أبي عمارة” و”الأبابيل” في مدينة حلب. كما يمكن تناول العمل الأمني لـ “جبهة النصرة لأهل الشام” (والتي أصبحت تُعرف لاحقاً بجبهة النصرة، وبأسماء تالية أخرى)، حيث نفذت أول عمل أمني لها في سورية بشهر آذار/ مارس 2012، حينما فجّرت فرع الأمن الجوّي وإدارة الأمن الجنائي بالعاصمة دمشق.
كما أنشئت مجموعات متعددة تعمل في المجال المعلوماتي، حيث بدأت بإنشاء قواعد بيانات، وعملت على اختراق شبكات النظام المعلوماتية، ورصد تحركات النظام الأمنية والعسكرية. وكانت هذه المجموعات تتواصل مع شخصيات سياسية ومنصات إعلامية بغية إمدادها بما تملك من معلومات، إذ لم يكن لديها القدرة على الاستفادة المباشرة مما يصلها.
واتصف العمل الأمني في هذه الفترة بأنه:
1. موجه بالكامل نحو النظام، خاصة وأنه كان الفاعل الوحيد في الساحة بأكملها مقابل تشكيلات معارضة لم تأخذ مداها بعد.
2. سري بالكامل، إذ كان كل يتم داخل مناطق سيطرة النظام، وفي وقت لم تكن أجهزته الأمنية قد فقدت سطوتها بعد.
3. محدود النطاق، إذ كان معظمه يتم من قبل مجموعات لا تتجاوز كل منها عشرة أو عشرين شخصاً على أوسع تقدير، إذ كان الأفراد يختبرون آنذاك دوائر الثقة، بعد عشرات السنوات من الحكم الشمولي الذي ألغى ثقة أفراد المجتمع ببعضهم البعض.
4. محدود الإمكانات، فلم تكن لأي مجموعة أمنية مقرها الخاص، ولم يكن لديها بطبيعة الحال سجوناً ومعتقلات، وسيارات ومعدات.. إلى غير ذلك مما أصبح لدى الأمنيين من إمكانات مادية في وقت لاحق.
5. ذو خبرة مهنية محدودة، إذ لم تكن هذه المجموعات في الغالب تملك بين أعضائها أي عناصر ذات خبرة سابقة في العمل الأمني. لكن بعض المجموعات التي عملت في قطاع أمن المعلومات كان بين أعضائها مختصون مدنيون عملوا في أوقات سابقة في بناء البنية التكنولوجية لبعض أجهزة الأمن السورية.
2) مرحلة المناطق المحررة
أدّى خروج مناطق متزايدة عن سيطرة النظام في عام 2012 وما تلاه إلى قيام الفصائل ومجموعات مدنية ببناء أنظمة حكم لهذه المناطق. وأخذت هذه الأنظمة في البداية أشكالاً بدائية، حاكت في إطارها العام شكل الدولة، لكنها خلت من الأنظمة والضوابط بين مكونات نظام الحكم، وافتقرت حتى إلى كثير من مكونات النظام نفسه.
ومع مرور الوقت، تطوّرت أنظمة الحكم بشكل تدريجي، واختلف هذا التطور وشكله واتجاهه بين منطقة وأخرى، إذ أن كل منطقة كانت تتبع لفصائل متعددة، كما أن كل منطقة شهدت بروز قوى مدنية مختلفة، دفعت وأثرت في شكل نظام الحكم المعتمد في مناطقها.
وكان الجهاز الأمني واحداً من الأجهزة التي أنشأتها معظم الفصائل. وبقي هذا الجهاز ذا طابع فصائلي دائماً، أي أنه لا يتبع لأي نظام تشاركي بين الفصائل، أو بين الفصيل/الفصائل ومكونات مدنية.
وبالتوازي مع الأجهزة الأمنية الفصائلية، تم إنشاء أجهزة الشرطة، وهي أجهزة لم تحرص الفصائل على احتكارها، وسمحت في كثير من الأحيان بإدارتها مدنياً أو بالتشارك مع مكونات مدنية. وكان من أوائل التشكيلات الشرطية إنشاء الضابطة العدلية في حريتان وتل رفعت بريف حلب، وتأسيس المخافر الثورية في معظم المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام السوري في مطلع عام 2012. وفي النصف الثاني من ذلك العام انتقلت التجربة إلى شكل أكثر تطوراً بدعم خارجي، حيث أنشئت “الشرطة الحرة” في حلب وإدلب، وقيادة الشرطة في الغوطة الشرقية وقيادة شرطة القلمون الشرقي والبادية والأمن الداخلي في حمص.
وشهد العمل الشُرطي والعمل الأمني تداخلاً وتعارضاً في عدد من الأحيان، حيث لم تكن لدى الضابطة العدلية القدرة على اعتقال المطلوبين، بما يستدعي تدخلاً عسكرياً من أحد الفصائل، كما أن بعض الفصائل نفسها كانت تتورط في الأعمال الجنائية، كالنهب والسلب، الأمر الذي تعجز الأجهزة الشرطية عن التعامل معه.
وأنشأت بعض الفصائل أجهزة أمنية تتداخل في عملها مع الأجهزة الشرطية. ومن أبرز هذه الحالات إعلان “لواء التوحيد” على لسان قائده آنذاك عبد القادر الصالح في 19 آب/ أغسطس 2012، عن تشكيل “مكتب أمن الثورة في محافظة حلب” بقيادة العميد الركن المنشق زكي علي لوله ونائبه المُقدّم أحمد حمدو شيخ الجب، من أجل الحفاظ على الممتلكات العامة ومحاسبة المسيئين بمن فيهم المحسوبين على الثورة. كما تم الإعلان عن تشكيل “سرايا أمن الثورة” في أحياء مدينة حلب الغربية الخاضعة آنذاك لسيطرة فصائل المعارضة في 28 آب/ أغسطس 2012، وقُدِّر عدد المنتسبين إليها قبل أن تحل نفسها وتتحول لكتيبة عسكرية حوالي 30 شخصاً، وذكر البيان التأسيسي من جملة أهدافها “حفظ الأمن والنظام، والقبض على المفسدين وتقديمهم للقضاء الثوري من المدنيين والعسكريين، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وتنظيم حركة السير والمرور في المناطق المحررة”.
وحاولت بعض المؤسسات المدنية في وقت لاحق جمع الأجهزة الأمنية للفصائل المتواجدة في منطقة جغرافية واحدة، بغية بناء عمل أمني مشترك. وكان من أبرز هذه المحاولات ما قام به مجلس سراقب المحلي حينما شكّل لجنة أمنية تضم عشرة مرشحين عن الملف الأمني من قبل الفصائل المسلحة العاملة في المنطقة، ويتم اختيار أربعة أشخاص لترأس اللجنة، على أن يقوم المجلس المحلي بالإشراف التام على العملية، لكن هذه التجربة لم تدم سوى فترة قصيرة، حيث انتهت على إثر خلافات متكررة بين الفصائل انعكست على ممثليها في اللجنة الأمنية.
3) مرحلة محاولات العمل المشترك
مع نهاية عام 2012 كانت حوالي ثلثي الأرض السورية تقع تحت سيطرة فصائل الجيش الحر. وشهد ذلك العام نمواً كبيراً في عدد الفصائل، مما اندثر أكثره لاحقاً. كما شهد هذا العام ظهور ونمو جبهة النصرة، والتي كانت تعمل بشكل مختلف عن بقية الفصائل، إذ أنها كانت تمتلك مشروعاً واضحاً (كما تبيّن لاحقاً)، مصحوباً بخبرة عسكرية وأمنية قادمة من خلف الحدود، حيث كان معظم الأجانب القادمين إلى سورية آنذاك يحملون تجارب عمرها سنوات، كما تبين لاحقاً أن الكثير من العناصر العراقيين (والذين انتقل معظمهم لاحقاً إلى تنظيم داعش) قدِموا من خلفية العمل الأمني في عهد صدام حسين.
وترافق نمو جبهة النصرة مع صعود الفصائل السلفية والإسلامية الأخرى، والتي لم يكن لديها ذات القدر من “التجربة الخارجية”، لكنها كانت تملك مشروعها المتكامل للسيطرة، وخبرات تفوق الفصائل المحلية.
وحاولت الفصائل الكبرى آنذاك بناء بعض المشاريع المشتركة، في محاولة لبناء آلية لتقاسم النفوذ بينها بشكل توافقي. فتم إعلان تشكيل هيئة شرعية رباعية في محافظة حلب بتاريخ 15 كانون الأول/ ديسمبر 2012، ضمّت كلّاً من لواء التوحيد وصقور الشام وأحرار الشام وجبهة النصرة. وتناوبت هذه الفصائل على القيادة، وكانت تضم في هيكلها مكتب رئاسة تنبثق منه مكاتب عدة، من بينها مكتب التربية والتعليم ومكتب الإفتاء وشؤون المساجد، والمكتب الخدمي والمكتب الطبي والمكتب القضائي ومكتب الحبوب وإدارة المطاحن، ولكل مكتب مهام محددة، إلى جانب ذلك، كانت هناك قوة شرطية –أعضاؤها ملثمون– تدعم الهيئة وتتدخل بعد أمر مباشر من المكتب الرئاسي أو مكتب التحقيق، وقد نشرت الهيئة نقاطاً أمنية في مدينة حلب بشكل سري تكون على صلة مباشرة مع جهاز الشرطة.
وفي الواقع مثّلت القوة الشرطية للهيئة الشرعية الرباعية جهازاً أمنياً متكاملاً لدى الفصائل الساعية آنذاك للسيطرة على مفاصل الحكم في المحافظة. وقامت هذه القوة بالهجوم في حلب الشرقية على مقرات ومواقع لواء غرباء الشام الذي كان يقوده حسن جزرة في 15 حزيران/ يونيو 2013.
وفرضت الهيئة الشرعية سيطرتها أيضاً على الجهاز القضائي بشكل كامل، حيث أنشأت مكتباً قضائياً أناطت به السلطة القضائية، وسعت لتقويض عمل “مجلس القضاء الموحد” بأساليب شتى، بدءاً باختطاف بعض القضاة العاملين فيه ووصولاً إلى محاصرة مقرّه الرئيسي في حي الأنصاري بمدينة حلب.
وساعد سلوك الجهاز الأمني التابع للهيئة الشرعية، على تكريس الظاهرة الأمنية، حيث كان عناصره الملثمون يقومون باعتقال الأشخاص دون مذكرة اعتقال، مع إعطاء أوامر للعناصر بعدم التطرق لأيّة معلومة حول الجهة التي قامت بالاعتقال أو المكان الذي تم نقله إليه، بما في ذلك نفي أيّة صلة للهيئة الشرعية بذلك ما لم يتم إعطاء أمر رسمي.
وساهم وجود التنظيمات السلفية الجهادية في الهيئة الشرعية في تأطير سلوك الجهاز الأمني وتوسيع مهامه. وبرز في هذا الإطار دور حركة أحرار الشام وجبهة النصرة، واللتان كان السلوك الأمني يغلب على قادتها، على خلاف فصائل الجيش الحر. فقد حملت التنظيمات السلفية تجارب عسكرية وأمنية من العراق وأفغانستان وغيرها، كما استخدمت سياسة إخفاء الوجوه والأسماء كأداة لفرض الهيبة والخوف لدى الجمهور المحلي ولدى عناصر الفصائل الأخرى، وحتى لدى عناصر فصائلهم أنفسهم!.
وكان هناك اعتقاد سائد لدى البعض في مدينة حلب أن جبهة النصرة هي التي أكسبت الهيئة الشرعية طابعها وسلوكها الذي باتت عليه، وأن انضمام النصرة إلى هذا الكيان يندرج ضمن سعيها للتأثير على قرار الفصائل الأخرى واختراقها أمنياً، ولم يكن الهدف تشكيل مجلس حكم عسكري كما تردد حينها بين النشطاء. ويبدو أن ذلك الانطباع قد قارب الصواب خصوصاً وأن خلافات عديدة نشبت بين مكونات الهيئة حتى حصل شبه تجميد لعمل جبهة النصرة في الهيئة منذ منتصف عام 2013، وتعطّل على إثره نشاط الهيئة الشرعية ولم يعد كما كان عليه من قبل. وفي شهر شباط/ فبراير 2014، أعلنت جبهة النصرة انسحابها رسمياً من الهيئة الشرعية، وعزت ذلك إلى التباعد في المشروع والتنفيذ مع بقية الفصائل، وقد جاء هذا القرار بعد أشهر قليلة من تشكيل بقية مكونات الهيئة الشرعية للجبهة الإسلامية، ومن حينها فقدت الهيئة الفعالية بعملها.
ورغم أن العمل الأمني المشترك قد توقف تقريباً بشكله المستدام مع بداية عام 2013، إلا أنه استمر بأشكال أخرى، فمع كل حالة اندماج أو تحالف بين الفصائل كان ينبثق مكتب أمني مثل: القوة التنفيذية لجيش الفتح، والمكتب الأمني لجيش إدلب الحر، والمكتب الأمني المشترك لكتائب أحفاد حمزة ولكتائب أبو عمارة، وغرفة عمليات حمص، والمكتب الأمني لفيلق الرحمن، والمكتب الأمني للجبهة الشامية، والمكتب الأمني للجبهة الإسلامية. وفي بعض الأحيان تقوم الفصائل بإنشاء جهاز أمني مشترك على الرغم من عدم تحالفها، ومثال ذلك القوة التنفيذية في سهل الغاب التي تشترك فيها كل من جبهة تحرير سورية وجيش النصر.
وتتسم الأعمال الأمنية المشتركة في الحالات السابقة بأنها تعمل بفاعلية نسبية ضمن أهداف محددة، كمشاركة المعلومات الأمنية المتعلقة بمعركة بعينها، أو لرصد خصوم بأعيانهم، لكنها لم تنجح في أي حالة من الأحوال لتتحول إلى شكل أكثر تشاركية.
4) مرحلة الانفصال والتصادم
اتسم وضع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في عام 2013 بالفوضى الأمنية الواسعة، فانتشرت ظاهرة الاغتيالات والخطف للنشطاء الإغاثيين والإعلاميين الأجانب والمحليين، إضافة لبعض العسكريين، وهي أعمال تبين معها لاحقاً أن تنظيم داعش كان مسؤولاً عن معظمها، بالتوازي مع اتساع نطاق الجرائم الجنائية، والمتمثلة في الخطف (ما عُرف بالتشويل) ونهب الممتلكات الخاصة والعامة.
وبدأت الفصائل في هذا العام تستشعر نوعاً من الاستقرار في سلطاتها، إذ كانت مساحات السيطرة في اتساع، ولم تعد مراكز المناطق المحررة، كمحافظات حلب وإدلب، في وارد التعرّض لهجوم بري من قبل النظام. وأدّت حالة “الاستقرار”، جنباً إلى جنب مع وفرة الموارد المادية، إلى توسّع الفصائل عمودياً وأفقياً، والسعي إلى بناء نفوذها المستقل، الأمر الذي زاد من حدّة الصراعات مع الفصائل المنافسة، وكانت أبرز أشكال الصراع انهيارُ المشاريع البينية ثم الصدام المسلح.
وشجّع الصراع والتنافس بين الفصائل على توسّع أعمال المكاتب الأمنية لدى كل فصيل، واستفادت الفصائل من تجربة تنظيم داعش على وجه الخصوص، فعملت على استنساخ أدواته من جهة، وطوّرت من أدائها نتيجة للخبرة التي تم اكتسابها منه.
ولم يختلف الوضع في الشمال السوري عن بقية المناطق، ففي الغوطة الشرقية قام كل فصيل بإنشاء مكتبه الأمني الخاص. وتم استخدام الأداة الأمنية في حالات الاقتتال بين “جيش الإسلام” وبقية الفصائل التي اختصرت نفسها لاحقاً ضمن “فيلق الرحمن” بعد أن دخلت في صراع دامٍ مع “جيش الإسلام”، وقد بدأ ذلك بما حصل مع “الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام” و”فجر الأمة” في عام 2015، حينما اعتقل هذا الأخير ثلاثة أشخاص تابعين لجيش الإسلام بتهمة القيام بأعمال أمنية؛ وتبع ذلك عمليات اختطاف متبادلة نفذها أمنيون. ويُمكن الاعتقاد أن جيش الإسلام هو أول من قام بتوظيف جهازه الأمني في عمليات الاقتتال الداخلي حينما أعلن عن تمكنه من اعتقال نائب قائد لواء جيش الأمة أحمد طه ونائبه أبو علي خبية مطلع كانون الثاني/ يناير 2015.
ولم يختلف الأمر في درعا كثيراً، حيث عمل كل فصيل عسكري منذ تشكيله على إنشاء مكتب أمني، وانتشرت في درعا على مدار السنوات السابقة العديد من حالات الانفلات الأمني التي تقف وراءها خلايا أمنية. وقد وثّق قسم الجنايات والجرائم في “مكتب توثيق الشهداء” في محافظة درعا، جنوبي سورية، أكثر من 450 عملية اغتيال حصلت بين نيسان/ أبريل 2013، وأيار/ مايو 2017، ولا تتضمن هذه الإحصائية عمليات الإعدام الميداني التي يتعرض لها المخطوفون، أو الضحايا تحت التعذيب في سجون الفصائل، كما لا تتضمن عمليات الاستهداف بالعبوات الناسفة التي أعلن النظام مسؤوليته عنها.

ثانياً: مهام القطاع الأمني لدى الفصائل
بناء على تتبع الأعمال التي يقوم بها أمنيو الفصائل، يمكن الوصول إلى ستة أقسام أساسية، هي أمن الوثائق والمعلومات وأمن العمليات وأمن الجبهات وأمن السجون وأمن الحماية والمرافقة الخاصة والإدارات الأمنية.
وفيما يلي عرض لهذه الأقسام الستة:
1) أمن الوثائق والمعلومات
يعمل أمنيو المعلومات لدى الفصائل على التحري والمتابعة والمراقبة المستمرة واختراق أنشطة المنظمات المدنية والفصائل العسكرية الأخرى والمجالس المحلية والمراكز الإعلامية. وينشط هؤلاء إما داخل تلك التشكيلات والأجسام مباشرة بمعنى اختراق صفوفها، أو عبر التعامل مع أشخاص تنحصر مهامهم بتزويد الفصيل بالمعلومات المناسبة، لقاء مقابل يحصلون عليه.
ويختلف أمنيو المعلومات بين فصيل وآخر من حيث المهام، وعدا عن تنظيم داعش الذي لا تركز هذه الدراسة على ملفه الأمني، يُمكن القول إن هيئة تحرير الشام تمتلك مقاربة أمنية واضحة لما أسميناه “أمن المعلومات”، حيث أن لديها مسؤول لملف المنظمات وآخر لملف المجالس المحلية وأيضاً مسؤول لملف الفصائل العسكرية بالإضافة لمسؤول عن ملف الهيئات القضائية والشرعية. ويتولّى مسؤول ملف المنظمات بناء قاعدة بيانات عن كافة المنظمات العاملة في الشمال السوري والسعي للحصول على تقاريرها المالية وأنشطتها الشهرية، ويعتمد مسؤول هذا الملف على العلاقات الشخصية داخل المنظمات؛ أو على أشخاص تم توظيفهم داخل تلك المنظمات وهم على ارتباط بالهيئة. بينما يتولى مسؤول المجالس المحلية مهمة اختراق المجالس والتأثير في العمليات الانتخابية داخلها والحصول على تقارير أنشطتها. وقد تمكّنت الهيئة من خلال عمل جهازها الأمني من السيطرة على العديد من الأجسام الخدمية من مجالس محلية ومنظمات مجتمع مدني وغيرهم.
ولأمنيي المعلومات دور كبير في حالات الاقتتال الداخلي بين الفصائل، حيث يتم الاعتماد عليهم بجوانب التحري والمتابعة، فعلى سبيل المثال لا الحصر أعلنت هيئة تحرير الشام في 23 شباط/ فبراير 2018، إلقاء القبض على أمني بارز في حركة نور الدين الزنكي اسمه محمد الضلع، بعد معلومات حصلت عليها الهيئة حول تحضير هذا الأخير مع عناصره لهجوم على مقرات وعناصر الهيئة في مدينتي الدانا ودارة عزة غربي حلب، أثناء الاقتتال مع حركة نور الدين الزنكي.
ويقوم أمنيو المعلومات أيضاً بمهام التقصي والبحث عن الحوادث المرتبطة بالخلل والاضطراب الأمني الذي يصيب الفصيل ومناطق سيطرته، ومثال ذلك قيام حركة نور الدين الزنكي في شهر أيلول/ سبتمبر 2017، بتكليف المكتب الأمني التابع لها بمهمة التحقيق ومتابعة عملية الاغتيال التي طالت قيادياً فيها وبناءً على المعلومات الأولية التي حصل عليها المكتب الأمني في الحركة تم اتهام هيئة تحرير الشام بالوقوف وراء الاغتيال.
ومن المهام التي يعمل بها أمنيو المعلومات تسجيل المحادثات الداخلية للفصيل وتتبع خطواته ومن ثم نقلها إلى فصيل آخر أو جهة أخرى. ومثال ذلك المعلومات التي تسربت عن هيئة تحرير الشام في أيلول/ سبتمبر 2017، وطالت قائدها أبا محمد الجولاني، ما أدى لاستقالة عبد الله المحيسني ومصلح العلياني من الهيئة، ولا يعرف ما إذا كان التسريب قد حصل من أمنيي الهيئة أو أحد الفصائل الأخرى، أو من اختراق لجهة خارجية.
وفي التنظيمات الجهادية على وجه الخصوص يتواجد قسم من الأمنيين المختصّين بأمن الوثائق، ويكون هؤلاء مسؤولين عن حفظ قوائم بالأسماء الحقيقية للمقاتلين، وخاصة الأجانب منهم، وحفظ جوازات سفرهم، ومعلومات العملاء السريين في مختلف المناطق والكيانات.. إلى غير ذلك من الوثائق الورقية والإلكترونية. وعادة ما يتكوّن هذا القسم من عدد محدود جداً من الأشخاص.
2) أمن العمليات
يقوم أمنيو العمليات بتنفيذ الاغتيالات والخطف وزرع العبوات الناسفة والتفخيخ والمداهمات والاعتقالات، وغيرها من المهام العملياتية.
ومن أبرز الحالات التي عكست عمل هذا القسم من الأمنيين ما حصل من اقتتال بين حركة نور الدين الزنكي وهيئة تحرير الشام في أيلول/ سبتمبر 2017، حيث بدأ الاقتتال على خلفية اتهام الحركة للهيئة باغتيال القيادي في صفوفها (سيد برشة) قائد كتيبة تل عادة، وقيام خلايا أمنية تابعة للهيئة باقتحام عدة مقرات تابعة للزنكي في منطقة جمعية الرحال وخان العسل واعتقال عدد من عناصر الزنكي في تلك المقار.
كما يُعتبر جانب الاختراق من المهام البارزة لأمنيي العمليات، حيث يُقرّ العديد من عناصر حركة أحرار الشام أن هيئة تحرير الشام اعتمدت في إنهاء سيطرة الحركة وتفكيك جزء كبير من قوتها في الشمال السوري بشهر تموز/ يوليو 2017 على اختراق صفوفها، وأن الخلايا الأمنية التنفيذية لعبت دوراً كبيراً في هذا الأمر من مهاجمة كتائب الحركة داخلياً والانقلاب عليها في بعض القطاعات وغير ذلك.
ويندرج استخدام عمليات زرع العبوات الناسفة والتفخيخ، ضمن مهام أمنيي العمليات، ومثال ذلك الاتهامات المتبادلة بين الفصائل في حوادث اغتيال قادة وعناصر عبر عبوات ناسفة زرعت أسفل السيارات التي يستخدمونها. وفي الثلث الثاني من عام 2018، بدأ تنظيم داعش بتكثيف نشاطه الأمني في الشمال السوري وهو يعتمد في ذلك على زرع العبوات الناسفة والتفخيخ والاغتيال بالرصاص أو شن هجمات مباغتة على حواجز عسكرية. وهناك شكوك ميدانية بأن التنظيمات الجهادية المبايعة لتنظيم القاعدة تقف أيضاً وراء بعض هذه الهجمات. وفي بعض الأحيان قد تكون عمليات الاغتيال في الفصائل شأناً داخلياً ناتجاً عن عمليات تصفية، يشرف على تنفيذها أمنيون أو وكلاء مكلفون بذلك، ومثال ذلك المعلومات التي تحدث عن وقوف المسؤول الأمني في حركة أحرار الشام أبو خزيمة وراء اغتيال قادتها الأربعين في 8 أيلول/ سبتمبر 2014.
ولا بدّ من معرفة أن من يقوم بمهام أمنيي العمليات هم إما أفراد أو مجموعات، ومنهم من يعمل بشكل علني وآخر سري، وغالباً ما يتم التعبير عن الذين ينشطون بشكل سري بالخلايا النائمة، أما الذين يعملون بشكل علني فيعبر عنهم بالقوة التنفيذية التي يشترك فيها أكثر من فصيل أو بالقوة الأمنية التي تخص فصيلاً بذاته دون أي تعاون مع فصيل آخر.
كما يعمل أمنيو العمليات على تنفيذ مهام الاختطاف، والتي قد تستهدف مدنيين أو عسكريين، تبعاً للهدف من العملية، فكثيراً ما استفادت الفصائل مالياً من خلال اختطاف الصحفيين والنشطاء الأجانب ورجال الأعمال والمقتدرين مالياً والشخصيات البارزة اجتماعياً، حيث تقوم بطلب فدية مقابل إطلاق سراحهم. وهناك الكثير من الأمثلة منها قيام حركة نور الدين الزنكي باختطاف ناشطتي الإغاثة الإيطاليتين فانيسا مارزولو وغريتا راميلي في عام 2014، واللتين أطلق سراحهما بعد عام لقاء مبلغ مالي وصل إلى خمسة ملايين دولار حسبما أقر قيادي وشرعي الحركة حسام أطرش.
3) أمن السجون
يقوم أمنيو السجون لدى أغلب الفصائل بنفس المهام التي تقوم بها أجهزة أمن النظام في سجونها، من مراقبة السجناء والتحقيق معهم واستجوابهم بشتى الطرق بما فيها التعذيب الجسدي. ويرتدي جميع العناصر الأمنيون في السجون الأمنية اللثام، ويستخدمون الأسماء المستعارة فيما بينهم، ويُطلق اسم المسؤول الأمني على القادة البارزين في هذه السجون.
وهناك العديد من السجون الأمنية المعروفة، منها “العقاب” التابع لهيئة تحرير الشام الواقع في منطقة جبل الزاوية جنوب إدلب، والذي شاع صيته منذ عام 2015، وهناك سجن في سرمين وآخر في دركوش، وسجن “باب الهوى” التابع سابقاً لحركة أحرار الشام، ومثله “سجن التوبة” الذي كان يتبع لجيش الإسلام والسجن المركزي في إدلب، وسجون فرعية أخرى لا يعلم بها إلّا أمنيو الفصائل، ولا يُمكن لأيّة مؤسسة حقوقية زيارتها أو حتى الاطلاع على طريقة تعامل الأمنيين مع المعتقلين فيها، حيث يتم اختطاف الأشخاص في هذه السجون لأشهر و سنوات من دون الإفصاح عن وجودهم أو حتى نفي ذلك.
كما يُلاحظ هنا أن شرعيي الفصائل، والذي يقومون بزيارة السجون، إما لوعظ السجناء أو المشاركة في إصدار الأحكام أو التصديق عليها، لا يملكون صلاحية الوصول إلى المعتقلات التي يُسيطر عليها الأمنيون، ولا يتمكنون من لقاء المعتقلين إلا بعد تحويلهم إلى القضاء الشرعي، وهو ما يشبه حالة المعتقلين لدى فروع الأجهزة الأمنية قبل تحويلهم إلى السجون النظامية.
ولدى هيئة تحرير الشام قوة أمنية عامة تقوم بإلقاء القبض على المطلوبين لديها، إضافة إلى وجود قوة أمنية تتبع كل سجن من سجونها، وتقوم القوة الأمنية الخاصة بالسجن بتنفيذ عمليات الدهم والاعتقال بناء على تعليمات الأمنيين المسؤولين هناك.
4) أمن الجبهات
يعد هذا القسم المقابل الموضوعي للأمن العسكري (بمهامه العسكرية فقط)، حيث يقوم أمنيو الجبهات بعدة مهام أهمها تسيير دوريات (بالتنسيق مع قطاع الحدود في كل فصيل) على طول الشريط الحدودي الدولي أو الشريط الفاصل عن مناطق السيطرة الأخرى، والتواجد على الحواجز الأمنية المقامة على الطرق الواصلة بين مناطق السيطرة، ورصد وضبط نشاط المهربين والحد من دخول الخلايا التابعة للعدو، ورصد تحركات قطعاته العسكرية، ورصد اتصالاته.
5) أمن الحماية والمرافقة الخاصة
يُقابل هذا القسم المعادل الموضوعي لقوات الأمن والحماية الخاصة أو الحرس الجمهوري في بعض مهامه. ويعدّ هذا القسم من إفرازات مراحل التوسّع المفرط في موارد الفصائل، حيث سارع القادة إلى تعيين أكثر من شخص من أجل القيام بمهام المرافقة والحماية الشخصية، وكان هذا الأمر يشمل حتى الكتائب الصغيرة، وكانت مهام أمنيي الحماية والمرافقة في بدايتها لا تتعدى مرافقة قائد الفصيل، واستقبال الوفود ومراقبة ومتابعة المقار العسكرية للقادة بشكل مستمر ومرافقتهم خلال الجولات الميدانية. وكان قائد الفصيل يملك مرافقين أو ثلاثة على الأكثر.
لكن هذه المهام توسّعت بشكل كبير فيما بعد، حيث أصبحت الفصائل الكبيرة تمتلك كتيبة خاصة بأمن الحماية، ولها مقراتها وسياراتها وزيّها الرسمي، كما ازدادت أعداد مرافقي قائد الفصيل، وتوسّعت الحماية لتشمل قادة آخرين في الفصيل، وحتى الشرعيين فيه. كما أضيف إلى مهام أمن الحماية مسؤولية مرافقة الضيوف الخارجيين.
كما يتولّى هذا القسم تأمين الحماية للمقار الحيوية للفصيل. وتتضمّن هذه المنشآت مقار الفصيل ومعسكراته، وغرف العمليات السرية، ومستودعات الذخيرة وورش تصنيعها، وأماكن حفظ الأموال وغيرها من الأصول الثمينة.
6) الإدارات الأمنية
يتولّى المسؤولون عن الإدارة الأمنية مهمة الإشراف العام على العمل الأمني، بما يتضمّن مسؤوليات متعددة تتعلق بعمليات اتخاذ التدابير اللازمة لمنع استهداف المعسكرات والمقرات عبر إعادة التوزيع وغير ذلك، وإعادة تقييم المعلومات المقدمة إليهم من الأمنيين المختصين بهذا الملف ومن ثم اتخاذ القرارات المتعلقة، والإشراف العام على ملف أمن الفصيل والمنطقة الجغرافية حسب توزيع القطاعات، بالإضافة لمهام الإشراف العام على السجون الأمنية.
كما يقوم أمنيو الإشراف العام بمتابعة ومراقبة العمليات الأمنية ذات الطابع الخاص بالتنسيق مع قيادة الفصيل، والتي تشمل تنفيذ عمليات داخل المحيط الأمني لمناطق سيطرة النظام السوري وفي عمق مناطق التماس، ومثال ذلك ما قام به فيلق الشام في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر 2016، حينما نفذ عملية أمنية في عمق مناطق النظام أدت لمقتل ستة ضباط روس أحدهم برتبة فريق، وعدد من الحراس والضباط الإيرانيين والسوريين والمترجمين. وقد أشرف على هذه العملية بشكل مباشر قيادة الفيلق ومسؤولو الجهاز الأمني فيه.
ويكون للمشرف الأمني العام في التنظيمات السلفية الجهادية مهام وصلاحيات أوسع على الأغلب من التنظيمات الأخرى. ومثال ذلك هيئة تحرير الشام، حيث يتولى “أبو أحمد حدود” منصب الرجل الثاني بعد قائدها أبو محمد الجولاني، وهو الأمني العام فيها، وله دور في توقيع اتفاقيات الهدن مع النظام السوري أو فصائل المعارضة أو تنظيم داعش، وله دور في عملية اختطاف الصحفيين وعقد صفقات مبادلتهم، وعقد صفقات التهجير الكبرى.
كما يتولى المشرف الأمني العام مهام إدارة عمليات الاقتتال مع الفصائل الأخرى، حيث يتولى الإشراف على تجهيز معسكرات القتال المغلقة ضد الفصائل. كما يملك المشرف الأمني إصدار أوامر الاعتقال بحق من يريد، بما في ذلك شرعيي الفصيل ذاته، والذين لا يملكون حصانة أمنية.

ثالثاً: الموقع في الهياكل التنظيمية
تمتلك معظم الفصائل جهازاً أو مكتباً أمنياً يتفرع عنه مكاتب فرعية، وتختلف أهمية هذا الجهاز من فصيل لآخر، لكن بشكل عام تقع ملفات الشأن الأمني في صلب الهياكل التنظيمية لدى الفصائل، حيث تمتلك هيئة تحرير الشام ومثلها جبهة تحرير سورية جسماً أمنياً إلى جانب الجسم العسكري ومجلسان أحدهما للشورى والآخر للجانب الشرعي. أما الجبهة الوطنية للتحرير فهي تمتلك مجلساً عسكرياً يتفرع عنه مكاتب رئيسية منها المكتب الأمني. وللفيالق التابعة لوزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة مكاتب أمنية يتفرع عنها لجان أمنية يغلب عليها الطابع اللامركزي في اتخاذ القرار نتيجة السيطرة العائلية أو المناطقية والعشائرية.
وكان الأمر مختلفاً نوعاً ما في الغوطة الشرقية، فقد كان هناك جهاز أمني لكل من فيلق الرحمن وجيش الإسلام يتفرع عنه مكاتب أمنية، وفي حين بقي هذا الأخير محافظاً على تبعية الجهاز الأمني لمجلس قيادته بشكل مباشر، عمل فيلق الرحمن على حل جميع المكاتب الأمنية التابعة له في آب/ أغسطس 2016، وسلّم مسؤوليتها إلى مؤسستي الشرطة والقضاء، لكن هاتين الأخيرتين تخضعان لنفوذ وسلطة الفيلق نفسه، وبذلك كانت خطوة الفيلق محاولة لمأسسة عمله الأمني ضمن نطاق سلطته العسكرية على القطاع الأوسط في الغوطة الشرقية.
وفي كل فصيل أو تحالف عسكري يوجد مشرف أو مسؤول أمني عام تكون صلته المباشرة مع قائد الفصيل، ويختلف موقعه في الهيكل التنظيمي بين فصيل وآخر، حيث كان مسؤول الجهاز الأمني في جيش الإسلام أبو قصي الديراني هو نفسه نائب القائد العام. وفي هيئة تحرير الشام يعتبر أبو محمد الجولاني المسؤول الأول عن ملفات الشأن الأمني، ويعدّ قائد كل قطاع عضواً في مجلس الشورى وبنفس الوقت مسؤولاً أمنياً، وقد قامت الهيئة في إحدى المرّات بإعادة تعيين مسؤول الملف الأمني السابق أبو يوسف الحموي قائداً لقطاع حماة، ليشغل أبو أحمد حدود قائد قطاع الحدود مهام وصلاحيات الإشراف على الجهاز الأمني في الهيئة. ويقوم مجلس الشورى في هيئة تحرير الشام بناءً على الصلاحية الأمنية الواسعة التي يحوزها بمتابعة ومراقبة عمل الجهاز الأمني والتدخل ببعض قراراته لو لزم الأمر. ويتفرع عن الجهاز الأمني في الهيئة مسؤولو مكاتب حسب الاختصاص وثم حسب التوزيع الجغرافي، حيث يوجد مسؤول أمني عام ومسؤولون أمنيون لكل قطاع جغرافي وآخرون عن مكاتب فرعية منها: تنظيم المناوبات، وفرع المرور وحرس الأسواق، قطاع الحدود، المداهمات، وغيرها.
أما بقية فصائل المعارضة فلديها أيضاً مسؤول أمني عام ومشرف لكل قطاع جغرافي ومسؤولون عن المكاتب الفرعية، لكن لا يملك معظم هؤلاء صلاحيات عليا على مستوى القيادة واتخاذ القرار، ومثال ذلك فصائل الجيش السوري الوطني والجبهة الوطنية للتحرير.
ولأجهزة الفصائل الأمنية علاقة شكلية مع الشرعيين، والذين يُستخدمون عادة لإصدار التبريرات الشرعية للأعمال الأمنية، كما يُشرفون أحياناً على عمليات التحقيق في السجون الأمنية ومتابعتها، والمشاركة في معسكرات التدريب الأمنية لحشد العناصر وتجهيزهم للاقتتال الداخلي مع فصائل المعارضة الأخرى. لكن الأدوار المناطة بالشرعيين في علاقتهم بالأمنيين تختلف من شرعي لآخر، تبعاً لمكانة الشرعي في الفصيل ككل، وعلاقته الشخصية والتنظيمية بالأمنيين وبقيادة الفصيل.
وتتبع السجون الأمنية في الهيكلية التنظيمية لدى الفصائل مباشرة إلى الجهاز الأمني، أما السجون المدنية فتتبع للمكاتب الشرعية والقضائية.
ويحضر الأمنيون الأجانب (المهاجرون) بشكل واضح في البنية التنظيمية للأجهزة الأمنية لدى فصائل السلفية الجهادية، وخاصة هيئة تحرير الشام، ويعود ذلك إلى ارتفاع نسبة الأجانب نسبياً داخل هذه التنظيمات مقارنة مع الفصائل الأخرى، كما أن هؤلاء الأجانب يمتلكون في الغالب خبرة أمنية اكتسبوها في دول أخرى، مثل العراق وأفغانستان.
ومن أبرز الأمثلة على هؤلاء: أبو سيف الأردني واسمه الحقيقي أحمد حربي العبيدي، والذي كان مسؤولاً مباشراً لدى جبهة النصرة في الإشراف على عمليات اختراق فصائل المعارضة الأخرى، قبل أن يتم اغتياله. والمسؤول الأمني العام لتنظيم داعش في إدلب وهو روسي الجنسية ويدعى أبو سليمان الروسي، والذي تم اعتقاله في تموز/ يوليو 2017، من قبل هيئة تحرير الشام.
وقد استفادت جبهة النصرة من تنظيم داعش في السياق الأمني من خلال تلقي معظم أمنييها للتدريب في معسكر الصديق بريف إدلب عام 2012، والذي انتقل المشرفون عليه، وكلهم من الأجانب، فيما بعد إلى تنظيم داعش.
وعلى خلاف ذلك، لم تعتمد كل فصائل المعارضة الأخرى على الأجانب في عملها الأمني، وكانت ترتكز دوماً على العنصر المحلي، لكن بنفس الوقت كانت بعض الفصائل تقوم بالتنسيق والتعاون بين مكاتبها الأمنية والجهاز الأمني لدى جبهة النصرة وحركة أحرار الشام -قبل أن تتحول هذه الأخيرة إلى السلفية الجهادية المحلية- ومثال ذلك، التعاون الذي حصل إبان تشكيل الهيئة الشرعية في مدينة حلب.

رابعاً: تقييم تجربة القطاع الأمني
لا يمكن تقييم تجربة القطاع الأمني في الفصائل المسلحة بعيداً عن تقييم تجربة الفصائل ذاتها، حيث يحمل العمل الأمني خصائص الحالة الفصائلية بكل تفاصيلها.
ومن البديهي أن مبرر وجود أجهزة الأمن في أي دولة أو نظام ما دون الدولة هو تحقيق الأمن (سواء بصيغته المجتمعية أو أمن النظام أو المجموعة التي يخدمها الجهاز الأمني)، وأن هذه الأجهزة توصم بالفشل فوراً إن لم تتمكن من تحقيق هذا الهدف، باعتباره هدفاً وجودياً بالنسبة لها.
ويُظهر تتبع الوضع الأمني في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في كل الفترات الزمنية خروقات أمنية واسعة، وأن المكاتب الأمنية للفصائل لم تتمكن حتى من حماية فصائلها، فضلاً عن حماية المجتمع نفسه. فقد شهدت كل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وبشكل متواصل تقريباً منذ عام 2012 وحتى اليوم أعمال تفجير واغتيال وخطف، طالت كل الفاعلين المجتمعيين، بمن فيهم الفاعلين العسكريين. بالتوازي مع الجرائم ذات الطابع الجنائي.
كما عكست الأحداث التي شهدتها مناطق الشمال والجنوب على حد سواء فشل الفصائل في اكتشاف خلايا داعش النائمة، وقدرة التنظيم والجماعات المتطرفة المبايعة له أو القريبة منه على التشكّل داخل مناطق سيطرة المعارضة، وحتى بناء تنظيم متكامل وإنشاء معسكرات تدريب دون اكتشاف أمرها إلا بالصدفة، أو من خلال كشف هذه المجموعات عن نفسها!.
ويمكن تفسير حالة الفشل الأمني للفصائل من خلال أربعة عوامل رئيسية:
1. غياب الرؤية والمشروع
عانت الفصائل إجمالاً من ضعف الرؤية، وتغييب الاستراتيجيين عن عملها. واعتمدت منهج التعامل مع الحدث الآني وتموضعات المانحين والفاعلين المتغيرة، دون أهداف بعيدة المدى، ودون خطّة فعلية لتحقيق هذه الأهداف.
وانعكست حالة فقدان الرؤية على المشهد الأمني، فقد انشغل الأمنيون في كل الفصائل بالتعامل مع الحدث دون مشروع أو خطة استراتيجية.
وأدّى غياب الرؤية والمشروع إلى تفضيل الفصائل للانكشاف الأمني أمام النظام السوري وتنظيم داعش وغيرهم من الفاعلين على التعاون الأمني فيما بينهم، حتى لو أدّى الأمر إلى سحقهم وإخراجهم من أرضهم.
ورغم امتلاك معظم الفصائل لموارد كبيرة نسبياً خلال السنوات السابقة، إلا أنها لم تنجح في تحويل العمل الأمني إلى شكل مؤسسي، حتى بما يخدم أهداف الفصيل الضيقة.
وينبغي هنا ملاحظة التفاوت النسبي بين الفصائل فيما يتعلق بالرؤية والمشروع، إذ تمتلك هيئة تحرير الشام على سبيل المثال رؤية أكثر وضوحاً على ما يبدو مقارنة مع بقية الفصائل، الأمر الذي ساعدها في بناء جهازها الأمني بشكل مختلف عن غيرها، وإن بقي بدائياً حتى بالمقارنة مع الجهاز الأمني لتنظيم داعش.
2. غياب العمل المشترك
فشلت الفصائل المسلحة على اختلاف تلوناتها الأيديولوجية والمناطقية في التوحد، وحتى في العمل المشترك مع بقية الفصائل بما يحفظ مصالحها هي، بعيداً حتى عن مصالح المجتمع المحلي. وانتقلت الفصائل منذ عام 2013 تقريباً إلى تكريس الكثير من مواردها للتنافس والصراع مع الفصائل الأخرى، بدلاً من مواجهة النظام أو تنظيم داعش، الأمر الذي بدّد عملياً أي فرصة للعمل المشترك.
ويعكس الملف الأمني واحداً من أبرز أشكال الفشل الفصائلي، وأخطرها في ذات الوقت. إذ أن طبيعة العمل الأمني المشترك يقوم على مشاركة المعلومات بين الفاعلين، وهو ما لم يحصل إلا في حالات محددة، مثل العمل الأمني الذي توازى مع بعض المعارك العسكرية المشتركة.
ورغم أن كل دول العالم تملك عدّة أجهزة أمنية في ذات البلد، ولا تقوم هذه الأجهزة –لاعتبارات مقصودة لذاتها- بتنسيق عملها، إلا أنها جميعاً ينبغي أن تصبّ لدى جهة أمنية واحدة (مجلس أمني مشترك مثلاً، أو حتى شخص واحد في الدول الشمولية). إلا أن النموذج الذي شهدته المناطق الخارجة عن سيطرة النظام كان فريداً وغير مسبوق، إذ أن “الأجهزة الأمنية” المختلفة تعمل في ذات البقعة الجغرافية، وتتبع لفصائل تستهدف بعضها البعض، وتُستهدف من أعداء خارجيين، دون أي شكل من أشكال التنسيق أو وجود جهة عليها فوقها.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، فلا توجد في أي منطقة من مناطق سيطرة المعارضة حالياً أو سابقاً قاعدة بيانات موحدة للمطلوبين مثلاً، كما أن معظم الفصائل أصلاً لا تملك مثل هذه القواعد أصلاً!.
3. العمل البدائي
يتّسم العمل الأمني لكل الفصائل، بما فيها هيئة تحرير الشام، بالبدائية والبساطة، حتى مقارنة مع الأجهزة الأمنية لتنظيمات ما دون الدولة في صراعات أخرى، كالأجهزة الأمنية لحركة فتح وحزب الله. إذ تعتمد في جزء كبير من نشاطها على التقارير الشفهية والعمل الورقي، ولا تملك قواعد بيانات حرفية.. إلخ.
ويقوم على العمل الأمني في الفصائل أشخاص لا يملكون خبرة سابقة في المجال، ولم يحصلوا على تدريبات احترافية، ويعتمدون في خبرتهم على “التجربة والخطأ” وعلى ثقة قيادة الفصيل بهم!.
وفي مقابلات أجراها فريق البحث مع بعض قادة الفصائل في الشمال، تبين أن كل التحقيقات التي تم إجراؤها خلال سنوات مع عناصر من تنظيم داعش وآخرين من النظام وجهات أخرى، لم يتم أتمتتها، ولا توجد جهة مركزية تحتفظ حتى بمحاضر التحقيق!.
كما تبين من خلال مقابلات أجراها الفريق أن الأرشيف الورقي للفروع الأمنية التابعة للنظام، والتي تم السيطرة عليها في الفترة من 2012-2013، قد فُقد بالكامل تقريباً خلال فترة الصراع مع داعش، وأن الفصائل التي استولت على هذا الأرشيف آنذاك لم تقم أصلاً سوى بالاحتفاظ به، ولم تعمل على أتمتته أو محاولة الاستفادة منه بأي شكل.
ورغم استدامة بعض المخاطر الأمنية طيلة السنوات السابقة إلا أن الفصائل لم تتمكن من تطوير أدائها بما يتناسب مع هذه المخاطر. وعلى سبيل المثال، فإنّ أعمال تفجير السيارات والدراجات المفخخة والعبوات الناسفة لم تتوقف تقريباً، ومع ذلك فإنّ سياسة الفصائل الأمنية لمواجهة هذه الموجات حتى عند إعلان حالة الاستنفار تتمثّل بنصب الحواجز وتفتيش السيارات يدوياً، دون اعتماد أي أدوات أخرى مثل الكلاب المدربة أو أجهزة الكشف عن المتفجرات.
ويضاف إلى البدائية الذاتية عامل موضوعي، يتعلق بوجود فجوة هائلة في القدرات التقنية بين الفصائل الموجودة على الأرض، وبين أجهزة المخابرات المحلية والإقليمية والدولية المهتمة بالمنطقة، إذ تملك هذه الأجهزة القدرة على الرصد الجوي، ورصد الاتصالات، إضافة إلى شبكات المخبرين، الأمر الذي مكّن هذه الأجهزة خلال السنوات الماضية من استباحة مناطق سيطرة المعارضة والوصول إلى أهدافها بدقة.
ومن أبرز العمليات الخارجية التي تمت بناء على معلومات استخباراتية: اغتيال عبد القادر الصالح قائد لواء التوحيد في 17/11/2013، واغتيال كامل قادة أحرار الشام في 9/9/2014، واغتيال زهران علوش قائد جيش الإسلام في 25/12/2015، إضافة إلى عشرات الاغتيالات عبر الجو أو عبر عبوات ناسفة أو حتى إطلاق النار المباشر.
ويلاحظ أن كل عمليات اغتيال قادة الفصائل تمّت أثناء تواجدهم في اجتماعات بمقار سرية، وليس في مقارهم الرئيسية أو أماكن سكناهم العادية، وأنها حصلت بعد وقت قصير من وصولهم إلى هذه المقار، بما يظهر حجم الانكشاف الأمني الكبير لكل الفصائل.
4. الاستغراق في التنافس الفصائلي
انشغلت الفصائل منذ سنوات بالتنافس مع بقية الفصائل في مناطقها والصراع معها، وتحوّلت من حالة الهجوم باتجاه النظام وداعش إلى حالة الدفاع، وأصبح البدء بمعارك لا فصائلية حالة استثنائية تستدعي إعلان الطوارئ داخل الفصيل، رغم أن القتال يفترض أن يكون الغاية الأساسية لوجوده أصلاً!.
ومن خلال المقابلات مع أمنيين سابقين وفاعلين في العمل الفصائلي، يتبين أن غالبية العمل الأمني للفصائل يتركز على جمع المعلومات في المجتمع المحلي، ومراقبة الفصائل الأخرى والمؤسسات المدنية الموجودة في المنطقة، ومراقبة عناصر الفصيل نفسه. وأن المصادر الأمنية في مناطق سيطرة النظام ومناطق السيطرة الأخرى شحيحة، وتدخل غالباً ضمن المصادر غير المقصودة لذاتها.
ويمكن أن يُعزى الانشغال في التنافس الفصائلي إلى عجز القطاع الأمني لدى الفصائل عملياً عن مواجهة المشاريع الأمنية للدول، وغياب الرؤية لدى قيادته، بما يحصر تطلعاته ضمن المنافسة مع فصيل آخر للاستحواذ على السيطرة في بقعة جغرافية صغيرة.

خامساً: المصير المحتمل
يرتبط مصير العاملين في القطاع الأمني للفصائل بمصير فصائلهم إلى حدّ كبير، لكنهم يتميّزون عن بقية مكونات الفصيل من ناحيتي الخبرة الخاصة التي اكتسبوها ونوع المعلومات التي اطلعوا عليها أو التي يملكونها، الأمر الذي يمكن أن يؤثّر على مصيرهم المستقبلي في حال تغيّر الأوضاع السياسية والعسكرية التي وفّرت لهم بداية فرصة العمل كأمنيين، وهو المصير الذي واجهته حتى الآن فصائل محافظات حمص وريف دمشق ودرعا.
ويعتمد المصير المحتمل للأمنيين على عدّة عوامل، أهمها:
1. نوع المهام التي يتولاها الأمني: إذ سيختلف مصير الأمني في الإدارات العليا، والذي يملك الوصول إلى معلومات خاصة وحساسة واستراتيجية، عن أولئك الأمنيين في المواقع التنفيذية، كالذين يتولون عمليات الحراسة وتنفيذ الاعتقالات والتعذيب في السجون!.
2. تموضع الفصيل الذي ينتمي إليه محلياً وإقليمياً: فإذا كان الفصيل جزءاً من تسوية سياسية محلية أو إقليمية ما، فإنّ وضع المنتسبين إليه –بما فيهم الأمنيين- سيختلف عن فصيل لم يكن جزءاً من هذه التسوية، أو أن الفصيل على قائمة الاستهداف الدولي أصلاً.
3. شكل نهاية الفصيل والمنطقة التي يتموضع فيها: فالفصائل التي تنتهي ضمن تسوية ما يمكن أن تضمن لمكوناتها مخارج أكثر “كرامة” من تلك التي تنتهي بانكسار عسكري كامل. وينطبق هذا الأمر على كل مكونات الفصيل، بما فيهم الأمنيين.
4. شكل وطبيعة الحل السياسي الذي سيتم الانتهاء إليه: إذ أن الحل الذي يُبقي وضعاً خاصاً لمناطق الشمال، سيختلف عن حلّ يفرض سيطرة النظام على كل المناطق بلا استثناء، كما سيختلف عن تسوية يتم فيها إجراء تعديلات شكلية أو جوهرية في بُنية النظام.
وتبعاً لهذه العوامل، يمكن توقع سيناريوهات المصير بالنسبة للعاملين في القطاع الأمني للفصائل في حال انتهاء تجربة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام لأي سبب، كما يلي:
1. العودة إلى ممارسة الحياة الطبيعة بشكل ما، في مصير مشابه للمقاتلين العاديين في الفصائل. ويمكن لهذا الخيار أن ينطبق على الأمنيين في المستويات الدنيا في هياكل القطاعات الأمنية لدى الفصائل، وهم غالبية العناصر.
2. التصفية الجسدية، سواء من قبل النظام والأطراف الداعمة له، أو من قبل أطراف دولية أخرى، أو حتى من قبل أطراف في فصيله، إذ أن المعلومات التي يملكها أو اطلع عليها الأمني خلال عمله السابق، يمكن أن تُسبب قلقاً للأطراف التي لا تودّ نشر هذه المعلومات أو استخدامها من قبل أطراف أخرى للابتزاز السياسي والقانوني.
3. الاستقطاب من قبل أطراف سياسية محلية ودولية، حيث يعود الأمني إلى العمل السري أو العمل ضمن مجموعات صغيرة، كما كان حال الأمنيين في عام 2011، ويقدّم خدماته الأمنية لفاعلين بمستوى الدولة أو دون مستوى الدولة. ويمكن أن يتم هذا “التعاون” بناء على دوافع فكرية، كأن يرى الأمني في هذه الجهة مشروعاً يحاكي مواقفه من النظام السياسي القائم، كما يمكن أن يتم بناء على دوافع مصلحية، بحيث يحصل الأمني على مبالغ مالية أو خدمات لوجستية مقابل تقديم “خدماته الأمنية”.
4. إعادة التموضع الجغرافي، حيث سيعمل الأمنيون –وخاصة المنتمين لفصائل جهادية- على الانتقال إلى “ساحات جهادية جديدة”، يوظّفون فيها خبراتهم الأمنية المكتسبة من الساحة السورية، ويتجنبّون في نفس الوقت بقية الخيارات المحتملة أمام الأمنيين.
5. الانضمام إلى نظام الدولة الأمني، ويمكن أن يكون هذا الانضمام بشكل فردي أو مؤسساتي، إما من خلال تشكيل جهاز أمني موازٍ، بشكل رسمي وضمن بنية الدولة (على غرار شعبة المعلومات في لبنان)، أو ضمن تسويات الأمر الواقع (على غرار الجهاز الأمني لحزب الله في لبنان). ويرتبط الشكلان بنوع التسوية التي ستنتهي إليها الأوضاع في سورية.
أما على المستوى الفردي، فيمكن أن ينضمّ بعض الأمنيين إلى أجهزة النظام الأمنية، ويتوقع في هذه الحالة أن يبقوا ضمن مستوى المخبرين ومصادر المعلومات، وأن لا يدخلوا أبداً ضمن “دوائر الثقة”، إلا إذا كان أحدهم مرتبطاً أصلاً بالأجهزة الأمنية أثناء عمله.

خلاصة
نشأت المجموعات الأمنية لدى المعارضة بشكل متوازٍ مع نشأة الفصائل المسلحة. وكان بعض هذه المجموعات جزءاً من فصيل مسلح أو أن المجموعة ذاتها تحوّلت إلى فصيل مسلح، فيما نشأت مجموعات أخرى خارج بيئة الفصائل ولم تدخل إليها.
ومع توسّع رقعة سيطرة المعارضة، وتضخّم إمكانات الفصائل بشكل كبير بدءاً من عام 2012، توسّعت القطاعات الأمنية لدى الفصائل، وأصبحت اليد الضاربة لقيادات الفصائل في مناطق سيطرتها ونفوذها.
رغم امتلاك الفصائل المسلحة جميعاً لفترة ما على الأقل موارد كبيرة، وإنْ بشكل متفاوت، إلا أنها لم تنجح في الاستثمار بشكل فعّال في قطاعاتها الأمنية، حتى بما يخدم أهدافها الفصائلية الضيقة.
ويظهر تتبع الوضع الأمني في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وجود انكشاف أمني شبه كامل، وأن القطاع الأمني فشل في تحقيق هدفه الوجودي المتمثّل في “تحقيق الأمن”. ويعود هذا الأمر إلى عدّة أسباب: أهمها فقدان قادة الفصائل للرؤية، الأمر الذي أغرق الفصائل ومكوناتها، بما في ذلك القطاعات الأمنية، في التنافس والصراع الفصائلي، على حساب مواجهة الأخطار المشتركة. ويضاف إلى الأسباب أيضاً غياب الاحترافية والتخصص، والاعتماد على أساليب بدائية في العمل، وغياب التعاون الأمني مع بقية الفصائل.

مركز جسور للدراسات

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

القطاع الأمني لفصائل المعارضة المسلحة

هيومن فويس برز استخدام مصطلح "الأمني" بين فصائل المعارضة المسلحة بدايات عام 2012، وانتشر بين الأوساط الشعبية والفصائل العسكرية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. ويُشير مصطلح "الأمنيين" إلى الأفراد ولاحقاً إلى المجموعات المسؤولة عن الأمن داخل الفصائل وخارجها، كمعادل موضوعي للأجهزة الأمنية المتواجدة في كل الدول. ونظراً لأن "الأمنيين" بقوا ظاهرة فصائلية، فإنّ كل منطقة شهدت عملاً متوازياً لأمنيين ينتمون إلى جهات متعددة ومتنافسة، وتدخل فيما بينها بصراعات مسلحة وغير مسلحة، الأمر الذي حوّل العمل الأمني إلى جزء من الصراع وأحد أهم أدواته في الوقت ذاته، وأنتج حالة غير مسبوقة من عمل الأجهزة الأمنية المتصارعة في بيئة واحدة. ويتّصف

Send this to a friend