هيومن فويس

1) حماية العمق الأمني لدرع الفرات وغصن الزيتون:

تُمثّل محافظة إدلب ومحيطها –منطقة خفض التصعيد الرابعة– عمقاّ أمنياً بالنسبة لتركيا، وينبع هذا الاعتقاد من الأهمية الجيوسياسية التي يشغلها موقع المنطقة في مقاربات أنقرة للملف السوري، على اعتبار أنها تُشكّل امتداداً لمناطق درع الفرات وغصن الزيتون.

وربّما تحتاج تركيا من أجل حماية المكاسب الأمنية التي حققتها في عمليتي غصن الزيتون ودرع الفرات إلى الإبقاء على وجودها العسكري المباشر في محافظة إدلب ومحيطها أو في حيز جغرافي منها، وذلك كإجراء وقائي لإبعاد المخاطر الأمنية التي قد يشكّلها حزب العمال الكردستاني.

ويبدو أن زوال خطر حزب العمال الكردستاني وجناحه السوري مرتبط بالدرجة الأولى بتحقيق الاستقرار والأمن في عموم المنطقة ضمن مسار الحل السياسي الدولي أو الأممي أو كلاهما. وقد تظهر المخاطر الأمنية بشكل جلي في حال توصلت وحدات الحماية الكردية لاتفاق مع النظام السوري بشأن صيغة تقضي بمشاركتهم بالمعركة المفترضة في الشمال السوري مقابل فتح جبهة عفرين من جهة محافظة إدلب ومحيطها، في ظل وجود مباحثات بين الطرفين حيال المعركة.

وعلى ضوء هذه المباحثات مع وحدات الحماية الكردية يبقى مستبعداً أن تجد تركيا أرضية ملائمة تترك فيها الخيار للنظام السوري بضمان أمن واستقرار الشمال، لذا فإن الضامن الأرجح هو الإبقاء على نقاط المراقبة التركية في المحافظة أو بحيز منها إلى جانب فصائل المعارضة المسلحة.

2) ضمان أمن الحدود بمراقبة تركية:

منذ بدء الصراع المسلح في سوريا في العام 2012 تعرض الأمن القومي التركي لخلل وظيفي متعلق بأمن الحدود، والذي يُفترض أن يقوم بمهام حماية الداخل والعمق التركي من أي هجوم مفاجئ، وحماية الاقتصاد الوطني، والحفاظ على النطاق الإقليمي لسيادة الدولة.

إن عملية استرداد تركيا للدور الوظيفي لأمن الحدود على طول الشريط المتصل مع سوريا يقتضي إبعاد المخاطر المتعلقة بسيطرة وحدات حماية الشعب الكردية المنتشرة شرق الفرات، وضبط السلاح الذي بحوزة الفصائل المنتشرة غرب الفرات “الشمال السوري”، بالإضافة لفرض الاستقرار المجتمعي.

ومع أن تركيا اتخذت بعض الإجراءات الوقائية من قبيل بناء سياج أمني على طول الحدود مع سوريا، لكن ذلك لا يكفي لإعادة الدور الوظيفي لأمن الحدود، ولا يبدو أيضاً أن تركيا قد تذهب لخيار إعادة مسؤولية ضمان أمن الحدود إلى النظام السوري لأن هذا الأخير لن يكون قادراً على ضبط الاستقرار والسلاح بالإضافة لاحتمال تعاونه مع وحدات حماية الشعب التركية، ما يعني استمرار الخطر على طول الحدود ودفع الشمال السوري ليصبح بؤرة جغرافية غير مستقرة وغير آمنة قد تمتد آثارها عبر الحدود إلى الداخل التركي.

لكن من جانب آخر قد تحاول روسيا إقناع تركيا بالحفاظ على جانب حماية أمن الحدود من خلال إما إعادة تفعيل اتفاق أضنة مع النظام السوري والذي يعني انتشار الجيش التركي في عمق 5 كم على الشريط الحدودي، أو إعادة صياغة اتفاق جديد يقضي بانتشار هذا الجيش ونقاط المراقبة التابعة له على مسافة 20 كم، إلى جانب تشكيل منطقة أمنية فاصلة على غرار تلك التي تم اقتراحها في اتفاق خفض التصعيد. لكن لا يوجد ما يدفع للاعتقاد بأن تركيا قد تقبل بهذا الحد الأدنى من التسوية لضمان أمن حدودها.

وربما تنظر تركيا إلى أن الضامن الرئيسي لأمن الحدود هو الإبقاء على وجودها العسكري في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون والحفاظ على نقاط المراقبة في الشمال السوري أو بجزء منه، لحين استعادة الدور الوظيفي لأمن حدودها مع سوريا.

3) منطقة جغرافية مستقرة:

كان توقيع تركيا لاتفاق خفض التصعيد مع روسيا يحمل في أحد جوانبه الرئيسية الرغبة في تحويل الشمال السوري إلى منطقة مستقرة بعد أن أخفقت جهودها السابقة في إقناع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب في إقامة منطقة آمنة على حدودها مع سوريا.

والمطالب التركية المبكرة في إقامة منطقة آمنة بسوريا كانت محاولة لإعادة التموضع ضمن استراتيجية صفر مشاكل التي تهدف إلى تحقيق الأمان والاستقرار في محيط آمن بما يتيح لتركيا جوّاً مناسباً للتنمية الداخلية الاقتصادية والاجتماعية، ومنذ اندلاع الصراع المسلح في سوريا وحتى الوقت الحالي تؤكد تركيا رسميّاً أن تدخلها العسكري المباشر سواءً في حلب أو إدلب لا يعني أبداً تخليها عن استراتيجية صفر مشاكل بل إنشاء أرضية صلبة لتحقيقها. وهذا يعني أن أنقرة تريد استقراراً وأماناً في سوريا بما يتلاءم مع مصالحها ومكاسبها الاقتصادية والأمنية والسياسية.

والمنطقة الجغرافية المستقرة تعني بالنسبة لتركيا ضبط ملف اللاجئين والنازحين والدفع باتجاه إعادة تمكين الأمن المجتمعي في سوريا، وتعني ضبط السلاح والفوضى وتشكيل قوة ردع منضبطة لتأمين المكاسب والحفاظ على هذه المنطقة. وتعني ضماناً أكبر لملفات الأمن القومي المتعلقة بجانب الحدود والمعابر والتنظيمات الإرهابية وإعادة تفعيل النشاط الاقتصادي.

أما حدود المنطقة المستقرة فقد تكون بالحفاظ على البعد الذي فرضه اتفاق خفض التصعيد أو بالتوصل لصيغة جديدة تحدد أماكن وتوزن انتشار هذه المنطقة، وغالباً ما تنظر تركيا إلى أنها المعني الأول والرئيسي في ضمان هذه المنطقة وتأمين المكاسب الأمنية فيها لذلك فقد يبدو مستبعداً أن تقبل تركيا بضمان روسيا لها وانسحاب كامل نقاط المراقبة التركية لصالحها على غرار ما جرى في الجنوب السوري، لأن من شأن ذلك ألّا يحقق الأهداف الأمنية التركية ويعيق إعادة التموضع في استراتيجية صفر مشاكل.

مركز جسور للدراسات

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

أهمية شمال سوريا بالمنظور التركي

هيومن فويس 1) حماية العمق الأمني لدرع الفرات وغصن الزيتون: تُمثّل محافظة إدلب ومحيطها –منطقة خفض التصعيد الرابعة– عمقاّ أمنياً بالنسبة لتركيا، وينبع هذا الاعتقاد من الأهمية الجيوسياسية التي يشغلها موقع المنطقة في مقاربات أنقرة للملف السوري، على اعتبار أنها تُشكّل امتداداً لمناطق درع الفرات وغصن الزيتون. وربّما تحتاج تركيا من أجل حماية المكاسب الأمنية التي حققتها في عمليتي غصن الزيتون ودرع الفرات إلى الإبقاء على وجودها العسكري المباشر في محافظة إدلب ومحيطها أو في حيز جغرافي منها، وذلك كإجراء وقائي لإبعاد المخاطر الأمنية التي قد يشكّلها حزب العمال الكردستاني. ويبدو أن زوال خطر حزب العمال الكردستاني وجناحه السوري مرتبط

Send this to a friend