هيومن فويس

يروي القدّيس أوغسطين أنّ قرصانًا وقع في أسر الإسكندر الأكبر الذي سأله: كيف تجرؤ على إزعاج البحر؟ كيف تجرؤ على إزعاج العالم بأسره؟ فأجابه “القرصان”: لأنني أفعل ذلك بسفينة صغيرة فحسب فأدعى لصًّا، وأنت الذي يفعل ذلك بأسطول ضخم تدعى “إمبراطورًا”).(1)

في غمرة مؤتمر انعقاد جلسات الاتّحاد البرلمانيّ الدوليّ في روسيا في أواخر عام 2017، خلال مداخلة لم تتجاوز 45 ثانية هاجم رئيس مجلس الأمّة الكويتي “مرزوق الغانم” رئيس وفد إسرائيل إلى المؤتمر، ونَعَتَهُ بـ “مُمَثّل الاحتلال وقتلة الأطفال ومرتكبي جرائم الغصب وإرهاب الدولة” بلهجة غاضبة ساردًا العديد من جرائم الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية؛ ليتابع “الغانم” -مخاطبًا مُمَثّل الوفد الإسرائيلي-: “عليك أن تحمل حقائبك وتخرج من القاعة بعد أن رأيت ردّة الفعل من كلّ البرلمانات الشريفة [..] اخرج الآن من القاعة إن كانت لديك ذرّة من الكرامة يا محتل، يا قتلة الأطفال” وقد صفّق الحضور بحماس شديد لكلمة رئيس مجلس الأمة الكويتي، بينما أظهرت الصور استياء الوفد الإسرائيلي وخروجه من قاعة الاجتماعات. (2)
كان من الملفت في خطاب “الغانم “إشارته إلى فكرة “إرهاب الدولة” الإشارة التي عمدت –بقصد أو بدون قصد- إلى التشكيك بالصورة التي انطبعت في أذهاننا حول مفهوم الإرهاب؛ الذي لا يكون من الدولة أبدًا، بل يكون ضدّها على الدوام!
إشارة الغانم هذه، أعادت التنبيه على الصورة الإيديولوجيّة التي يُراد لنا أن نَتَذَهّنها حال التفكير في الإرهاب.
هذه الصورة الإيديولوجيّة التي ترعاها بشكل أساسيّ اليوم؛ السياسة الأمريكيّة والغربيّة، وتتلاعب بها كما تشاء، وتصورها كيفما تشاء عبر أذرعها الفكريّة والإعلاميّة والصحفيّة.
فما هو مفهوم الإرهاب كما رسمه مهندسو السياسة –في الغرب- في مخيال الناس اليوم؟
هذا ما تحاول هذه المقالة الإجابة عليه؛ وذلك من خلال الاقتراب من ظاهرة الإرهاب كما تُصَوَّرُ في السياسة الأمريكيّة والغربيّة، متجاوزةً السجالات المعرفيّة: القانونيّة والسوسيولوجيّة والدينيّة حول هذه الظاهرة.

طبيعة الإشكال: الاتّجاه الواحد في التصوّر
من السائد في فهم الإرهاب في الثقافة الغربيّة حصره في نمطٍ تفكيريٍ واحد، وصورة واحدة. وهذا النمط التفكيري ذو الاتجاه الواحد ليس موقوفًا على الإرهاب، بل ينسحب على غيره من المفاهيم والمصطلحات في الثقافة الأوروبيّة “فالاتجاه الواحد في الثقافة الغربية لا يميّز الإرهاب وحدَه، بل ينطبق أيضاً على بقيّة المفاهيم التي أفرزها الغرب في السنوات الأخيرة؛ مثل حقوق الإنسان التي تعني الفرد فقط وليس المجموع، الإنسان وليس الشعوب، مثل العولمة والتي تعني فقط توحيد المركز وتفتيت الأطراف، بحيث يصبح العالم قرية واحدة دون أن تذكر العوالم الأخرى”.(3)
وعلى طريقة المهدي المنجرة فإنّ العولمة “ليس معناها أنّ العالم صار قرية صغيرة، إنّما المعنى أنّ القرية الصغيرة يراد لها أن تصير عالمًا “. (4)
ولينسحب الأمر على نظرياتها الكبرى من قبيل “صدام الحضارات الذي يصف لحظة واحدة في تفاعل الحضارات لحظة الصراع، وهي اللحظة الغربية، ويستبعد لحظات أخرى من حوار الحضارات، مثل الحضارة الإسلامية في الأندلس غرباً وفي بغداد والبصرة شرقاً، ونهاية التاريخ الخاص بالحضارة الغربية وسيادة الرأسمالية، بعد سقوط الأنظمة الاشتراكية واستبعاد بداية التاريخ الذي تشعر به الشعوب في أفريقيا وآسيا، في الوطن العربي والعالم الإسلامي”. (5)
فالغرب يستعمل المفاهيم التي ينتجها بمعنى واحد وفي اتجاه واحد يعبّر بها عن وجهة نظره الأحادية “من المركز إلى الأطراف” ومن “الأنا إلى الآخر” نوعًا من النرجسية تضعه صنو مُلّاك الحقيقة المطلقة من “الأصوليّين” الذين تحاربهم وتتهمهم بالتعصب والإرهاب، في تذكيرٍ لنا بأطروحة روجيه غارودي في كتابه: “أصول الأصوليات والتعصّبات السلفية” التي حاول فيها توضيح فكرة أنّ “الأصوليّة ونزعة الانغلاق مبثوثة في الدول والكيانات السياسيّة والعلمانيّة كما هو الحال مع الجماعات الدينيّة”. (6)
وعطفًا على ما سبق، يُمكننا ترسيم الصورة الأيديولوجيّة للإرهاب، كما صُوِّرَت غربيًّا، على طريقة التفكير ذي الاتجاه الواحد، على أساسٍ من خمسة أفكار:
١- الإرهاب لا يكون إلا إسلاميًا:
ينطلق هذا التحديد من فكرة مفادها، أنّ الإرهاب لا يأتي إلا من المسلمين، بحيث تنحصر صفة الإرهاب بالدينيّ بدايةً وبالإسلام ثانيةً. وعلى ذلك يصبح/يكون/ كل الإرهابيين من المسلمين، وبتفشي الصور النمطية والتحامل لدى البعض في الغرب يتم اختزال حضارة الإسلام وثقافته وعلومه وقِيمه كلها في الإرهاب؛ لنتوصل إلى أنّ هذا هو جوهر التعامل الأوروبي والغربي مع الإسلام كما وصفه الباحث الفرنسي المعروف أوليفه روا في كتابه “الجهاد والموت”، حيث يقوم هذا التعامل – وفقًا لروا – على “ردكلة الإسلام”(7)
وبذلك يصبح الإسلام والمسلمون وفقًا لتعبير – حميد دباشيّ – “المادة الخام لتوصيف أيّ حدث عنفيّ في العالم “(8) وذلك من خلال إقناع العالم بأنّ “الإسلام يحوي في بنيته التصوريّة وتجربته العمليّة”، ما يُسميه دباشيّ بـ “البذاءة الجوهرية” بغية الوصول إلى فكرتين وتعميمهما:
الأولى: وهي ما يُسميها دباشي “الحَيْوَنَة المُمَنْهَجَة للعرب والمسلمين” (..)، وذلك سعيًا لخلق تصوّر عام عند غير المُسلم تجاه الإسلام والمسلمين، لا يكون فيه المسلم إلّا مجرمًا أو إرهابيًا، أو محل شكٍ وريبة في أحسن الأحوال.
الثانية: وهي ما يُسميها دباشي “ذنب المسلمين الجمعي” (..)، وذلك سعيًا لخلق تصوّرٍ عام عند المُسلم، تجاه التزامه الدينيّ والهويّاتي، بحيث يتشكّك فيه ويتنصّل منه بدايةً، وليس انتهاءً بكرهه ومحاربته وإنتاج معرفةٍ مُشوّهةٍ عنه على طريقة “المخبرين المحلّيّين” كما وصفهم دباشي(..)، أو على طريقة “الانسلاخسلاميين” وفق وصف محمد الطالبي (9) أو على طريقة “المدجّنين الجدد” بحسب وصف بنسالم حميش (10).
وعودًا على دباشي في تفنيده لفكرة “الإرهاب لا يكون إلّا إسلاميًا” في كتابه “بشرة سمراء، أقنعة بيضاء” وذلك في معرض ردّه على “توماس فريدمان” – كاتب عمود بارز في النيويورك تايمز – الذي يستغرب سبب “عدم نزول المسلمين في كل أنحاء العالم إلى الشارع؛ للاحتجاج ضد القتل الجماعي الذي مارسه الإرهابيّون المسلمون في ممبايّ وباريس ولندن… الخ، في حين لا يسأمون من النزول والاحتجاج حين يتمّ رسم نبيهم – محمّد – في الصحف بصورة ساخرة، كما حدث في الدنمارك وغيرها من البلاد الأوروبيّة “. (11)
يعلّق دباشي على كلام فريدمان، فيقول مُتسائلًا في صيغة استنكاريّة: (كم أمريكيًا كان مستعدًا لأن ينزل إلى الشارع، ويشجب ويدين علنًا، وعلى نحو متكرّر – كما يطالب فريدمان – أعمال القتل التي كان جورج دبليو بوش ودك تشيني ودونالد رمسفيلد مسؤولين عنها! خصوصًا وأنّهم – أي: بوش وشركاؤه – منتخَبون في دولة ديموقراطيّة بانتخاباتٍ نزيهة، وهم مسؤولون عن جرائم قتل أكثر وأفظع في العراق وأفغانستان. في حين لم ينتخب المسلمون؛ القتلة الجماعيّين في ممباي أو باريس أو لندن لأي منصب كان. وحاصل أمرهم – كما يرى دباشي – أنهم كانوا جزءًا من عصابة تورّطت في تأسيسها السياسة الخارجية الأمريكيّة “.(..)
يواصل دباشي استنكاره قائلًا: (كم يهوديًا في العالم أجمع، نزل إلى الشوارع للاحتجاج ضد السرقة المسلحة الصهيونية لوطن شعب آخر، أو ضد اهتياج “باروخ غولدشتاين” القاتل في الخليل ضد أناس يصلّون في مسجد، أو تجويع مليون ونصف المليون نسمة في غزة، أو سرقة الأراضي الفلسطينيّة في وضح النهار من قبل المستوطنين القتلة الذين لا يتوانون في إطلاق النار لقتل أي فلسطينيّ يتجرّأ على أن يرفع صوتًا، أو القتل المتعمد للأطفال الفلسطينيّين على أيدي رماة الجيش الإسرائيلي الماهرين!
وهل نزل المسيحيون حول العالم إلى الشوارع في عام 1995، عندما فجّر “تيموثي ماكفي” المبنى الاتحادي في أوكلاهوما وقتل 168 شخصًا؟ وهل نزلوا إلى الشوارع عام 2007، عندما قتل القاتل الجماعي “سونغ هوي تشو” 33 طالبا في حرم جامعة فرجينيا – واحدًا مقابل كل سنة في حياة يسوع المسيح -.
أو هل نزلوا إلى الشوارع بين عامي 1972 و1976 عندما قتل مسيحي آخر هو “جون واين غايسي” 33 صبيًا وشابًا – أيضًا واحدًا مقابل كل سنة في حياة يسوع المسيح -؟
وهل نزل الهندوسيون حول العالم إلى الشوارع في عام 2002 عندما اغتصبت جماعات من الهندوس نساء مسلمات أمام الملأ، ومزقوا بطونهنّ الحبلى وشكّوا بالسفافيد أطفالهنّ الذين لم يولدوا بعد؟ ثم لماذا تتوقّع من المسلمين أن يتصرفوا إزاء الآخرين بطرقة مختلفة “. (..)
٢- الخلط بين الإرهاب والمقاومة:
من مظاهر هذه الازدواجية أو الواحديّة في مفهوم الإرهاب، عدم التمييز بين الإرهاب والمقاومة، إذ كما يرى حسن حنفي أنّ “الإرهاب عمل غير مشروع، محاولة قضاء طرف على الطرف الآخر، كما يفعل الكيان الصهيوني في فلسطين، وكل القوى الاستعمارية ضد الشعوب المستعمرة “. (12)
أما المقاومة، فهي “عمل مشروع من الطرف الثاني ضد الإرهاب الأول، مثل المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، وكل حركات التحرر الوطني إبان الحقبة الاستعمارية الغريبة منذ القرن التاسع عشر، والتي بلغت الذروة في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية “. (..)
ويشير حنفي إلى ملاحظة تاريخيّة عادةً ما يتم التغاضي عنها وهي أنّ “المقاومة كانت حقاً مشروعاً في الغرب ذاته في فرنسا أثناء الاحتلال النازي، وفي أميركا ذاتها أثناء الاحتلال البريطاني. ونظراً لأنّ المقاومة في العصر الحديث عادة ما تكون للقوى المهيمنة، وهي القوى الغربية، اتهمت حركات المقاومة بالإرهاب والعنف وخرق حقوق الإنسان لتشويهها، والإبقاء على الهيمنة، ما يضطر المقاومة للدفاع عن شرعيتها أولاً قبل أن تقاوم الهيمنة الفعلية “(..) وفي ذلك يشير “إنريكه دوسيل” إلى أنّ أدبيات العنف في أميركا اللاتينية ميّزت بين العنف القاهر ‏Oppressive Violence ‬والعنف ‬المحرر ‬Liberating Violence ‬فالأوّل “‬السبب”، ‬والثاني “‬النتيجة”. ‬الأول ‬”الفعل”، ‬والثاني “‬رد ‬الفعل”، ‬الأول ‬قد تمارسه ‬الدولة ‬والجيش، ‬والثاني ‬يحدث ‬عند ‬الفلاحين ‬والعمال ‬والمثقفين. (13)
وتحليل “دوسيل” يتاقطع مع إشارة حنفي إلى أنّه “‬لمّا ‬كانت ‬أجهزة الاستعمار تمارس ‬العنف ‬بالسلاح، ‬قامت ‬حركات ‬المقاومة ‬بالسلاح، ‬عنفاً ‬بعنف. ونشأت ‬جيوش ‬التحرير ‬الشعبية ‬والوطنية ‬في ‬الجبال ‬وخارج ‬المدن ‬أو داخلها، ‬كما ‬حدث ‬في ‬معظم ‬دول ‬أميركا ‬اللاتينية ‬وأفريقيا، ‬وفي ‬الصين “. (14)
‬والمقاومة ‬السلمية ‬والعصيان ‬المدنيّ ‬أحد ‬أشكال ‬المقاومة، حيث ‬تقوم ‬على ‬قوة ‬الإرادة ‬في ‬مواجهة ‬السلاح، أو ما يسميه حنفي بـ “قوة ‬الحق ‬في ‬مقابل ‬حق ‬القوة”. (..) ‬ويشهد ‬التاريخ ‬أن ‬النصر ‬باستمرار ‬كان ‬لمصلحة ‬المقاومة ‬و«العنف ‬المحرر»، بحسب التعبير اللاتيني، ‬ضد ‬الهيمنة ‬ الاستعماريّة و«العنف ‬ القاهر».
٣- إرهاب الدولة وإرهاب الأفراد:
يشير حنفيّ إلى أنّ “الإعلام الغربي عادة ما يُوجه تهمة العنف للأفراد أو الجماعات التي تلقي المفرقعات، أو التي تقوم بالاغتيالات أو تدمير المباني، ولا تلصق بالدول والنظم السياسية. الإرهاب الأول غير مشروع بينما الإرهاب الثاني مشروع، بهذا المعنى في الغرب. الأول يعاقب عليه القانون، والثاني يسمح به القانون! الأول ضد الدستور، والثاني سياسة عليا Reason of State “(..)، ‬ويضيف حنفي أنّه “مهما ‬بلغت ‬قوة عنف ‬الأفراد ‬فإنها ‬أضعف ‬بكثير ‬من عنف ‬الدول. وعنف ‬الفرد ‬قد يكون حيلة ‬العاجز ‬الذي ‬لا ‬سبيل ‬أمامه ‬للتعبير ‬عن ‬نفسه ‬إلا ‬الرفض ‬العنيف. ‬في ‬حين ‬أن ‬إرهاب ‬الدول ‬إرهاب ‬القادر ‬على ‬التعبير ‬عن ‬نفسه ‬في ‬نظم ‬سياسية ‬وأجهزة. ‬ على أنّ ‬إرهاب ‬الأفراد ‬يكون في الغالب حوادث ‬متقطعة، ‬وأفعالاً ‬يائسة، ‬وصرخات ‬غضب، ‬وسوى ذلك من صور حيلة ‬العاجز. ‬في ‬حين ‬أن ‬إرهاب ‬الدول ‬إرهاب ‬منظم، ‬ومستمر، ‬ومن ‬موضع ‬قوة “. (..) ويشير القانونيّ العراقي “علي الحديثي” إلى أنّ من أهم أسباب عدم الالتفات إلى فكرة إرهاب الدول، أنّ الدُول عادة ما تقوم بتجميل ممارساتها الإرهابية، فتستخدم “ألفاظًا ومصطلحات من قبيل (الاستعمار والحماية والانتداب والوصاية) وتبثّها بين الناس على أنها كلمات جميلة لمعانٍ أجمل، فهي تعني من بين ما تعنيه إعمار بلدان خربة متأخرة، وحماية شعوب ضعيفة، والانتداب على أوطان متخلفة، لمدها بأسباب التقدم والتنمية، والوصاية على شعوب عاجزة عن تشكيل حكومات وطنية، وهي بالتالي غير قادرة على النهوض بمسؤولياتها تجاه شعوبها.
وهي بالجملة رسالة تنطوي على وظيفة حضارية تأخذ بأيدي أقاليم وشعوب متخلفة وغير قادرة على إجارة نفسها بنفسها فتنتشلها من وهدة التخلف لكي ترتقي بها إلى مصاف التقدم، ثم لا تلبث بعد ذلك أن تمنحها استقلالها وسيادتها “. (15)
وما أشار إليه الحديثي من تجميل المصطلحات لتزييف الوقائع، هو عين ما عناه “إينس كلود” بقوله: “إن هي إلا مصطلحات اتخذتها دول الاستعمار المهيمنة على النظام الدولي؛ ورقة توت لتستر بها عوارات الاستعباد والاستغلال والقهر الاستعماريّ وأعلالًا أخرى سيئة كانت تقترفها فعليا تحت الغلالة التي ما عادت تسترها”(16)
4- الإرهاب المرئي والإرهاب اللامرئي:
من مظاهر هذه التحيّزات المؤدلجة تسليط الضوء على يسميه حنفي إرهاب الأفراد “المرئي “والتغاضي عن إرهاب الدول “اللامرئي” والفارق بينمها كما يرى حنفي “أنّ الإرهاب المرئي يقوم على: اغتيال، ومفرقعات، وأعمال عنف، تقترف من طرف فاعلين لهم أفعال وأدوات على جسد الجريمة، ويمكن ضبطه ومحاكمته وإدانته عدلاً أو ظلماً “. (17) في حين أنّ الإرهاب اللامرئيّ “هو الوضع الذي يجد فيه الإنسان نفسه منذ ولادته في حال صعب، ونظام تعليمي لم يُستشر فيه وتراتب مهني وجد نفسه فيه، وسياسات اقتصادية هو ضحيتها، ونظام أجور لا يتناسب مع قيمة العمل ونوعه، وأحياء سكنية مُعدمة، ولد فيها وتربى في أزقتها”.(..) هذه كلها أشكال من الإرهاب اللامرئي قد تتراكم في الوعي الفردي والجماعي وتضغط عليه.
إن صعوبة الوضع الاجتماعي والاقتصادي هي الجذر الأول للإرهاب، فالإرهاب بهذا المعنى “نتيجة وليس مقدمة، فرع وليس أصلاً، رد فعل وليس فعلاً، البذور وليس الثمار، الجذوع وليس الأوراق “. (..)
5- الإرهاب الرتيب والإرهاب المفاجئ:
من مظاهر هذه الرؤية المؤدلجة للإرهاب أيضًا، اعتبار العنف اليوميّ والرتيب أمرًا عاديًا، كالإرهاب الذي يحدث يوميًا على أيدي الجيوش النظاميّة، في مقابل الإرهاب المفاجئ والمباغت الذي يُعتبر أمرًا مفزعًا، يجب أن يتداعى له العالم، مثل الذي يحدث على أيدي الجماعات العنفيّة أو أفراد عاديين.
وقد يكون المقتَرَب السايكولوجيّ أدعى لفهم لحالة الفزع من الإرهاب المفاجئ، إذ هو أكثر رهبةَ وإخافةً، لاعتبارين:
1- الإرهاب المفاجئ عشوائيّ، وفوضويّ، وغير مفهوم، وغير قابل للتوقّع، أو التجنّب، فقد يكون بالقُرب مِنّي، أو بعيدًا عنّي، مَن يدري؟ في مول أو مطار أو شارع أو طائرة أو مسجد أو كنسية! وبتعبير – دايفيد باتريك هوتون – “إنّه يُحوِّل الكُرَة الأرضية بأكملها إلى جَمرَة مُشتَعِلَة، الأرض بأكملها مواقع مُستهدَفة في أيّ وقت، وفي كُلِّ وقت “. (18)
2- ترى أستاذة الفلسفة السياسيّة تيريز دلباش في كتابها “التوحش وعودة البربريّة”: “أنّ الوعي الغربيّ ينوء تحت حمل التاريخ الوحشيّ للقرن العشرين”، ومع أنّ دلباش ترى أنّ هذا التفسير ينزع إلى السهولة، لكن لا يمكن تجاهل القلق الراهن، الصادر، على الأرجح، من الإرث الثقيل الذي خلفه القرن الفائت وعن التخوّف من محنٍ جديدة في المستقبل.(19)
تقول دلباش: (لقد توحّدت أوروبا أخيرًا لكنّ هذا لم يوّلد شعورًا بالانتصار. ذلك أنّ وحدة الوعي الأوروبيّ لم تتحقّق بعد، لكأن مسار تطورها أبطأ بكثير من سرعة الأحداث. خاصةً أنّ اللاوعي لا يعرف تأثير الزمن، وأنّ الذكريات الأليمة لا تزال قابعة في داخله) (..)والحاصل أنّ الشعور بالهشاشة، أكثر ما يخيف الوجود الغربيّ اليوم. وبالطبع فإنّ حوادث عنفيّة، مفاجئة، قادرة على وضع الأمن، والحالة السيكولوجيّة الغربيّة، في حالة ذعر؛ ذعرٍ من تغيير ما هم عليه الآن، والارتحال إلى زمنٍ يعجّ بالموتى، والدم المتيبّس على الجماجم!
وكما أسلفنا، فإنّ التفسير السايكولوجيّ معتَدّ به في هذه النزعة، غير أنّ للإعلام وسلطة الصورة، دورًا في مهمًا في خلق المفارقة بين الإرهاب الرتيب والمفاجئ، وذلك عبر التركيز على فكرتين:
الأولى: يُسميها دباشي بـ “أنسنة التأثيرات”(20)، أي تصوير ضحايا الإرهاب المفاجئ في صورة دراميّة، وروائيّة، تستدرّ عطف المشاهد مقابلَ تصوير ضحايا الإرهاب الرتيب في صورة مملّة؛ إذ تكتفي بذكر الضحايا بأرقامٍ عابرة على شريط الأخبار. لقد تَمَّ تشكيلهما من قِبَل وسائل الاتصال التي تنشر من قبل البالغين. وهذه الإشارة أيضًا تواردت بصورةٍ ما عند “ميشيل سير” الذي رأى أنّ الإعلام “دمَّر -وبدقة- قوة الاهتمام لدينا بتقصير مدة عرض الصور إلى ثوانٍ بسيطة، حيث الكلمة الأكثر تكراراً هي كلمة “الموت “والصورة الممثّلة أكثر هي صورة الجثث. ومنذ سنّ الثانية عشرة، يقوم الإعلام بإجبارنا على رؤية أكثر من عشرين ألف جريمة “(21)
أما الفكرة الثانية: فتستند على التحليل الفلسفيّ والنقديّ الذي وجهه مارتن هايدجر للتقنية، حيث رأى أنّ الإعلام يُبنى على ما يُسميه بـ “استراتيجّيات الكشف والخفاء”(22)، فيتمّ التركيز على حدث ما، في اللحظة التي يتم فيها صرف النظر عن حدث آخر ما، يتزامن مع الحدث الأول. وذلك وفق منطقٍ رغبويّ ومتحيز يقوم على خدمة أجندات أو أيديولوجيّات معيّنة.
وختامًا، من الجيد أن نتذكر حكمة القديس أوغسطين التي صدّرنا بها المقالة: “الإمبراطور لصٌّ وإن تَذَرَّع بأسطول ضخم لا سفينةٍ صغيرة كما يفعل القراصنة”.

المصدر: مركز جسور للدراسات

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الإرهاب بوصفه أيديولوجيا

هيومن فويس يروي القدّيس أوغسطين أنّ قرصانًا وقع في أسر الإسكندر الأكبر الذي سأله: كيف تجرؤ على إزعاج البحر؟ كيف تجرؤ على إزعاج العالم بأسره؟ فأجابه "القرصان": لأنني أفعل ذلك بسفينة صغيرة فحسب فأدعى لصًّا، وأنت الذي يفعل ذلك بأسطول ضخم تدعى "إمبراطورًا").(1) في غمرة مؤتمر انعقاد جلسات الاتّحاد البرلمانيّ الدوليّ في روسيا في أواخر عام 2017، خلال مداخلة لم تتجاوز 45 ثانية هاجم رئيس مجلس الأمّة الكويتي "مرزوق الغانم" رئيس وفد إسرائيل إلى المؤتمر، ونَعَتَهُ بـ "مُمَثّل الاحتلال وقتلة الأطفال ومرتكبي جرائم الغصب وإرهاب الدولة" بلهجة غاضبة ساردًا العديد من جرائم الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية؛ ليتابع "الغانم" -مخاطبًا

Send this to a friend