هيومن فويس

عجزت الأطراف المتنازعة في سورية عن تحقيق انتصارات ردعية مُطلقة تُفسح المجال أمام قطب واحد لفرض طموحه على حساب القطب الآخر، الأمر الذي جعل التسوية السياسية التوافقية هي الخيار الأمثل لإنهاء حالة “الاستنزاف” القائمة.
وفيما نجحت محادثات آستانا في تسوية الأزمة السورية، نسبياً، لصالح روسيا والنظام السوري وإيران على حساب طموحات تركيا والمعارضة السورية، والتي كانت قائمة على هدف إسقاط النظام السوري، وصلت الأزمة السورية إلى مرحلة “ضرورة” حسم ملف المعارضة السورية التي زُج بها من كل منطقة سورية معارضة نحو إدلب. وفي ظل السيطرة التركية المباشرة وغير المباشرة على قسم كبير من محافظة إدلب والريف الشمالي من حلب، بات التساؤل المطروح على الطاولة هو: ما هي سيناريوهات مصير الوجود التركي في الشمال السوري؟
تنبع أهمية الورقة المطروحة من تناولها لأبرز السيناريوهات التي قد تحدد مصير الوجود التركي المباشر على وجه الخصوص في سورية، معتمدةً في ذلك على الأسلوب الوصفي المتناول لنوعية العلاقات الرابطة بين تركيا وأهم الدول الفاعلة في الملف السوري، إيران وروسيا والولايات المتحدة، ومن ثم الأسلوب التحليلي المعتمد على مسار هذه العلاقات، لتقدير الموقف التركي من وجوده في الشمال السوري، إدلب ومحيطها، على صعيد استراتيجي.
أولاً: العلاقات بين تركيا والدول الفاعلة
1ـ العلاقات التركية-الروسية
اتسمت العلاقة التركية-الروسية منذ عام 2011، وبالرغم من الخلاف الحاد في الرؤى السياسية، بالتحرك البراغماتي الذي اعتمد على استراتيجية “فصل السياسات”، من خلال السعي لتحييد العلاقات الاقتصادية بعيداً عن مسار التنافس السياسي الميداني. فكلا الطرفين يسعى، منذ مطلع الألفية الثالثة، لاستعادة دوره الدولي أو الإقليمي على الساحة الدولية، وكان مما لا شك فيه أن انعكاس التنافس السياسي على التعاون الاقتصادي القائم بينهما سيضر بالمسعى الذي يرمى الطرفان لإحرازه، وإلى جانب ذلك، كان التعاون الاقتصادي التركي الروسي محكوم بروابط اقتصادية متينة ومتداخلة تفرض على الطرفين تحييد الخلاف السياسي خشية انهيار هذه الروابط، وبالتالي التكبد بخسائر اقتصادية جسيمة.
وقد ظهرت مؤشرات الترابط الاقتصادي بين الطرفين بشكل أساسي عبر استيراد تركيا ما نسبته 58% من حاجتها للغاز الطبيعي من روسيا(1)، ولعل تفعيل خط السيل الأزرق بين الطرفين عام 2003 هو السبب الرئيسي وراء هذا الاعتماد الهائل لتركيا على روسيا في هذا المجال. كما يحتل السياح الروس المرتبة الثانية، من حيث عدد السياح القادمين والمستثمرين في تركيا، بالإضافة إلى موقع تركيا كشريك ثاني بعد ألمانيا لروسيا نظراً لحجم ميزانها التجاري المتبادل مع روسيا، والذي بلغ 19 مليار دولار بحلول عام 2015(2) .
وبمعزلٍ عن الارتباط الاقتصادي الوثيق بين الطرفين، بدا واضحاً من تحركات الطرفين، أنهما يخشيان من الاصطدام المباشر الذي لا يستطيعان تحمل نتائجه الدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية، لذا اتجها “لحرب الوكالة” غير المباشرة عسى أن يتم حسم الأمر عبر الأطراف التي عملا على دعمهما.
إلا أن المعادلة التي سار عليها الطرفان، لم تستطع الإفلات من قدر التدهور بعد إسقاط القوات التركية، في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، إحدى الطائرات الروسية الحربية بذريعة اختراق لأجوائها السيادية، الأمر الذي أدّى لنشوب أزمة استمرت بين الطرفين ما يقارب تسعة شهور، إلا أنها عادت إلى طبيعتها في آب/أغسطس 2016 لعدة عوامل طرأت على الصعيدين التركي والروسي، ربما أهمها:
أ. دوافع الموقف التركي
• تخوف اقتصادي استراتيجي: حيث خشيت تركيا من تمادي روسيا في عقوبتها التي قد تصل إلى قطع الغاز أو تخفيف كميات تصديره، كما لاحظت الخسائر الاقتصادية الهائلة نتيجة غياب السياح الروس، ومقاطعة روسيا للسلع القادمة منها، وتضييقها على إجراءات الاستثمار التركي في روسيا.
• القلق من تحول الأزمة من نطاق “الأزمة الثنائية” إلى نطاق “الأزمة الإقليمية”: إذ تعرضت تركيا لهجوم إعلامي ودبلوماسي من بعض دول وسط أسيا، ككزاخستان وقيرغيزستان، ونشبت اشتباكات بين أذربيجان، الحليف التاريخي لتركيا، والأرمن، الحليف التاريخي لروسيا، وتخوفت تركيا من نقل روسيا نطاق التنافس إلى هناك من خلال دعم الأرمن ضد أذربيجان، كانتقام منها في تقربها العسكري والدبلوماسي إلى أوكرانيا.
• التخوف من التوصل إلى حل في سورية بمعزل عنها: تستطيع الدول تحقيق مصالحها القومية، بشكل جزئي أو مُطلق، من خلال سياسة التعاون والتحالف، أما سياسة التنافس السياسي والعسكري أو سياسة الانعزال المتبادل فتولدا الاحتدام الدائم، إذ يشعر كل طرف أن الطرف الآخر يكيد له ويحيك له المؤامرات، فلا يستفيد أحد من تحقيق مصالحه المطلوبة، وتماماً هذا ما حدث مع تركيا، إذ انقطعت عن التنسيق الاستخباراتي والدبلوماسي مع روسيا، وبالتالي عجزت عن التدخل الدبلوماسي والعسكري الإيجابي في سورية. ومع تواتر الاجتماعات الدولية الخاصة بالأزمة، زاد قلقها من عدم تمكنها من إحراز مبتغاها في مسار الأزمة من ابعاد خطر “داعش” عن حدودها، وكبح جماح التمدد الكردي على حدودها، لا سيما بعد توفير روسيا الدعم له أيضاً، فتولدت لها رغبة بتسريع المصالحة بغية المحافظة على موازين القوى عبر احتواء روسيا من التقارب إلى الأكراد على حساب مصالحها.
• السأم من مماطلة التحالف الدولي و”الناتو” في محاربة “المنظمات الإرهابية” وفقاً للتصنيف التركي: بعد منع روسيا الطائرات الجوية من دخول الأجواء السورية، اتجهت تركيا لتعويض ذلك الخلل عبر توسيع مستوى التعاون مع التحالف الدولي والولايات الأمريكية المتحدة، لتأسيس مخيمات تدريبية عسكرية توفر تدريبا على مستوى عال لبعض قوات فصائل المعارضة المعتدلة، وقدمت تركيا في أيار/مايو 2016، ورقة فتح قاعدة “إنجيرليك” أمام الولايات المتحدة كعنصر جذب للتعاون الأمريكي، شرط عدم تقديم دعم لحزب الاتحاد الديمقراطي (والذي تصنفه تركيا منظمة إرهابية)، إلا أن تحركات الولايات المتحدة لم تخاطب آمال الحكومة التركية. ووفقاً لتصريحات الحكومة التركية، فإنّ الولايات المتحدة استخدمت أنجيرليك لتقديم دعم عسكري ولوجستي للاتحاد الديمقراطي، وهو ما اعتبرته تركيا عدم التزام الطرف الأمريكي بتعهداته، بما يستدعي تبني سياسات جديدة خارج معادلة العلاقة مع الولايات المتحدة.
• المواقف الدولية من محاولة الانقلاب الفاشلة: حيث رأت أنقرة أن موقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كان سلبياً، بمقابل موقف إيجابي من موسكو رغم العلاقات المتوترة آنذاك بين البلدين. الأمر الذي شجّع على فتح صفحة جديدة وبشكل دراماتيكي بين موسكو وأنقرة بعيد المحاولة.
ب. دوافع الموقف الروسي
وبالمقابل، تملك موسكو عدداً من الدوافع التي تجعلها تتجاوز العديد من الخلافات الأساسية مع أنقرة، وتتجه نحو بناء شراكة سياسية مع تركيا في سورية، وشراكة اقتصادية وسياسية على مستوى المنطقة، وأهم هذه الدوافع:
• مشاركة تركيا ذات الشعور فيما يتعلق بالمراوغة الأمريكية والسعي الأمريكي نحو تحقيق نفوذ على حساب مصالح الفاعلين الآخرين، حيث شعرت روسيا بالخطر الاستراتيجي من سيطرة قوات الحماية الكردية على مناطق شمال شرقي سورية، تحت راية أمريكية.
• الرؤية الروسية الرامية للوصول إلى حل سياسي، يعكس تفوقها الميداني من جهة، ويُحيّد واشنطن من جهة أخرى، وهو ما يستدعي الشراكة مع فاعل إقليمي قوي يمكن أن يضمن أو يتفاهم على الأقل مع المعارضة السياسية والمسلحة، ويتقاطع في بعض مصالحه في سورية مع المصالح الروسية.
• الدوافع الاقتصادية: حيث عانت روسيا هي الأخرى من مقاطعة السلع التركية، كما عانت من ارتفاع الأسعار نتيجة انخفاض دخلها المستند بشكل كبير على تصدير الطاقة، والعقوبات المفروضة عليها من قبل الاتحاد الأوروبي. وتمكّن البلدان منذ عام 2015 من الاتفاق على عدد من المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية، والتي يمكن لعوائدها أن تُرمم أي فجوات بين مصالحهما السياسية.
ويمتلك الطرفان التركي والروسي عدداً من المصالح المشتركة في سورية، حيث يرغب الطرفان بتحقيق استقرار دائم في سورية، وإعادة ترتيب نظام سياسي يحتضن جميع أطياف وعروق الشعب السوري، والمحافظة على وحدة الأراضي السورية.
2. العلاقات التركية-الإيرانية
لم تسر العلاقات التركية-الإيرانية على ذات النهج الذي سارت عليه العلاقات التركية-الروسية، رغم المحاولات الحثيثة للطرفين، ولعل السبب في ذلك الاصطدام الحاد في المصالح المنشودة لكليهما في المنطقة، ولعل أبرز نقاط هذا الخلاف:
• الصراع على قيادة المنطقة، والتنافس على زعامة العالم الإسلامي: إذ يملك البلدان مشاريع عابرة لحدودهما، وإن كانت بأشكال وأدوات مختلفة. ويحمل الصراع بين البلدين على قيادة المنطقة جذوراً تاريخية تعود لمئات السنين.
• التنافس الجيواقتصادي: إذ ترغب إيران في تصدير غازها الطبيعي نحو سورية ولبنان ومن ثم أوروبا عبر العراق وشمال سورية، وهو ما يُعرقل أهداف تركيا في التحويل إلى مركز رئيسي لتوزيع الغاز حول العالم، كما يحرمها من رغبتها في احتواء التمدد الإيراني في المنطقة اقتصادياً، عبر إرغام إيران على القبول بخط “تاناب” كخط مناسب لنقل غازها نحو أوروبا.
• تعارض التوجهات السياسية في سورية: حيث تسعى طهران إلى الإبقاء على نظام سياسي وأمني تملك من خلاله سيطرة مباشرة في دمشق، بما يعني عدم إجراء تغييرات حقيقية في بنية النظام القائم حالياً، فيما ترغب تركيا في إعادة هيكلة النظام بما يحقق مصالحها أيضاً.
وظهرت مؤشرات التنافس بين الطرفين من خلال تراجع التعاون الاقتصادي، حيث انخفض حجم الميزان التجاري بين البلدين من (16) مليار في عام 2011، إلى (8) مليار لعام 2017(3) ، كما شهدت السنوات السابقة عدداً من حالات التراشق الإعلامي بين البلدين، كان أبرزها بعد انطلاق عاصفة الحزم في عام 2015.
3ـ العلاقة التركية-الأمريكية
شهدت العلاقات التركية-الأمريكية خلال السنوات السابقة تذبذباً كبيراً، فقد عرفت العلاقة محطات أدّت إلى تحسّن العلاقات بشكل كبير، مقابل انتكاسات وصلت إلى حدّ التهديد بفرض عقوبات على تركيا، كما حصل في نهاية تموز/يوليو 2018(4) .
وشكّلت الأزمة السورية أحد أبرز نقاط الاختلاف بين أنقرة وواشنطن، إذ ترى أنقرة أن واشنطن منعت تنفيذ سياسات حقيقية من شأنها إسقاط نظام الأسد، وأنها نقلت اهتمامها بالكامل بعد عام 2014 إلى محاربة تنظيم داعش على حساب استهداف نظام الأسد، معتمدة في ذلك على من تصنفهم أنقرة بالجماعات الإرهابية. فيما ترى واشنطن أن تركيا لم تتعاون بما يكفي في الحرب على الإرهاب، وأنها تضخّم مسألة التعاون مع الطرف الكردي في سورية على حساب الهدف الرئيسي المتمثّل في هزيمة تنظيم داعش.
وأضيفت الخلافات في الملف السوري إلى خلافات في ملفات أخرى، أهمها العلاقة مع إيران وروسيا، والموقف من الكيان الموازي في تركيا، والموقف من القضية الفلسطينية، والعلاقة مع الإسلام السياسي في المنطقة.
لكن البلدان تمكّنا رغم الخلافات القائمة من التوافق على الكثير من المشاريع والتفاهمات المشتركة، كان أهمها التعاون في غرفة العمليات المشتركة.
دوافع الطرفين للعمل المشترك
الدوافع الأمريكية
• انتقال الأزمة السورية إلى مرحلة التسوية، وحاجة الولايات المتحدة لتركيا كحليف جغرافي يمكن أن يؤدّي إلى توازن المصالح الغربية مع المصالح الروسية والإيرانية.
• تبني الإدارة الأمريكية الحالية لتوجهات براغماتية، وسعيها لتحالفات تكاملية تتقاسم المسؤولية والتكاليف، وهو ما يدفع واشنطن للتنسيق مع أنقرة وموسكو لتحقيق الأهداف الأمريكية في سورية والمنطقة على نحو أقل كلفة وأكثر فاعلية.
الدوافع التركية
• رغم التوجهات التركية نحو الشرق خلال السنوات القليلة الماضية، فإنّ تركيا لا يمكن أن تنفصل عن تحالفها مع المعسكر الغربي، بغض النظر عن سوء أو تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، وهي تدرك أن العلاقة مع موسكو لا يمكن أن تكون بديلاً فعلياً لعلاقتها مع الناتو ومع الولايات المتحدة تحديداً.
• تدرك أنقرة أن واشنطن ما زالت فاعلاً رئيسياً حتى الآن في سورية، إضافة إلى فاعليتها في المنطقة والعالم، وبالتالي فإنّ تحقيق المصالح التركية في سورية لا يأتي عبر البوابة الروسية وحدها، وهو ما يدركه الساسة الأتراك جيداً.
• الانتماء “الناتوي” لأنقرة، والذي يربطها باتفاقيات عسكرية استراتيجية تحد من تحركاتها مع موسكو على صعيد استراتيجي.
• تنويع بيض سلة ميزان القوى؛ فأنقرة قاست كثيراً من مسارها الأحادي في التحالفات الدولية، لذا يبدو أنها تسعى بشكل متزايد نحو تنويع توافقاتها على صعيد السياسة الخارجية، لتطويع نقاط الخلاف بين الدول المتحالفة معها لصالحها.
ثانياً: سيناريوهات التحرك التركي حيال إدلب ومحيطها
أصبح الحديث عن مصير إدلب أكثر إلحاحاً بعد اكتمال سيطرة النظام السوري وحلفائه على معظم المناطق الخارجة عن سيطرته في الجنوب، وتكرار تصريحات قيادة النظام وحلفائه عن المعركة القادمة على إدلب، وآخرها تصريح رأس النظام بشار الأسد في 26/7/2018 بأن إدلب سوف تكون من أولويات المعارك القادمة(5) .
ويرتكز الحديث عن مصير إدلب بشكل كبير على سيناريوهات الموقف التركي من إدلب، والذي يرتبط بدوره بالعلاقات التركية مع الفاعلين الدوليين في الملف السوري.
ويمكن حصر السيناريوهات الممكنة فيما يلي:
1. سيناريو “الأيلولة” القبرصية
يُقتبس مفهوم “لأيلولة القبرصية” من مسار السياسة التركية تجاه جزيرة قبرص التي تحتضن في كنفها مواطنين يونان وأتراك. وكانت نقطة بداية مسار السياسة التركية حيال قبرص من خلال اتفاقية لندن عام 1959، والتي منحتها مع بريطانيا واليونان، حق الضمانة العسكرية للسلام في الجزيرة، وأسست لنظام حكم تشاركي بين القبارصة الأتراك واليونان.
وبالركون إلى هذه الاتفاقية، حُددت مناطق سيطرة الدول الضامنة عُرفاً، بحيث تكون مناطق تواجد المواطنين الأتراك تحت الضمانة التركية، والمواطنين اليونان تحت الضمانة اليونانية، أما بريطانيا فتأتي كقوة محايدة على الخط الأخضر الفاصل بين منطقتي سيطرة الطرفين.
بعد توقيع الاتفاقية، لم تُقم اليونان وتركيا قواعد عسكرية تابعة لها في قبرص، لكن الطرفان كانا يلوحان بالاتفاقية كمستند قانوني لإجراء التحركات الدبلوماسية، والعمليات العسكرية عند الحاجة. وهذا ما ارتكزت عليه تركيا بعد عدة سنوات. ففي عام 1961، بدأت القومية اليونانية التي كان لها سيطرة سياسية وأمنية أوسع على الجزيرة، والتي كانت تنشط في أركان الدولة بشكلٍ أكبر مقارنة بالمواطنين الأتراك، وكانت مدعومة من عصابات عسكرية يونانية، بمهاجمة المواطنين الأتراك.
وحيال هذه الهجمات، واصلت تركيا استنكارها لها حتى عام 1974، حيث أجرت عملية عسكرية تحت مسمى “عملية السلام”، وفقاً لاتفاقية الضمانة العسكرية المذكورة أعلاه. ومنذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا، لا زالت تركيا تسيطر على المناطق ذات التواجد التركي، والتي تُشكل ما نسبته 36.5% من المساحة الكلية للجزيرة.
لقد تعرضت تركيا جراء هذه العملية لعقوبات وتكاليف باهظة الثمن، كان أبرزها تعرضها لحصار عسكري واقتصادي غربيٍ قاسٍ من عام 1975 وحتى عام 1980. ولكنها رفعت لواء التحدي ضد جميع هذه التحديات، وعكست إصرارها على حقها في التحرك العسكري تجاه الجزيرة، وحماية المواطنين الاتراك، من خلال إعلان قبرص الشمالية التركية دولة مستقلة عام 1983. وعلى الرغم من عدم اعتراف أي دولة باستقلال قبرص الشمالية التركية، ومواصلة اعتراف العالم بجزيرة قبرص كدولة واحدة، إلا أن تركيا لا زالت تحتفظ بسيطرتها “الفعلية” “دي فاكتو”، ولا زالت تُقدم لها جميع الخدمات والموارد التي تحتاجها. وعلى الرغم من السيطرة التركية العسكرية على القسم التركي من الجزيرة، إلا أن المواطنين القبارصة اليونان والأتراك يتحركون بين شطري الجزيرة بدون عوائق تُذكر.
وبالتمعن في صيرورة سيناريو الأيلولة القبرصية، يُلاحظ أنها تعني أن يكون هناك تقسيماً جغرافياً عسكرياً للمنطقة الواحدة، حيث يخضع هذا التقسيم لسيطرة الدول الفاعلة، لكن تبقى هذه المنطقة على صعيد السياسة الدولية معترفا بها كوحدة واحدة، ويبقى مواطنوها يملكون حق التنقل بين أطرافها.
وبإسقاط هذا المسار على الوضعية التي وصلت لها أنقرة في المسألة السورية، يمكن توقُع الأيلولة القبرصية كسيناريو يمكن أن يظهر للسطح “أيلولة إدلبية” تُرسيها تركيا بالاستناد إلى حقها الذي حصلت عليه على هامش “محادثات الآستانة”، كدولة ضامنة لمسار التسوية السورية، حيث يُمكن أن تطبق سيناريو الأيلولة القبرصية من خلال تعويم الفصائل المُسلحة وتحويلها لقوات شرعية تحمي مناطق تواجدها على نحوٍ موالٍ لتركيا، وتحويل مناطق سيطرة المعارضة لمجالس إدارية محلية تجتمع مع حكومة دمشق وتشاركها السلطة تحت قبة “مجلس المناطق” الذي يدور الحديث عن احتمال إشماله بالدستور الجديد.
كما يُمكن أن تطور تركيا وتُبقي، في إطار هذا السيناريو، على بعض قواعدها العسكرية في مناطق انتشارها في إدلب على النحو الموجود، أو من خلال الانتشار الجزئي المتشارك مع القوات الروسية أو حتى قوات النظام على طول الطريق الدولي، لكي تتجنب سيناريو “انقضاض” الطرف الآخر على الموالين لها، كما حدث في قبرص بعد اتفاقية 1959 بفترةٍ قصيرة.
ووفقاً لما كشفت عنه صحيفة “يني شفق”، سابقاً، من توصل محادثات آستانة 6، والتي قسمت إدلب ومحيطها إلى ثلاث مناطق سيطرة روسية إيرانية تركية، يُصبح الحق التركي في الضمانة السياسية والعسكرية لمنطقة إدلب، الأكثر رسوخاً مقارنة بالمناطق الأخرى. وهذا ما يمنحها، الحق في تحريك الفصائل المُسلحة ضد أي تحرك من الأطراف المضادة على هذه المساحة.
لقد ظهر توزيع المناطق، وفقاً لخبر صحيفة “يني شفق”، على النحو التالي:(6
• شرق سكة حلب: تمتد هذه المنطقة من جنوب حلب حتى شمال حماه. تؤول سيطرتها إلى إدارة النظام والقوات الإيرانية.
• ما بين سكة حلب والطريق الدولي حلب ـ حمص: في البداية، يتم تخليص بعض مناطقها من سيطرة “هيئة تحرير الشام” بالكامل، عبر القتال أو التعويم. وتخضع في نهاية المطاف للسيطرة الروسية. وتُظهر هذه النقطة روسيا كقوة موازنة في سوريا، مما يرجح سيناريو خضوع المناطق الواقعة بين اللاذقية، جبل التركمان وغيره، وإدلب لسيطرة روسية.
• شمال وغرب الطريق الدولي: يخضع للنفوذ التركي.
وفي ضوء ذلك، قد تصر تركيا على موقفها من الإبقاء على السيطرة المباشرة، وتأهيل فصائل المعارضة لتأسيس مجالس إدارية. وفي هذا السيناريو تتركّز السيطرة التركية في محيط الطريق الدولي “أم 5” حلب ـ حماة ـ حمص الدولي الذي يصل بين تركيا والأردن، فالخليج. وتتشارك مع روسيا في حماية هذا الطريق الذي ترمي روسيا من خلاله إعادة تعويم النظام اقتصادياً، ومنها سياسياً.
ومن ناحية قانونية دولية، قد تلوّح تركيا، إلى جانب وضعها كدولة ضامنة بناءً على تحرك دولي مشترك نبع من أساس المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، قد تعتمد على ذات المادة، والتي ينص أحد أجزائها على “عدم انتقاص الميثاق حق أي دولة باتخاذ تدابير الدفاع عن النفس التي تبلغ مجلس الأمن”. فقد تتذرع تركيا بوجود فراغ سلطة في المنطقة، وحمل الميليشيات الشيعية خطراً على أمنها القومي، وحتى وجود خطر تشكل منظمات إرهابية ضد أمنها القومي، ثم البقاء هناك، ودعم بناءً على هذه الأرضية. وقد لا تتردد تركيا في الحرص على كسب أكبر قدر ممكن من الشرعية، من خلال إبلاغ النظام السوري الذي لا زال يتمتع بشرعية دولية عن مساق انتشارها ووجودها في إدلب بورقة نصية، كما حصل في عملية “غصن الزيتون”. وبذلك قد تُكسب وجودها المباشر أو غير المباشر “القريب من الحدود” حقاً شرعياً قانونياً ينبثق عن المادة (51) التي تكفل حق التحرك بشراكة أو تنسيق، وإن كان شكلياً، مع الدولة التي تملك حق السيادة.
أيضاً، قد تركن إلى مبدأ “المسؤولية عن الحماية” الذي يتضمن “مسؤولية كل دولة عن حماية سكانها” و”مسؤولية المجتمع الدولي، بأركانه الأساسية وهي الدول، عندما تفشل الدولة في حماية سكانها”، كما يشمل هدف منح الحق للدول في إجراء تدخل عسكري بهدف إنساني من أجل حماية حقوق الشعوب المُتعرضة لتجاوزات من قبل دولة او جماعة ما.
 وفي أسوء الظروف، وفي حال اعترض النظام السوري، مدعوماً روسياً، على الوجود التركي الكلي أو الجزئي، قد تتبع تركيا سيناريو الشوكات الوظيفية.
2. سيناريو الوكلاء الداخليين والشوكات الوظيفية
لا يختلف سيناريو الشوكات الوظيفية عن سيناريو الأيلولة القبرصية إلا فيما يتعلق بنقطة التواجد التركي المباشر في العمق السوري. إذ يعني أن تُحوّل تركيا تواجدها المباشر إلى المناطق الحدودية، مع ترك وكلاء داخليين اقتصاديين ومجتمعيين يؤسسون مجالس إدارية تحظى “باعتراف وضمانة” روسية، ويشاركون في السلطة عبر “جمعية المناطق” التي تقرها مسودة الدستور الروسي المُقترحة لتركيا، ويمسكون بزمام الدورة الاقتصادية، ويتم تعويم فصائل المعارضة ضمن جهاز شرطة أو جيش موالٍ في مناطق “حديقتها الخلفية”. وقد يتم الاعتماد بشكلٍ كبير على إنجاز هذا السيناريو على الائتلاف الوطني، والمُجنسين حديثاً.
 يحاكي هذا الجزء من السيناريو المذكور، إلى حدٍ كبير، ما تم بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، حيث تم “استوكال” حزب الله الذي بات صاحب الكعب السياسي الأعلى، في استكمال الهيمنة السياسية والأمنية غير المباشرة. ولكن الفرق بين “استوكال” حزب الله، و”استوكال” تركيا لجهات سورية، هو محدودية المناطق الجغرافية والهدف.
ولتأمين الهدف على نحوٍ يضمن لها مواجهة أي تحرك لميليشيات إيرانية أو تحركات لقوات النظام، في حال تعارضت التوافقات على صعيد استراتيجي، قد تُبقي على عدد من قواعدها العسكرية في المناطق الحدودية، لتصبح كجيوب أنفية تعزز من قدرات الوكلاء الداخليين، بالإضافة إلى الشوكات الوظيفية التي تعني “جماعات جهادية”، كهيئة تحرير الشام والحزب الإسلامي التركستاني المرتبط بها عضوياً وعسكرياً، تستوعبها الاستخبارات التركية من أجل استغلالها كأداة ضد المنافسين. تلك الشوكات التي قد تتواجد في الجبال والمغارات والصحراء ومناطق التماس. ويسهل استيعاب هذه الجماعات من خلال منحها في المجالس الإدارية التي تصنفها، أي الجماعات، على أنها مراكز للانطلاق نحو الجهاد سواء في سورية أو أي منطقة توتر أخرى في حال تغيرات إقليمية. كما أن هذه الجماعات تنظر إلى تركيا على أنها “مرجع سني” “مُشترَك الهوية” يُقبل به “كظهير”.
3. سيناريو الانسحاب الكامل
يُشير هذا السيناريو إلى تعرض إدلب لهجمات روسية، تضغط على تركيا لتسليم الملف، أو من خلال التفاوض التركي-الروسي الذي يمكن أن يتم بناءً على رغبة تركيا في رفع يدها عن الملف السوري بالكامل، بعد تعرضها لضغوط دولية ووضع بعين الاعتبار عدم وجود استراتيجية في منطقة إدلب، مقابل وجود مكاسب في نقاط أو مجالات أخرى، والاتفاق مع روسيا على أن تكون ضامنة لعملية التسوية في إدلب، على أن يتم تأسيس مجالس محلية تشمل المعارضة، وتُمنع الميليشيات الشيعية الموالية لإيران من الاقتراب لحدودها؛ أي أن يتم استنساخ سيناريو درعا والقنيطرة الذي تم مع الأردن و”إسرائيل”، مع تركيا.
لكن، يبدو أن هذا السيناريو صعب التحقق لعدة عوامل:
1. التخوف التركي من تغيّر أولويات موسكو على صعيد استراتيجي: فتركيا تُدرك على الأرجح أن تحالفها مع روسيا تقني جغرافي محدود، جاء نتيجة لضرورة إيجاد “حل توافقي” بعد فشل التوصل إلى “الحل الصفري”.
2. انعدام الرغبة التركية بفقدان ورقة ضغط هامة ضد روسيا قبل ضمان مصالحها القومية القائمة على إنهاء الطموحات الكردية السورية بالاستقلال، والمتعلقة بضرورة تسوية الأزمة بما يشمل إعادة اللاجئين، وبدء عملية إعادة الإعمار التي تنتظر حصة جيدة منها.
3. الإرادة السياسة التركية الأكثر ثقةً بالنفس والمالكة “للعون الذاتي” النسبي الذي يجعلها أكثر قدرة على المناورة.
4. قدرة تركيا على التأثير النسبي بعدد من الشوكات الوظيفية، وخاصة هيئة تحرير الشام والحزب الإسلامي التركستاني.
5. إمكانية الضغط على إيران الند الإقليمي الأكبر لتركيا في الملف السوري، بالتلويح بتطبيق بعض العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من قبل الولايات المتحدة، لا سيما في ظل رغبتها الفعلية في تحجيم النفوذ الإيراني في سورية.
6. الحاجة الروسية الحالية لتركيا في عملية إعادة هيكلة قواعد الحوكمة السورية على صعيد دستوري استراتيجي، يكفل لها إتمام الأزمة على نحوٍ يُطفئ لهيبها لمدى طويل، فالمعارضة السورية قد تم ترويضها بشكل كبير، لكن ليس بشكل كاملٍ أو استراتيجي، يكفل لروسيا عدم تحوّلها “لخلايا نائمة” في مناطق سيطرتها، لذا لا زالت بحاجة لتركيا لإتمام عملية الترويض. أيضاً، الحاجة الروسية لتركيا في إتمام عملية تعويم النظام اقتصادياً؛ عبر فتح خط حلب-حماة-حمص، وحاجته لها كموقع جيواستراتيجي يُستخدم كمحطة لوجستية لإعادة اللاجئين وتوطينهم، وتوريد مواد إعادة الإعمار، بالإضافة إلى رغبة روسيا في إتمام صفقة أس 400، واتفاقيتي بناء المفاعل النووي ومد خط “السيل التركي” مع تركيا دون تأخير أو عراقيل. وفي إطار ذلك، قد تضطر روسيا لابتعاد عن هذا السيناريو، وإرضاء تركيا في إطار صفقة “رابح-رابح”، من أجل إتمام ما تصبو إليه.
4. سيناريو تبادل الأراضي 
يقوم هذا السيناريو على تنازل تركيا عن بعض المناطق في إدلب، مقابل مناطق حدودية تقع شرق الفرات، كالرقة والحسكة، وغيرهما، انطلاقاً من كون الخطر الحقيقي للأمن القومي التركي يكمن في نقاط التقاء الجماعات الكردية السورية مع نظيرتها الكردية التركية، والتقاء المناطق ذات الكثافة الكردية السورية التي قد تحظى باستقلال ذاتي ثقافي أو اقتصادي إداري، مع المناطق ذات الكثافة الكردية التركية.
ويُساق حول هذا السيناريو عدة مؤشرات ميدانية سياسية، أهمها:
• إلغاء الولايات المتحدة فكرة تأسيس جيش الحدود الذي كان من المُتوقع أن تؤسسه قوات سورية الديمقراطية، بقوام 30 ألف جندي ينتشرون على طول الحدود التركية-السورية.
• التوافق التركي-الأمريكي القائم في منبج ومحيطها، والذي يفتح الباب أمام تركيا للمناورة من خلاله، لإرجاح كفة ميزان علاقاتها مع روسيا من جهة، ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى، في خدمة مصالحها. وبوضع التوافق الروسي ـ الأمريكي بعين الاعتبار، وحاجة الطرفين لتركيا فيما يتعلق بتنسيق عملية إعادة اللاجئين، وإعادة الإعمار، وإكمال عملية التسوية على نحوٍ يخدم مصالح كل منهما، تُصبح فرصة تركيا في تحقيق السيناريو المذكور.
ربما يكون السيناريو المذكور واقعياً، ويمكن تحقيقه بشكلٍ جزئيٍ، لكن يبدو أن العوامل أدناه قد تُعيق تنفيذه على نحو تنازل تركيا عن جزء ملموس من سيطرتها، سواء المباشرة وغير المباشرة، على إدلب:
• التخوف من إحداث هذا السيناريو أزمة لاجئين هي والاتحاد الأوروبي بغنى عنها.
• التساؤل المطروح حول الأسباب التي قد تدفع تركيا للتخلي عن ورقة جغرافية أمنية قريبة من قلب النظام “اللاذقية”، وقواعد روسيا الحيوية على الساحل، يمكن لها من خلالها أن تضغط على روسيا في عملية التسوية على صعيد استراتيجي.
• الحديث عن تفاهمات بين روسيا و”الإدارة الذاتية” التي تسيطر على المناطق ذات الكثافة الكردية في شمال شرقي سورية، شملت إزالة صور عبد الله أوجلان من المؤسسات العامة، إضافة إلى بقاء أو إعادة الموظفين في المؤسسات العامة ضمن التبعية الإدارية لدمشق، بالإضافة إلى فتح مجلس سورية الديمقراطية ـ الجناح السياسي لقوات سورية الديمقراطية ـ في دمشق وبعض المدن السياسية، في إشارة لانعكاس التوافق الأمريكي ـ الروسي على بدء تأهيل تلك المناطق وفقاً لتصورات سياسية بعيداً عن التعقيدات الأمنية والعسكرية التي قد يُضيفها أي تحرك تركي.
ثالثاً: تحليل السيناريوهات
في ختام الحديث عن السيناريوهات، يبدو أن “الأيلولة القبرصية” و”الشوكات الوظيفية” هما السيناريوهان الأكثر رجوحاً على نحو نسبي. بمعنى يُرشح أن تُبقي تركيا على سيطرة عسكرية مباشرة سواء في عمق إدلب أو بشكل جزئي يشمل المناطق الحدودية مع الطريق الدولي، وسط التمسك بورقة سيطرة المعارضة على المجالس الإدارية. ولعل أهم مؤشرات واقعية هذين السيناريوهين:
1. استمرار الدول الضامنة لمسار الأستانة في محادثاتها السياسية، والتي وصلت إلى مرحلة تشكيل لجنة صياغة الدستور.
2. تنسيق روسيا عملية “غصن الزيتون” التي تقع جغرافيتها ضمن غطائها الجوي، مع تركيا، والضغط على النظام والقوات المحالفة لعدم تحقيق تقدم استباقي نحو عفرين.
3. انتشار القواعد العسكرية التركية داخل إدلب، واتجاه تركيا نحو تحصينها.
4. الإبقاء على رئيس الأركان السابق، خلوصي أكار، كوزير للدفاع، ومولود تشاووش أوغلو، كوزير للخارجية في الحكومة التركية الجديدة، بالإضافة على إبقاء هكان فيدان، رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية، في منصبه. وهي شخصيات كان لها دور كبير في صياغة المعادلة السياسية والأمنية التركية في سورية، بما يعكس توجهاً تركياً نحو مواصلة ذات النهج السابق.
5. التلويح بإنهاء جوهر محادثات آستانة في حال أقدم النظام على مهاجمة إدلب، وعدم السماح لقوات النظام بالتوجه نحو إدلب، وقد استخدمت تركيا القوة فعلياً ضد النظام السوري والميليشيات الإيرانية على هامش عمليته في عفرين. ولذلك وقع كبير على الحسابات الروسية التي لا زالت بحاجة لتركيا من أجل إتمام عملية التسوية على النحو الذي يكفل تجميد أي تهديد كبير أو صغير قد تشكله المعارضة في المستقبل.
6. بلورة مجالس إدارات محلية في مناطق سيطرتها، ودفع الحكومة السورية المؤقتة نحو الداخل السوري.
7. إنهاء ملف كفريا والفوعا على نحوٍ يُنهي حالة التوتر في المدينة.
وعلى صعيد تحليلي، ربما يمكن توقع احتمال تحوّل السيناريوهان المذكوران إلى واقع من خلال العوامل التالية:
• إمساك تركيا بزمام المجموعات الوظيفية، كهيئة تحرير الشام والحزب الإسلامي التركستاني وغيرهم، والتي تتفوق عسكرياً على فصائل قد تميل يوماً إلى المصالحة مع النظام السوري أو روسيا.
• توافقه مع الرؤية الأمريكية للحل، والتي تم توضيحها أعلاه، والتي تستند، بالأساس، على تأسيس مجالس محلية إدارية مُنتخبة تحظى “باستقلال إداري ديمقراطي” عن مناطق سيطرة النظام، بحسب مؤسسة راند، وقد ظهر تطبيق الولايات المتحدة لهذه الرؤية من خلال تأسيسها عدة مجالس إدارية في مدينة الرقة، والأجزاء التي سيطرت عليها في محيط مدينة دير الزور. وفي إطار هذه الرؤية، تحتاج الولايات المتحدة إلى مناطق قريبة منها في تركيا والعراق، لكي تتجنب الضغوط الحقوقية حول شرعية وجودها في سورية. فتركيا تُمثل لها موقعا جغرافيا استراتيجيا يمكّنها من متابعة مسار عملية التسوية في سورية على الشكل الذي تطمح إليه. وبين حاجة الولايات المتحدة لتركيا كموقع جغرافي استراتيجي، وحاجة تركيا للولايات المتحدة كداعم لتحركاتها في سورية، يظهر اعتماد بيني متبادل.
• التوافق المُطلق الذي يجمع بينها والدول الضامنة الأخرى “روسيا وإيران”، والذي يرتكز إلى ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية. وتلعب تركيا دوراً ملموساً في تطبيق هذا السيناريو بضغطها على الجانب الأمريكي والأوروبي ضد الحركات الكردية التي ترنو للانفصال. وهذا ما قد يشكل جزءاً من العوامل التي تقوي يدها في تطبيق أحد السيناريوهين المذكورين أو كليهما.
• إمكانية تحريك تركيا فصائل المعارضة “الشوكات الوظيفية” ضد القوات المهاجمة لها، وتعزيز قوتها بأسلحة قوية.
• حيوية السيناريوهين الكبيرة بالنسبة لتركيا، تخوفاً من حدوث أزمة لاجئين عارمة.
• الحرص التركي على تطبيقهما، مخافة استمرار نزيف خسائر مصالحها القومية مقارنة بروسيا وإيران اللتين تبقيان دولتان منافستان جيوسياسياً واقتصادياً ومحورياً لها على الصعيدين الإقليمي والدولي، على الرغم من التوافق النسبي التكتيكي الواقع بينهم اليوم، لا سيما في ظل التخوف التركي من احتمال توفير روسيا لكردستان العراق ممراً نحو المتوسط، يُصدر من خلاله نفطه نحو الخارج، بعد وقوع الإقليم في حصار تركي ـ إيراني، دفعه نحو البحث عن البديل. فقد وقعت “روسنفت في شباط/فبراير، ثم في حزيران/يونيو 2017، اتفاقية لتقاسم إنتاج 5 مناطق نفطية في الإقليم، باستثمارات بلغت 400 مليون دولار، وأعلنت بدء التفاوض مع حكومة الإقليم لتمويل مشروع خط أنابيب غاز. وبوضع السيطرة السياسية الروسية الكبيرة على سورية، يُلاحظ أنه بلا أدنى شك، أثارت هذه التطورات تخوف أنقرة من استحواذ روسيا على ورقة صادرات نفط الإقليم، وبالتالي ورقة استقلاله. فضلاً عن تخوفها من خسائر أخرى قد تتم عبر تحكم روسيا مع إيران بخطوط التجارة الدولية، وبكسبها ورقة إعادة الإعمار بمعزلٍ عنها.
ويتوافق هذا السيناريوهان مع الرؤية الروسية للحل، والتي تقوم على “استوكال” طرف فاعل في حوكمة أطراف أخرى على نحو مؤثر، يكفل لها أعلى نفوذ سياسي على منطقة واحدة، قد تؤول إلى حكم لامركزي، لكن تبقى كلمتها فيها هي الأعلى. وقد بات يُطلق اصطلاحاً على هذه الاستراتيجية الروسية اسم “الشيشنة”.
بإيجاز تُشير “الشيشنة” لتقليد الحل الذي انتهت به الأزمة الشيشانية. فبالتزامن مع اعتلائه سدة الحكم في روسيا الاتحادية نهاية عام 1999، عمد الرئيس فلاديمير بوتين، إلى تحويل الصراع من روسي-شيشاني إلى صراع شيشاني داخلي، يُحرز تشرذماً داخل الفصائل الشيشانية لصالح روسيا، وينتهي بسيطرتها على زمام الأمور.
وكانت كلمة السر أو مفتاح هذا السيناريو هو عقد اتفاقات مع بعض أمراء الحرب ذوي النفوذ الفاعل، ومنحهم مناصب سياسية واجتماعية مرموقة شرط قبولهم بالنفوذ الروسي على منطقة الشيشان التي آلت إلى أن تكون إحدى ولايات الفيدرالية الروسية الاتحادية. وقد اخترقت روسيا صفوف الفصائل الشيشانية المتمردة عبر مفتي “المتمردين الشيشانيين” أحمد حجي قديروف، الذي أحدث انقساماً داخلياً كبيراً، اتضح من خلال ظهور “المتمرد الموالي” الذي دعمته روسيا، والمتمرد غير الموالي” الذي حاربته روسيا، للسطح.
ولعل القبول الشعبي الكبير الذي تتمتع به تركيا وسط الفصائل السورية مقارنة بالدول الداعمة الأخرى، بالإضافة إلى قربها الجغرافي من مناطق سيطرة المعارضة، مع وضعها الدولي كمركز في المنطقة، تستند إليه الدول الغربية، وتحاول روسيا جذبه، وغيرها، هي العوامل التي كان لها دوراً أساسياً في وقوع الاختيار الروسي على تركيا، لتكون هي الوكيل.
لقد تحوّلت روسيا عبر هذه المعادلة إلى “قوة موازنة” بين تركيا مع المعارضة وإيران والنظام والميليشيات المحالفة لها من جهة أخرى، وأكسبها قدرة على التحكم بميزان القوى في سورية. ذلك الميزان الذي باتت تؤرجحه بين إيران وتركيا على النحو الذي يحقق لها ما تريده. وفي ضوء ذلك، يُصبح احتمال تطبيق سيناريو “الأيلولة القبرصية” الذي يقوم على انتشار تركي يفصل بينه وبين النظام وجود روسي أمراً ممكناً.
وبالتمعن في فحوى الرؤية الروسية للحل، يتضح أن المرحلة الأولى منها، والتي تقوم على شق صف المعارضة، قد تحققت، ودخل مرحلة البحث عن وكيل يُبقي على عملية الحل على صعيد استراتيجي. ويبدو أن لتركيا اليوم بتواجدها في إدلب سواء على النحو المباشر أو غير المباشر، دوراً حيوياً في تكلل رؤية روسيا بالحل.
وفي حين رشحنا تطبيق السيناريوهين على المدى القصير والمتوسط، يُصبح سيناريو “الشوكات الوظيفية” الأفضل للترشيح على صعيد استراتيجي. فالمعادلات الدولية قد تتغير، والدولة السورية، سواء بشكل نظامها الحالي أو بشكل مغاير، قد تكون أكثر قوةً للضغط على تركيا في سبيل استرجاع جميع الأراضي السورية تحت سلطة سورية بمعزلٍ عن وجود” مناطق عابرة للحدود” تتقاسم إدارتها أو سيادتها أكثر من سلطة. وبذلك قد تركن تركيا للإصرار على تطبيق هذا السيناريو الذي يحمل نوعاً جديداً من أشكال الحوكمة في سبيل ضمان مصالحها في الشمال السوري ككل.
رابعاً: تحديات تطبيق السيناريوهات 
قد يحظى السيناريوهان المذكوران بواقعية تجعلهُما الأقرب للحدوث، لكن تبقى هناك بعض التحديات التي قد تواجه تركيا أثناء سعيها لتطبيق أحدهما:
1. التحديات الإقليمية
• الاستدارة الروسية: تشيع مقولة في العلاقات الدولية، صنعها الإعلام الغربي، مفادها “من يتحالف مع روسيا فهو خاسر”. فقد تُطبق روسيا فعلاً هذه المقولة مع تركيا، باستدارتها عن الاتفاقيات التي تم صياغتها مسبقاً، للضغط على تركيا بالقدر الذي يعود عليها بالمساحة الجغرافية ـ المفيدة زراعياً ـ الأكبر. وقد تُلامس الاستدارة الروسية، في حال حدوثها، من خلال دعم تحركات النظام أو من خلال فتح المجال أمام خلايا تنظيم “داعش”؛ كما تم سابقاً عبر فتح المجال أمام عناصر التنظيم للتحرك تجاه إدلب انطلاقاً من جبال بلدة عقيربات في الريف الشرقي لحماة في تشرين الأول/أكتوبر 2017(7) .
• تحدي إيران للطموح التركية ولورقة الاقتصاد التي تمسكها بتركيا كأداة ضغط ضدها، ومواكبة تحرك النظام عبر الميليشيات التابعة لها.
• توافق روسي-أمريكي يتجاهل المصلحة التركية في سبيل صياغة معادلة تكفل للولايات المتحدة الإبقاء على نفوذها غير المباشر عبر المجالس الإدارية في شمال شرقي سورية، ويضمن لها تحجيم النفوذ الإيراني، بهدف تجنب التكاليف الباهظة، ونقماً على تركيا التي ترفض الاستجابة للعقوبات الاقتصادية ضد إيران. ويعتمد هذا التحدي على مدى قدرة ترامب على تحقيق تغلب على المؤسسات الأمريكية التي لا تنظر للتعاون الروسي الأمريكي بقبول.
2. التعامل مع هيئة تحرير الشام
يظهر أن التحدي الأكبر أمام تركيا في إدلب هو وجود هيئة تحرير الشام. وفي ضوء ذلك، يمكن رصد السيناريوهات التي يمكن أن تتبعها تركيا لتجنب معضلة جبهة النصرة على النحو التالي:
أ. سيناريو الصومال
يتمحور سيناريو الصومال حول حكم المحاكم الإسلامية الذي بدأ في الصومال عام 1991. بدأ حكم المحاكم بكيانين؛ الأول يجمع الصوفية وتنظيم أهل السنة والجماعة والإخوان، وغيرها من التيارات “المعتدلة” “الوسطية”، التي تميل، عادةً، إلى عمليات التسوية السلمية، والثاني يقوم على تيار “السلفية الجهادية” الذي يميل إلى خيار “التغلب” أو “الحسم العسكري الصفري”.
ساهمت المحاكم الإسلامية في استتباب الأمن في أكثر من نقطة في الصومال، فلاقت دعماً من العلماء وزعماء العشائر ورجال الأعمال الصوماليين، لا سيما في ظل عدم إبداء عناصرها التعصب في توجهاتهم على الصعيدين الداخلي والدولي. واستمر الأمر على ذلك، حتى آذار/مارس 2004، حيث برز تنظيم “حركة المجاهدين الشباب” ذو الخلفية السلفية، والذي انفصل عن “المحاكم الإسلامية”، متهماً إياها “بمهادنة الأعداء”.
وعلى الرغم من استدعاء المحكمة الانتقالية العليا للقوات الإثيوبية ضدها في كانون الأول/ديسمبر 2006، إلا أن “المحاكم الإسلامية” أبقت على اعتدالها، حتى قام البرلمان الصومالي، بدعمٍ إقليمي ودولي، بانتخاب زعيمها الشيخ شريف شيخ أحمد رئيساً للصومال. بعد توليه لذلك المنصب، حل شيخ أحمد “المحاكم الإسلامية”. وقد أحدثت هذه الخطوة شرخاً كبيراً في الصومال، أفضى إلى ظفر التيار المعتدل بفرصة المشاركة السياسية، على حساب إقصاء التيار السلفي المتطرف الذي بات محارباً على الصعيدين الداخلي والخارجي(8) .
وبإسقاط هذا السيناريو على جبهة تحرير الشام، بما يتضمن إقدام تركيا على تعويمها على نحوٍ، يدفع قسما كبيرا من أجنحتها القيادية للمشاركة في السلطة الإدارية بشكلٍ معتدل، وإقصاء المتطرفين وحصر نشاطهم. ويمكن لتركيا تحقيق ذلك عبر تحقيق سيرورة “التحلل الناعم”، بحيث يتم التواصل مع فصائلها “غير القاعدية” و”شرعييها” الأقرب للتيار الواقعي، أصحاب المسوغ الديني الذي قد يدعم الرؤية التركية، والعمل على استقطاب قيادات الشبكات الاقتصادية والاجتماعية المؤثرة داخل الهيئة، والذين قد يقبل بعضهم بذلك مقابل الحفاظ على موقعها والحماية من قبل تركيا.
لكن العقبة الرئيسية أمام هذا السيناريو ستكون في الجناح المتشدد الرافض للحل السياسي. وإذا ما فشلت جهود تطويع هذا الجناح، فإن “سيناريو أفغانستان” سيكون الخيار الوحيد أمامه، أي أنه سيسلك طريق تنظيم القاعدة في أفغانستان إلى الجبال. وسيعمل هذا الجناح على استخدام أسلوب الكر والفر من مخابئه في البادية أو المناطق الجبلية.
ب. سيناريو غزة
يقوم هذا السيناريو على نظرية أن تقوم الهيئة باستنساخ سيناريو سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007، من خلال الاستمرار في اكتساب الشرعية الشعبية بفعل استهدافها لقوات النظام، السيطرة على المعابر الحدودية. لكن يبدو أن هذا السيناريو غير واقعي لعدة أسباب:
• حماس ليست هيئة تحرير الشام: فعندما سيطرت حماس على قطاع غزة عام 2007، كانت عبارة عن حزب سياسي حائز على نسبة ما يناهز 70% من الأصوات في الانتخابات التشريعية، وبذلك استندت حماس إلى حقها الشرعي في مقاومة العناصر التي تحاول نزعها الشرعية. ذلك العنصر الذي تفتقده الهيئة بالمطلق على الصعيدين المحلي والدولي. أيضاً، لم تشكل سيطرة حماس خطراً استراتيجياً على الأمن القومي الاستراتيجي لمصر التي رأت أن سيطرة حماس فعلية بقبول ٍشعبيٍ انتخابي ملموس، فمالت لفتح معبر رفح، معتبرةً تلك الخطوة مهمة لتجنب ارتدادات حالة التردي في القطاع، كونها، أي مصر، ليس طرفاً مباشراً في الأزمة الفلسطينية الداخلية. كما أن حماس حركة تحرر وطني تلقى قبولاً نسبياً بالنسبة لدول المنطقة، على العكس من الهيئة التي تمثل الفكر الجهادي الذي يدفع تركيا لرفض ذلك السيناريو الذي قد يُلقي بإدلب في ويلات الهجوم الروسي والإيراني الداعم لتحرك النظام.
• صعوبة تحقيق استقلالية اقتصادية: في حال افترضنا جدلاً أن الجناح السلفي “المتطرف” في الهيئة سيطر على زمام الأمور وأزاح التيار المعتدل، ورفع لواء التحدي أمام تركيا، فإن تحقيق هذا التيار لسيطرة سياسية يتبعها دورة اقتصادية مستديمة، أمر مستحيل. فالمناهل الاقتصادية في مناطق الأزمات تكون قائمة على تمويل التيارات ذات السيطرة الفعلية بعيداً عن مصلحة المواطن، حيث تعتمد على التهريب وتجارة الأسلحة، وغيرها من الأساليب الخارجة عن الإطار الاقتصادي المُنظم الذي يخلق “اقتصاد سلطة الهيئة” غير المتوازن مع “اقتصاد المواطن المُقيم في إدلب”.
وفي النهاية لكل تحرك تحدٍ يجدر على الدول القومية إدراكه لحماية مصالحها القومية التي تقوم أصلاً على مدى إدراك الساسة لها.
الخلاصة 
لقد باتت تركيا اليوم في الملف السوري أمام مفترق طريق شديد الانحدار ومتعدد الاتجاهات، ما يوجب عليها اختيار الطريق الأقل انحداراً بالنسبة لمصالحها القومية، على أن تكون هذه الطريق في الاتجاه الصحيح والأقرب لطموحها والمعارضة السورية التي أخذت تتسم أكثر فأكثر بالواقعية.
وفي ضوء ذلك، يلعب مسار علاقات تركيا مع الدول الفاعلة في سورية، أهمية كبيرة في صياغة ما ترنو إليه من حل. وبوضع مسار علاقاتها مع روسيا وإيران من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، يُلاحظ أنها تمسك أدوات ضغط عليها، تمكّنها من تطبيق سيناريو السيطرة المباشرة الكاملة أو الجزئية مع سيطرة غير مباشرة إدارية وأمنية في منطقة إدلب.
المصدر: مركز جسور للدراسات

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الوجود التركي في إدلب.. إلى أين؟

هيومن فويس عجزت الأطراف المتنازعة في سورية عن تحقيق انتصارات ردعية مُطلقة تُفسح المجال أمام قطب واحد لفرض طموحه على حساب القطب الآخر، الأمر الذي جعل التسوية السياسية التوافقية هي الخيار الأمثل لإنهاء حالة "الاستنزاف" القائمة. وفيما نجحت محادثات آستانا في تسوية الأزمة السورية، نسبياً، لصالح روسيا والنظام السوري وإيران على حساب طموحات تركيا والمعارضة السورية، والتي كانت قائمة على هدف إسقاط النظام السوري، وصلت الأزمة السورية إلى مرحلة "ضرورة" حسم ملف المعارضة السورية التي زُج بها من كل منطقة سورية معارضة نحو إدلب. وفي ظل السيطرة التركية المباشرة وغير المباشرة على قسم كبير من محافظة إدلب والريف الشمالي من

Send this to a friend