هيومن فويس

رغم تعرض تنظيم “داعش” وبعض فروعه وخلاياه لهزائم وضربات عسكرية قوية، إلا أنه لا يزال مستمرًا في نشاطه سواء في العراق وسوريا أو في بعض المناطق الأخرى التي يتواجد بها مثل منطقة الساحل والصحراء وأفغانستان، عبر اعتماده على عدد من الآليات التي يسعى من خلالها إلى التعامل مع الضغوط الحالية بعد خروجه من معاقله ومحاولته التمدد في مناطق جديدة.

وربما يكون ذلك هو ما دفع وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون إلى التحذير، في 14 فبراير 2018، من أن “داعش” يعيد تنظيم صفوفه وأنه لا يزال يشكل خطرًا وأن هزيمته في العراق لا تعني نهايته، وهو ما يطرح تساؤلات عديدة حول الآليات التي يتبعها “داعش” بعد الخروج من معاقله للتأقلم مع الهزائم والانكسارات ومواجهة الضغوط التي يتعرض لها والعودة الى نشاطه من جديد.

ضربات متعددة:

أدت الهزائم القوية التي منى بها تنظيم “داعش” وبعض فروعه خلال السنوات الأخيرة إلى خروجه من بعض المناطق التي كان يسيطر عليها، لا سيما داخل كل من العراق وسوريا، حيث تراجع نشاط التنظيم الرئيسي بشكل كبير في الدولتين، بعد أن فقد ما يقرب من 98% من تلك المناطق، حسب بعض التقديرات، وإن كان مؤخرًا قد تمكن من تجميع بعض خلاياه المتفرقة، ما دفعه إلى شن العديد من الهجمات الخاطفة ضد الأطراف المناوئة له.

ولم تقتصر تلك الهزائم على التنظيم الرئيسي فحسب، بل وصلت إلى بعض فروعه ومجموعاته، على غرار ما تعرض له التنظيم في ليبيا، حيث فقد معقله الرئيسي في مدينة سرت وطردت عناصره من عدة مناطق أخرى في درنة وبنغازي، خلال الفترة من 2015 إلى 2017، وهو ما دفعه إلى التوجه نحو الجنوب. كما وجهت الولايات المتحدة الأمريكية ضربات عسكرية قوية لتنظيم “ولاية خراسان” التابع له في أفغانستان، وتعرضت المجموعات الأخرى لضربات قوية سواء من قبل الأطراف المعنية بمحاربتها أو من جانب التنظيمات الإرهابية المنافسة لها.

توجهات مختلفة:

تبنى “داعش” آليات عديدة حاول عبرها التعامل مع تداعيات الهزائم والضربات القوية التي تعرض لها في الفترة الماضية، ويتمثل أبرزها في:

1- تراجع أولوية السيطرة الترابية: لم تعد السيطرة الترابية أو المكانية تحظى بالأولوية لدى التنظيم خلال الفترة الأخيرة، والتي تتعلق بالتواجد عسكريًا وتنظيميًا داخل مساحة محددة من الأرض، وهو ما كان يسهل استهدافه، من خلال الغارات الجوية والعمليات الخاصة. إذ بدأ “داعش” في الاعتماد على النشاط التنظيمي بدرجة أكبر، عبر التواجد بشكل عملياتي وتنظيمي في مناطق محددة لكن دون السيطرة عليها، وهو النهج الذي اتبعه تنظيم “القاعدة” وفروعه المختلفة منذ تأسيسه.

وقد أشارت اتجاهات عديدة إلى أن هذه الآلية تعد من أهم العوامل التي ساعدته على البقاء حتى الآن، ويتضح هذا التحول بشكل كبير في النشاط الحالي لـ”داعش” في سوريا، بعد أن فقد تقريبًا كل معاقله الرئيسية، وهو ما دفعه إلى إعادة نشر عناصره في البادية السورية التي تمتد حتى الحدود مع العراق، حيث اعتبرها نقطة انطلاق سعى من خلالها إلى شن هجمات خاطفة، على غرار الهجوم الانتحاري الأخير الذي نفذه ضد قوات النظام السوري والمعارضة المسلحة على حد سواء في محافظة درعا بجنوب سوريا، في 10 يوليو 2018، مما أدى إلى مقتل 14 عنصرًا من الجانبين.

2- استغلال العلاقات الاجتماعية: يحرص مقاتلوا التنظيم، عقب الخروج من معاقله، على الاستفادة من شبكة علاقاتهم الاجتماعية، التي تتكون عبر القرابة أو المصاهرة أو الانتماء القبلي، وهو ما يسمح لهم بالحصول على قدر من المساعدة، مثل الإيواء والدعم المادي والعسكري واللوجيستى. وقد حاول التنظيم استغلال ذلك في مساعيه لإعادة تفعيل نشاطه من جديد.

3- إعادة الانتشار: سارعت معظم المجموعات  التي تعرضت لهزائم عسكرية فى العديد من المناطق التي كانت تتواجد بها، إلى محاولة إعادة تنظيم صفوفها من جديد، واستغلال عدم الاستقرار في بعض المناطق في تعزيز قدرتها على تحقيق ذلك، وهو ما بدا جليًا في محاولة بعض الخلايا التابعة لها تصعيد نشاطها في بادية الميادين بريف دير الزور، حيث نفذت هجومًا خاطفًا ضد قوات النظام السوري والميليشيات الداعمة له، في 18 إبريل 2018، على نحو أدى إلى مقتل 18 من عناصرها، ووصول تلك الخلايا إلى أطراف الميادين.

4- البحث عن مصادر للتمويل: من الصعب على المجموعات الهاربة من معاقلها الاستمرار في نشاطها دون وجود مصادر للتمويل يمكن الاعتماد عليها، حيث تحرص هذه المجموعات على توفير مصادر متنوعة خلال فترة الاختفاء والكمون، على غرار ما قامت به مجموعة “أبو الوليد الصحراوي” التي تنشط في منطقة الساحل والصحراء، حيث حرصت على ممارسة الأنشطة نفسها التي سبق أن مارسها تنظيم “القاعدة” مثل التهريب عبر الحدود، خاصة تهريب البشر، فضلاً عن تهريب السلع والبضائع والأدخنة والمشتقات النفطية والمخدرات، وهو ما مكنها من توفير موارد لتمويل عملياتها الإرهابية.

5- تفعيل الخلايا النائمة: حرص تنظيم “داعش” على تكوين خلايا نائمة تابعة له في المناطق التي خرج منها، سواء على شكل أفراد أو مجموعات، بهدف الحفاظ على توجهاته الفكرية والتنظيمية داخل تلك المناطق بعد ذلك، وقد حاول استخدام تلك الآلية عندما سعى إلى العودة من جديد إلى تلك المناطق، على غرار العناصر التي تم اكتشافها في مدنية سرت الليبية بعد خروجه منها.

من هنا، ربما يمكن تفسير أسباب حرص اتجاهات عديدة على إطلاق تحذيرات متكررة من مخاطر عودة التنظيم من جديد إلى المناطق التي كان يسيطر عليها في السابق وتعرض فيها لهزائم عسكرية قوية، في ظل سعيه إلى الاستناد للآليات السابقة من أجل تحقيق ذلك، وهو ما يضفي وجاهة خاصة على دعواتها إلى تجفيف مصادر تمويله ومواجهته فكريًا بالتوازي مع هزيمته عسكريًا.

مركز المستقبل للدراسات

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

كيف يحاول "داعش" التعايش مع الهزائم؟

هيومن فويس رغم تعرض تنظيم "داعش" وبعض فروعه وخلاياه لهزائم وضربات عسكرية قوية، إلا أنه لا يزال مستمرًا في نشاطه سواء في العراق وسوريا أو في بعض المناطق الأخرى التي يتواجد بها مثل منطقة الساحل والصحراء وأفغانستان، عبر اعتماده على عدد من الآليات التي يسعى من خلالها إلى التعامل مع الضغوط الحالية بعد خروجه من معاقله ومحاولته التمدد في مناطق جديدة. وربما يكون ذلك هو ما دفع وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون إلى التحذير، في 14 فبراير 2018، من أن "داعش" يعيد تنظيم صفوفه وأنه لا يزال يشكل خطرًا وأن هزيمته في العراق لا تعني نهايته، وهو ما يطرح

Send this to a friend