هيومن فويس

تمثل هزيمة تنظيم “داعش” وطرده من مناطق نفوذه داخل كل من العراق وسوريا أحد أبرز التطورات الأمنية التي شهدها عام 2017. فعقب سيطرة التنظيم على العديد من المدن في الدولتين، تمكنت القوات الدولية والمحلية من محاصرته وهزيمته، وهو ما ساهم في طرح تساؤلات عديدة حول مستقبل الوجود العسكري للقوى الدولية وعلى رأسها روسيا والولايات المتحدة الأمريكية في الإقليم بعد هزيمة التنظيم، خاصة وأن الحرب ضد الأخير كانت أحد الدوافع المعلنة لهذا التواجد.

ومع عدم وجود أية بوادر لإنهاء هذا الوجود حتى الآن، باتت أسباب استمراره محور جدل واسع، خاصة مع إشارة اتجاهات عديدة إلى أن ذلك قد يزيد من احتمالات تدشين مرحلة جديدة من صراع النفوذ والمصالح بين القوى الدولية على الأراضي السورية والعراقية.

نفوذ متواصل:

تتجه روسيا نحو تقليص وجودها العسكري في سوريا إلى حد ما، عقب التطورات التي شهدتها على المستويين السياسي والعسكري، وأبرزها إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تطهير كافة المدن السورية من عناصر تنظيم “داعش”، وإشارته إلى قرب انتهاء العمليات العسكرية في سوريا والاتجاه نحو تعزيز فرص الوصول إلى تسوية سلمية وحلول سياسية للأزمة.

لكن رغم ذلك، فإن تقارير عديدة بدأت تلمح إلى احتمال شروع روسيا في تكريس وجود عسكري دائم لها في سوريا من خلال القواعد العسكرية التي قامت بتأسيسها، مستندة في هذا السياق إلى تصريحات وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو عقب صدور موافقة على تأسيس قاعدتين جويتين روسيتين في كل من طرطوس وحميميم، حيث قال: “وافق القائد الأعلى الأسبوع الماضي على الهيكل والقواعد في طرطوس وحميميم”، مضيفًا: “لقد بدأنا تشكيل وجود دائم هناك”.

وقد بدا أن ثمة تغيرًا طرأ على المنحى الروسي في التعامل مع أزمات الشرق الأوسط بشكل عام، لا سيما و أن روسيا قد تبنت مسارًا جديدًا بشروعها في إنشاء قاعدتين عسكريتين في سوريا، بالتوازي مع طرح مبادرة سودانية لتأسيس قاعدة عسكرية روسية في السودان خلال لقاء الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والسوداني عمر البشير في 25 نوفمبر الماضي، وهو ما يمثل مؤشرًا لتوجه روسي جديد نحو تعزيز التواجد العسكري بالمنطقة في المستقبل.

لكن ذلك لا ينفي أن مستوى الوجود الروسي في سوريا سيظل رهنًا بتطورات الأحداث خلال الفترة القادمة، وهو ما أكده تصريح بوتين بأنه “إذا رفع الإرهابيون رؤوسهم مرة أخرى، فإن روسيا ستشن غارات عليهم لم يروا مثلها من قبل”. كما أنه سوف يرتبط، على الأرجح، بالمسارات المحتملة للصراع الإيراني-الأمريكي داخل سوريا بعد تزايد اهتمام واشنطن بالمساعي التي تبذلها طهران لتكريس وجودها العسكري على الأرض.

وفي هذا الإطار، ردت موسكو على الهجمات التي شنها إرهابيون على قاعدتيها في حميميم وطرطوس باستخدام 13 طائرة من دون طيار، في 6 يناير الجاري، بتأكيد أن “لديها ما يكفي من قوات لحماية القاعدتين”.

دوافع البقاء:

تشير تقديرات عديدة إلى أن عدد الجنود الأمريكيين، حتى 30 سبتمبر 2017، بلغ في العراق 8890 جنديًا (هناك تقديرات أخرى ترى أن العدد يتراوح بين 5 آلاف إلى 6 آلاف جندي) وفي سوريا 1720 جنديًا تقريبًا (هناك تقديرات أخرى ترى أن العدد يتجاوز 2000 جندي).

وقد اتجهت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما نحو تحجيم الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، في محاولة لتدارك التداعيات السلبية للانتشار العسكري الأمريكي في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش، والذي انطلق مع وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 بدافع ” الحرب على الإرهاب”.

هذا التراجع يعود إلى مجموعة أسباب متداخلة، خلاصتها أن التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط لم يعد، وفقًا لرؤية اتجاهات عديدة، مجديًا في ظل المعطيات الراهنة. إلا أن هذا التوجه لم يدم طويلاً، فمع تمدد تنظيم “داعش” وتصاعد نفوذه، عادت الولايات المتحدة بحذر معلنة، في سبتمبر 2014، عن تشكيل التحالف الدولي لمحاربة التنظيم، والذي لم يتدخل بقوات برية بل ركز بصورة رئيسية على الضربات الجوية، ودعم القوات المحلية.

وبعد مرور ما يزيد عن ثلاث سنوات ومع إعلان هزيمة التنظيم، طرحت تساؤلات عديدة حول إمكانية اتجاه الولايات المتحدة نحو سحب قواتها العسكرية بشكل كامل من العراق. وقد سارع المسئولون الأمريكيون إلى الرد على التكهنات التي ظهرت في هذا الصدد، ففي 5 ديسمبر 2017، صرح المتحدث باسم البنتاجون إريك باهون بأن “الولايات المتحدة ستحتفظ بوجود عسكري في سوريا طالما كان ذلك ضروريًا”، وأضاف: “سنحتفظ بالتزاماتنا طالما دعت الضرورة، لدعم شركائنا ومنع عودة الجماعات الإرهابية إلى هذا البلد”.

وتتمثل أبرز دوافع استمرار الوجود العسكري الأمريكي داخل كل من العراق وسوريا في:

1- مواجهة النفوذ الإيراني: تبدي إدارة الرئيس دونالد ترامب اهتمامًا خاصًا إزاء التمدد الإيراني المدعوم من روسيا في سوريا، والذي يبدو أنه سيكون أحد الدوافع المعلنة لاستمرار الوجود العسكري للقوات الأمريكية، خاصة أن هذا التمدد يتوازى مع تزايد نفوذ إيران في العراق أيضًا، بشكل بات يدفع اتجاهات عديدة داخل واشنطن إلى تأكيد أن مواجهة محاولات إيران تكريس نفوذها في المنطقة يرتبط بتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الدولتين.

2- مكافحة عناصر “داعش”: خاصة الذين تمكنوا من الخروج من مناطق الصراع،  ووفقًا لما ذكرته صحيفة “يو إس إيه توداي” الأمريكية، فإن هناك مباحثات جارية بين الجانبين العراقي والأمريكي حول إمكانية تمديد الوجود العسكري الأمريكي في العراق بعد هزيمة تنظيم “داعش”، حرصًا على عدم تكرار سيناريو 2011 عندما خرجت القوات الأمريكية من العراق عقب هزيمتها لتنظيم “القاعدة”، حيث تصاعد بعد ذلك نفوذ تنظيم “داعش” الذي تمكن من الاستيلاء على العديد من المدن العراقية.

3- المشاركة في عمليات إعادة الإعمار: وهو ما يزيد من أهمية الاحتفاظ بوجود عسكري داخل كل من العراق وسوريا للمشاركة في حماية عمليات ومشروعات إعادة الإعمار، التي يمكن أن تصبح هدفًا لبعض البؤر الإرهابية التابعة لتنظيم “داعش”، ردًا على الهزائم العسكرية التي تعرض لها في الفترة الأخيرة.

وعلى ضوء ذلك، ربما يمكن القول إن الوجود العسكري لكل من واشنطن وموسكو سوف يبقى رقمًا مهمًا في تحديد اتجاهات الترتيبات السياسية والأمنية التي سوف تشهدها كل من سوريا والعراق خلال عام 2018.

المصدر: مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

مستقبل الوجود العسكري الأمريكي والروسي في سوريا والعراق

هيومن فويس تمثل هزيمة تنظيم "داعش" وطرده من مناطق نفوذه داخل كل من العراق وسوريا أحد أبرز التطورات الأمنية التي شهدها عام 2017. فعقب سيطرة التنظيم على العديد من المدن في الدولتين، تمكنت القوات الدولية والمحلية من محاصرته وهزيمته، وهو ما ساهم في طرح تساؤلات عديدة حول مستقبل الوجود العسكري للقوى الدولية وعلى رأسها روسيا والولايات المتحدة الأمريكية في الإقليم بعد هزيمة التنظيم، خاصة وأن الحرب ضد الأخير كانت أحد الدوافع المعلنة لهذا التواجد. ومع عدم وجود أية بوادر لإنهاء هذا الوجود حتى الآن، باتت أسباب استمراره محور جدل واسع، خاصة مع إشارة اتجاهات عديدة إلى أن ذلك قد يزيد

Send this to a friend