هيومن فويس

تجري المفاوضات الحالية والمؤتمرات بين الدول الفاعلة في الصراع، وذلك بسبب ضعف كيانات الثورة وهشاشتها، ولأنه أُريد للثورة أن تفقد بوصلتها من خلال حَبكِ المؤتمرات لتتفاعل معها وتتوه في أحداثها وتفاصيلها حتى يُمحى من ذاكرة الثوار صلب القضية ويبقوا معلقين بما أريدَ لهم أن يتعلقوا به، فكانت جولات المؤتمرات والمفاوضات اللاعب الأساسي لدور التخدير، وما الرياض2 إلا حلقة في سلسلة تلك المؤتمرات.

مقدمة

اسم جديد يضاف إلى قائمة أسماء المؤتمرات من أجل سوريا، والذي عقد في المملكة العربية السعودية بعاصمتها الرياض بتاريخ 22\11\2017 ولمدة يومين كاملين في ظل تغيرات كبيرة طرأت على مسار الثورة السورية، وكذلك على مواقف الدول الإقليمية والمجتمع الدولي.

وترافق انعقاد مؤتمر الرياض (2) مع انعقاد قمة روسية إيرانية تركية، وهم الدول الضامنة لمسار أستانة في مدينة سوتشي بروسيا.

ومن المقرر بعد مؤتمر الرياض عقد مؤتمر (جنيف 8) وفق ما أعلن عنه المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي مستورا[1].

مؤتمرات كثيرة عقدت قبل هذا المؤتمر وكلها تتعلق بمواجهة التحديات والصعوبات ورص الصفوف وتوحيدها، وصورة المستقبل السوري، بحضور ورعاية شخصيات بارزة ومسؤولين دوليين، ويصدر عنها نتائج وتوصيات تنتظر التنفيذ، ما ولد عند الشعب السوري عدم القناعة بجدواها، فهل يعول السوريون على هذا المؤتمر؟

تُجمع الآراء أن هذا المؤتمر يولَد في مرحلة صعبة، وهو جزء منها ولا ينفصل عنها ويحتضن كل المخرجات، إذ أن هناك انعكاسات داخلية صعبة جدا على الإنسان السوري، بالإضافة إلى تأثيرات سلبية على النسيجين الاجتماعي والأخلاقي، مما ألحق الضرر الكبير بالثورة السورية إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه من قتل ودم تجاوز كل الخطوط الحمراء.

يمكن أن نَصف هذه المرحلة كفكر سياسي أنها مرحلة جذر، وفي مرحلة الجذر تعاني الأمم، وخاصة في مجال تغلب المصلحة الخاصة على العامة، وتتدنى الأخلاق إلى حدّ كبير بما يخص الانتظام الجماعي والتعاون المتبادل، بحيث أن العمل الجماعي ينخفض إلى أكبر مستوى وتصبح الأنانية شعار المرحلة، وهذا يلحق الضرر بكل القضايا التي تبنتها الثورة على كافة الأصعدة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية… الخ.

بناء على التجربة المرة والمؤشرات الموضوعية، فإن كل المفاوضات والمباحثات لن ترفع هذا الحمل الثقيل عن كاهل السوريين، بل إنها تدفع إلى تفريغ الثورة من مضمونها وأهدافها والدخول إلى تفاصيل وأنفاق ودهاليز لا نهاية لها.

أولا: دعوة المملكة العربية السعودية

توجهت المعارضة السورية إلى الرياض لعقد مؤتمرها الثاني بعد المؤتمر الأول الذي عقد في كانون الأول 2015 وتم توجيه الدعوات كالآتي:

1-الائتلاف: 23 دعوة                                                 4-منصة القاهرة: 10

2-الفصائل العسكرية: 21 دعوة                                   5-منصة موسكو: 7

3-هيئة التنسيق: 14                                               6-شخصيات مستقلة: 70.[2]

أ – استقالة الدكتور رياض حجاب

شُكّلت الهيئة العليا للمفاوضات في كانون الأول 2015 في مؤتمر الرياض (1) وانتُخب الدكتور رياض حجاب لمنصب المنسق العام، وقبل انعقاد مؤتمر الرياض (2) تقدم باستقالته في بيان دون ذكر الأسباب متمنيا النجاح للهيئة الجديدة[3].

صرح الدكتور رياض حجاب في 31\8\2016 لقناة أورينت عن وجود شخصيات في المعارضة يمكن أن تتنازل وتقبل ببقاء الأسد في الحكم مضيفا “أنا عن نفسي أتعهد بعدم قبول بقاء الأسد أبدا”، ويرى أن الواقعية السياسية تتعلق فقط بالالتفاف حول مطالب الثورة وليس الاسترضاء للمزاج الإقليمي والدولي، بادر بعدها مباشرة عدد من أعضاء الهيئة بتقديم استقالتهم وهم: د. رياض نعسان آغا – سالم المسلط – عبد العزيز الشلال – المقدم أبو بكر – الرائد أبو أسامة الجولاني – سهير الأتاسي – سامر حبوش – عبد الحكيم بشار.

بالإضافة لشخصيات مدعوة من المعارضة اعتذرت عن حضور مؤتمر الرياض (2) منهم الشيخ حسن الدغيم – السيد جورج صبرة – اللواء محمد الحاج علي – المستشار محمد أمين سليمان.

وردا على ذلك صرح سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي أن خروج الشخصيات المتطرفة من المعارضة السورية سيساعد على توحيدها وأشار إلى أن رياض حجاب جرّ فريقا إلى الاتجاه الخاطئ وحاول أن يستخدم أسلوب الإنذار مشترطا خروج بشار الأسد. مع ضرورة الانتباه إلى دور الائتلاف بالإطاحة بالهيئة العليا للمفاوضات، إذ كان يرى فيها منافسا يهدد وجوده[4].

ب -أهداف المؤتمر المعلنة

1-اختيار الوفد المفاوض الجديد إلى مباحثات جنيف بجولتها الجديدة[5].

2-الخروج بموقف موحد إلى المحادثات.

3-استبعاد الهيئة المشكلة في الرياض (1) وعلى رأسهم الدكتور رياض حجاب.

4-ضم منصتي موسكو والقاهرة[6].

5-خلق بيئة جديدة للتفاوض تستند إلى الوضع الدولي الجديد.

6-ترجمة التقارب بين موسكو والرياض والتعويل السعودي على تخلي الروس عن حلفائهم الإيرانيين في سوريا.

7-استبعاد المحسوبين على قطر من أيّ دور.

8-إشارة واضحة إلى أن السعودية تمسك بمنصات المعارضة ولاسيما أكبرها الائتلاف الوطني وأن بيدها أوراق إقليمية ودولية.

ج -دعوة بشار الأسد إلى سوتشي

قبل يومين من مؤتمر الرياض، ومن القمة الثلاثية بين إيران وروسيا وتركيا للبحث في حل سياسي لسوريا، تم استدعاء رئيس النظام بشار الأسد إلى روسيا للقاء الرئيس الروسي بوتين، دون مرافقين أو أي من البروتوكولات المتعارف عليها، وأُدخل إلى قاعة غاب عنها العلم السوري، مما يدل على عدم المبالاة والاهتمام التي تشير لها كل وقائع الزيارة وحتى نظرات بوتين للأسد وكأنه أحد موظفيه.

وكما في سوق الاقتصاد يمكن إعادة تدوير البضاعة الفاسدة وإيهام الناس أنها أحسن ما في الأسواق، فإنه في سوق السمسرة السياسية، حيث الدعاية الكاذبة أساس الصفقة، وقد يكون هذا الطراز من البضاعة الفاسدة أكثر نفعا وأطول عمراً في يد السماسرة، وأشد خطرا وأفدح ثمنا بالنسبة للشعوب، وهذا واقع الحال بين روسيا والنظام السوري الذي عرض نفسه للبيع، وإن عملية التسويق سوف ترفع الحظر أمام الزبائن وتفتح شهيتهم لشراء هذه البضاعة الفاسدة بعد أن يعاينوها في المزاد العلني.

ثانيا: أسباب مؤتمر سوتشي

1 -أوضح الأسد الدور الروسي الرئيسي في إنقاذ سوريا من الجماعات الإرهابية (داعش) وامتنانه من الجنرالات العسكريين الروس، وخاصة بعد إعلان إيران وأنصارها (حزب الله) عن دحر الإرهاب في سوريا دون ذكر للدور الروسي.

2 -التأكيد على الحل السياسي، لا كما تدعي إيران والأسد وتوجيه رسالة دولية بأن روسيا تمسك بزمام الأمور في سوريا.

3 -اللقاء الأول بالأسد كان لمنع سقوط النظام، أما اللقاء الثاني لتكريس الوصاية الروسية وإعلام الأسد ببعض تفاصيل عملية الانتقال السياسي في سوريا.

4 -إظهار بوتين قبيل الانتخابات الروسية بمظهر المنتصر، وتوظيف الملف السوري كورقة سياسية في وجه معارضيه، وبأنه يملك مفتاح الحل في سوريا.

5 -أظهرت روسيا للعالم أنها تمتلك الركيزتين، إيران التي تدعم النظام، وتركيا التي تدعم المعارضة السورية.

6 -تقديم روسيا لنفسها كراعية للسلام، فيما رسم توقيت زيارة الأسد قبل اجتماع رؤساء البلاد الضامنة ملامح المسار السياسي.

7 -بيان موقف الأسد المؤيد للترتيبات الروسية والتعامل الإيجابي مع النتائج، وإعطاء موسكو مساحة أكبر من التأثير مقابل إيران.

8 -تطمين روسي لتركيا وإيران، وخاصة بعد البيان الأميركي الروسي الذي لم يأت على ذكر أيّ دور لهما على الساحة السورية.

9 -القبول الأميركي بروسيا كقوة عظمى وتعزيز دورها في الملفات الإقليمية والدولية.

10 -تفويض سياسي شامل لروسيا من الأسد مع تجاهل كامل لتضحيات الشعب السوري عبر بوابة الواقعية السياسية، مع إدراك بوتين أن تفوقه كمهاجم شرس يعود بالأصل إلى غياب أيّ دفاع شرس.

11 -فرض حل عن طريق دستور جديد وانتخابات والحفاظ على مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية وبقاء الأسد أقله في المرحلة الانتقالية وتبرئته من جرائمه لضمان شرعية مصالح الدول الداعمة له.

12 -تهدف روسيا إلى خلط الأوراق الدولية وانتزاع الشرعية عن القرارات الأممية والتعامل مع الثورة السورية على أساس خلاف على تقاسم السلطة.

13 -الرئيس الروسي وجه رسالة بأنه يسيطر على المعارضة والنظام معا وأن مفاتيح اللعبة بيده.

14 -تمييع المعارضة وخلق بدائل وهمية من صنيعة النظام وروسيا بحيث تكون منسجمة مع الحلول السياسية التي يسعى لها بوتين.

أ – الموقف التركي من مؤتمر سوتشي:

تركيا موجودة في سوتشي لمعالجة نقاط الضعف البوتيني، والذي دعا إلى مؤتمر بتاريخ 18/11/2017 أول مرة وأدرك من خلال ردود الفعل أنه لن يستطيع استقطاب المعارضة السورية التي كانت واضحة في رفضها رغم قدراته العسكرية والسياسية.

وهدف تركيا يتمركز حاليا حول وحدة الأراضي السورية، وقطع الطريق على حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيا، ممثلا بقوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب، وهو ما يثير مخاوفها حفاظا على أمنها القومي، وكذلك الاحتفاظ بدور لها في مفاوضات سياسية مستقبلية، وقراءة حضورها يمكن اختصاره بالنقاط التالية:

  • التركيز على إزالة الخطر الكردي المنتشر على الحدود التركية.
  • لم يتطرق الرئيس التركي لمصير الأسد، وربما يفسر بأنه تنازل عن بقائه في المرحلة الانتقالية.
  • حديث الطيب أردوغان في سوتشي كان مذكرا بإجراءات بناء الثقة في ظل المجازر الروسية.
  • تريد تركيا توجيه رسالة للغرب بأن لديها خيارات وأنها لن تقبل بتهديد أمنها القومي.
  • الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ومنع التقسيم.
  • عدم دعم الإرهاب في سوريا سواء الأكراد الانفصاليين أو تنظيم الدولة “داعش”.

ب -الموقف الروسي في سوتشي:

روسيا في حقيقة أمرها مثل حزب الله وإيران في سوريا، تدعي النصر على تنظيم الدولة “داعش” وهي تعرف تماما أن الثورة السورية ولدت قبل “داعش” بسنوات، وأن أساس الثورة هو ضد نظام استبدادي، ولن تستطيع أي قمة أو مؤتمر إنهاء هذه الثورة التي دامت سبع سنوات وما زالت مستمرة لأنها إرادة شعب قدم خيرة أبنائه في سبيلها.

كما تدرك تماما أنها لا تستطيع الاستمرار، فأراد بوتين أن يسدل الستار بنصر مصطنع، وحاول كثيرا من خلال تفاهمات فاشلة مع أميركا التي أدارت له ظهرها، وأما اتفاق إيران معه كان بغية توريطه في سوريا حتى لا يكون لإيران وحدها عبء الفشل ولا جريمة قتل الشعب السوري.

وما يخص التفاهم الروسي مع الأحزاب الكردية الانفصالية ما هو إلا ورقة يحتفظ بها للضغط على تركيا، لذلك لم يكن أمام تركيا بعد ابتعاد أميركا عنها ودعمها لحزب العمال الكردستاني من سبيل إلا التفاهم مع روسيا، والآن يسعى بوتين إلى تشكيل معارضة سورية تتلاءم مع تطلعاته وتحقق أهدافه.

ومجمل الموقف روسيا مما يحدث في سوريا ورؤيتها للحلول السياسية يتمثل بما يلي:

1 -اعتبرت روسيا الوجود الإيراني شرعيا بالمطلق في سوريا حسب تصريحات وزير خارجيتها.

2 -تسعى روسيا إلى وضع مسار جنيف جانبا وتبني الأستانة وتعويم مؤتمر الحوار الوطني الذي تسعى موسكو إلى عقده في سوتشي.

3 -حصر العمل السياسي بوضع دستور جديد وانتخابات جديدة وبقاء الأسد في السلطة.

4 -إشراك بعض المعارضين في حكومة انتقالية بما يتنافى مع القرارات الدولية للمرحلة الانتقالية.

5 -التأكيد على الدور الروسي الأساسي ثم التركي والإيراني من تجنب تفكك سوريا ووقوعها في أيدي الإرهابيين.

6 -تأكيد التفرد في القرار السوري وإضفاء الشرعية على بشار الأسد.

7 -خشية بوتين من المحاسبة الداخلية في روسيا وخاصة من قبل أحزاب المعارضة تجعله يسعى إلى إسدال الستار على الصراع في سوريا.

8 -الخوف من المحاسبة الدولية على جرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الروسية في سوريا.

9 -إظهار بوتين بمظهر رجل السلم والحرب والقاضي على الإرهاب ولاسيما الانتخابات الروسية التي تطرق الأبواب.

ج – الموقف الإيراني في سوتشي:

كانت إيران وحزب الله أعلنا النصر على “داعش” متجاوزين روسيا ودورها في الحرب، رافعين رايات النصر ومتجاهلين وعد قاسم سليماني لـ “بوتين”بإنجاح مهمته في حال التدخل الفعال لسلاح الجو الروسي في المعركة.

إن إيران بحاجة إلى غطاء شرعي دولي ولا يوجد أفضل من روسيا، فهي شريكتها في القتل والتدمير وتهجير الشعب السوري، وإذا كان هناك من قرارات دولية تدين إيران فخط دفاعها الأول روسيا، وبالتالي تعتقد إيران أن مصدر قوتها هو ثقة الأسد ونظامه بموقفها، بالإضافة إلى وجود ميليشياتها بكثافة على الأرضي السورية، وإن كل الظروف السابقة قد هيئت لها التأثير الفاعل.

ومن أجل ذلك تسعى لأن تبقى طرفا أساسيا بعد أن قدمت الكثير من الأموال والدماء ولن تسمح بإلغاء دورها وسوف تصر على أنها صاحبة الانتصار، وحضورها أستانة كان يعكس الأهداف التالية:

1 -تأكيد الانتصار على تنظيم الدولة “داعش” في سوريا.

2 -تأكيد رحيل القوات الأجنبية الموجودة في سوريا بدون موافقة الأسد.

3 -تأكيد مشروعية الوجود الإيراني لأنه بموافقة نظام الأسد، علما أنها بدأت بتصنيع ميليشيات محلية شيعية على غرار حزب الله (اللواء 313) في درعا ولواء الرضا في حمص ولواء المهدي في حلب.

4 -حديث روحاني في المؤتمر كان مظلة لبوتين.

5 -التأكيد على أن رسالة إيران هي رسالة سلام إلى كل المنطقة.

6 -إيران على الرغم من امتلاكها القوة البرية إلا أنها بحاجة إلى الغطاء الروسي الجوي إضافة إلى التضييق الدولي على ممارساتها الإرهابية.

7 -الخوف الإيراني من تفاهم روسي أميركي يحدّ من دورها في المنطقة.

8 -ضرب التفاهم الأميركي الروسي حول قوات سوريا الديمقراطية، وهي فرع من حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيا.

ثالثا: تعريف بالمنصات

ما هو مؤكد أن هناك رؤية متشابهة بين منصتي موسكو والقاهرة للثورة السورية، سواء من ناحية الأهداف والمبادئ والتوجهات أو بما يخص رؤيتهما لمستقبل سوريا وموقفهما من الأسد ونظامه.

إن أخطر ما أراده الأسد وداعموه من خلال المفاوضات وتعدد المؤتمرات وإطالة الزمن هو التلاعب بممثلي الثورة وتبديل المفاوضين الثوريين بآخرين، ومن ثم صناعتهم والترويج لهم على أنهم معارضة، مع العلم أن الجميع يدرك تماما أنهم شخصيات تابعة له وأن ما يقومون به هو دور تمثيلي للتغطية على المعارضة الحقيقية، وأبرزهم معارضة الداخل ومعارضة موسكو، فضلا عن مجموعات ليس لها ظهير شعبي كمعارضة القاهرة، مع العلم أنهم جميعا لا يلقبون الأسد إلا بالسيد الرئيس ويصِرون جميعا أن الحل العسكري في سوريا هو لنزع الحق من المقاومة السورية في أن تقف بوجه الأسد وداعميه.

1 -منصة موسكو:

تعرف بتبعيتها لموسكو وهي مؤيدة لنظام الأسد برئاسة قدري جميل، والذي كان وزيرا في حكومة الأسد حتى نهاية 2013، ثم لجأ إلى موسكو ليلعب دور المعارض، وحتى هذا اليوم لم يسجَّل له أي موقف مناهض للأسد ونظامه فضلا عن أن حزبه المسمى (الجبهة السورية للتغيير والتحرير) ليس له قواعد شعبية وغير معروف من قبل السوريين وعدد أعضائه محدود جدا، وهو يستخدم لاختراق الثورة وابتزازها وقد فرضته روسيا كطرف فاعل مثله مثل الائتلاف الوطني.

2-منصة القاهرة:

إنتاج مصري بامتياز عام 2015 ويضم شخصيات منها جمال سليمان وجهاد مقدسي وفراس الخالدي، وتتبنى موقفا ضبابيا ما بين الثورة ومنصة موسكو وهي، من خلال شخصياتها، ترى أن المطالبة برحيل الأسد كشرط مسبق غير واقعي وموقفها من العدوان الروسي على سوريا إيجابي.

3-الهيئة العليا للمفاوضات:

عندما تشكلت بالرياض عام 2015، أي بعد التدخل الروسي بما يقارب 3 أشهر، التزمت بما يلي:

  • رفض أي دور للأسد في الحل السوري.
  • المطالبة بهيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات.
  • الالتزام بوثيقة جنيف وقرار مجلس الأمن 2254
  • رفض المس بوحدة سوريا وسلامتها.
  • الاعتراف بحقوق الشعب الكردي في المواطنة والمساواة.
  • رفض الاعتراف بمنصة موسكو لأن مكانها الطبيعي حضن الأسد وضمن الوفد الجعفري.
  • تمثيل الهيئة كل أطياف ومكونات الشعب السوري.

4-هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي:

تُعد حلفا من شخصيات وأحزاب سياسية داخل سوريا تأسست في حزيران 2011، تهدف إلى سلمية الاحتجاجات والحوار السياسي، لها ثلاثة مبادئ: لا للتدخل العسكري الأجنبي ولا للطائفية ولا للعسكرة والعنف، ودعت في بداية الثورة إلى التفاوض دون رحيل الأسد، علاقتها جيدة مع إيران ويرأسها حسن عبد العظيم.

رابعا: خطوات روسيا من رياض1 إلى رياض2

1-تدمير البشر والحجر في سوريا (حلب وحمص وريف دمشق وريف حماة وريف اللاذقية…الخ) وتوسيع قاعدة انتشار جيش الأسد على الأراضي السورية.

2-استغلال ابتعاد أميركا عن المشهد وخاصة خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016م[7].

3-المصالحة بين بوتين وأردوغان عقب إسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا والضغط الروسي على تركيا اقتصاديا وعسكريا وسياسيا.

4-إدخال مصر والأردن وضمان مواقفهما.

5-السعي الدؤوب إلى وقف دعم المعارضة ولاسيما بعد الخلاف الخليجي.

6-احتواء تركيا وإيران، الدولتين الأكثر تأثيرا في سوريا.

7-تحقيق المزيد من الهدن والمفاوضات والمصالحات وخلق دور أساسي لقاعدة حميميم من خلال تفاهمات مع الفصائل الصغيرة وتأمين مصالحتها مع النظام

8-استطاعت أن تكون المايسترو الذي يقود الجوقة (إسرائيل-إيران-حزب الله-الأردن-العراق)

9-فرض واقع على المستوى الدولي بأنها الجهة الوحيدة القادرة على فرض تسوية في سوريا، رغم الإجرام والقتل وإقناع بعض الدول الأوروبية كفرنسا وألمانيا حول مسألة الأسد وأنه لا بد من تسوية سياسية.

10-امتلاكها قرار القوة في سوريا كرّس واقعا سلبيا من طرف الأمم المتحدة انعكس في أداء ديمستورا، وخاصة في ظل غياب الدور الأميركي والأوروبي وهشاشة الدور العربي.

11-إقناع أميركا بوقف دعم المقاومة السورية وكسب تأييدها في مناطق خفض التصعيد.

خامسا: انعقاد مؤتمر الرياض2

بعد تأجيله عدة مرات، عُقد المؤتمر باهتمام روسي بالغ، ووُجهت الدعوى إلى 144 شخصية سورية، ربعهم من النساء ومعظمهم شخصيات مغمورة، بحيث تم تجاوز كل الكتل والهيئات خلال التحضير للمؤتمر وعلى رأسهم الائتلاف المعترف به دوليا والهيئة العليا للمفاوضات، ولم يُقدَّم لهم جدول أعمال للمؤتمر، بالإضافة إلى فرض قبول منصة موسكو “حليف النظام” ومنصة القاهرة المقربة أيضا من النظام، ولم ترفض المعارضة السورية هذه الإجراءات، بل أيدت دمج المنصات والتوسعة الجديدة.

صدر البيان الختامي لمؤتمر الرياض2، وأكد على أن حل الأزمة السورية سياسي لتأسيس دولة المواطنة، وشدد على التمسك بوحدة الأراضي وسلامتها وسيادة الدولة المنشودة على كامل أراضيها، والتزم بأن سوريا دولة متعددة القوميات والثقافات ويضمن دستورها الحقوق لكافة المواطنين[8]، واعتبر القضية الكردية جزءاً من القضية الوطنية السورية وأن سوريا دولة ذات نظام حكم ديمقراطي على مبدأ اللامركزية الإدارية، وتحترم المواثيق الدولية وحقوق الإنسان ونظام حكم يمثل أطياف المجتمع السوري دون إقصاء، بالإضافة إلى حقوق الإنسان والمسائلة والمحاسبة والشفافية وسيادة القانون وتعهد الجميع بالحفاظ على مؤسسات الدولة وإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية ورفض التطرف والإرهاب والتدخلات الإقليمية والدولية وخاصة إيران وأكد الجميع أن المفاوضات غير المشروطة تعني أن كافة المواضيع تناقش على طاولة المفاوضات ولا تعتبر القرارات الدولية الصادرة شروطا مسبقة بما فيها شكل الحكم والصلاحيات وبما فيها موقع رئاسة الجمهورية والحكومة…الخ[9].

أ -نتائج مؤتمر الرياض:

  • ابتعاد شخصيات أساسية بارزة على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي، وعلى رأسها الدكتور رياض حجاب المعروف بثبات موقفه ضد محور روسيا وإيران والنظام.
  • تجسيد واقع عملي، وهو قبول منصتي القاهرة وموسكو كشركاء في المعارضة، بالإضافة إلى إظهار الهيئة على أنها لا تملك الشرعية الكافية لتمثيل الشعب السوري.
  • لن تستطيع المعارضة السورية ممثلة بالائتلاف البقاء داخل اللعبة السياسية في ظل دمج المنصات، ولن تستطيع تحمل التحولات الدولية والإقليمية في ظل التبعية وعدم وجود استقلالية في القرار، بالإضافة إلى قلة الخبرة والتقنية.
  • تستمر المعارضة بتقديم تنازلات دون ثمن، فبيان الرياض1 عام 2015 حدد بشكل مباشر أن هدف التسوية السياسية هو تأسيس نظام سياسي جديد، دون أي دور لبشار الأسد وزمرته، بينما في الرياض2 هدف التسوية السياسية تأسيس دولة ديمقراطية دون ذكر مصير الأسد، وفي الرياض1 تم التأكيد على المرحلة الانتقالية وبنودها استنادا إلى جنيف1، وهي من الثوابت إلى جانب تأسيس مؤسسات الحكم الانتقالي ومغادرة بشار الأسد الحكم، في حين أن الرياض2 أكد على عدم أحقية الشروط المسبقة، كما أنه لم يتطرق إلى مؤسسات الحكم الانتقالي.
  • الترحيب الروسي باستقالة الدكتور رياض حجاب يُقصد به أمران:
  • إسقاط المطالبة برحيل الأسد من خلال دمج منصة موسكو.
  • فتح الطريق لتشكيل حكومة وحدة وطنية بديلا عن الهيئة الانتقالية للحكم، والتي نص عليها بيان جنيف1 لعام 2012، وهذا يعني تثبيت النظام بموافقة المعارضة وتمهيد الطريق لانتخابات تشريعية يترشح فيها الأسد.
  • نقل الخطاب السياسي من الصفة التقريرية إلى الصفة المعيارية (البيان الختامي)
  • إظهار المعارضة السورية على أنها غير ناضجة، فهي لم تجتمع لولا الضغط الخارجي[10].
  • هناك حوالي 70 مدعو من المستقلين غير المنسجمين، ولا يعرفون بعضهم ولا يوجد أدنى تنسيق أو توافق، وهم بالتأكيد اختلفوا واصطدموا مع بعضهم داخل المؤتمر، مما أعطى رعاة المؤتمر الفرصة لفرض الأمر الواقع، بالإضافة إلى أن معظمهم بدون وزن سياسي أو مرجعيات.
  • الدعوة لحضور المؤتمر استندت إلى التفسير الروسي للقرار 2254 الذي يلحظ اجتماعات موسكو والقاهرة ولا يسمي منصتيهما، بخلاف النص الواضح الذي يجعل الهيئة العليا للمفاوضات مرجعية التفاوض مع نظام الأسد، وهو مخالفة صريحة من الجهة الداعية للمؤتمر لخلق شرعية جديدة في ظل تفاهمات روسية سعودية.
  • القبول بالمفاوضات غير المشروطة، وعدم أحقية أي طرف بوضع شروط مسبقة هو استبعاد لمصير الأسد رغم الإشارة إليه في البيان.

سادسا: التوصيات

  • رغم كل الثقل العسكري الروسي وأهميته بالنسبة للنظام السوري وإيران، إلا أنه لم يتمكن من فرض رؤية منفردة في سوريا حتى اليوم، وهذا يستدعي من القوى الثورية تنظيم صفوفها وترتيب بيتها الداخلي ومراجعة سلبياتها لتصويب طريقها، فهي أمام استحقاقات أوسع وأشمل.
  • يجب العودة إلى مبادئ الثورة الأولى وأنها ضد الظلم والاستبداد، ومن أجل إقامة نظام ديمقراطي ودولة مؤسسات وقانون.
  • دعوة جميع الفعاليات والهيئات والشخصيات إلى تحديد موقف واضح من مؤتمر الرياض2.
  • يجب أن يكون هناك خطط واضحة ورؤية مستقبلية تعمل عليها قوى الثورة وممثلوها.
  • التوقف عن تغييب الكفاءات السياسية القادرة على فهم السياسات الدولية نتيجة التنافس من قبل رجالات لا تملك المؤهلات.
  • إن المجلس الوطني حتى الائتلاف ثم الحكومة المؤقتة إلى كافة المؤسسات الموجودة كانت مثالا سيئا عن صورة لا تعكس سوريا المستقبل، ومعظمها مشبع بالفساد والمحسوبيات وعدم الكفاءة.
  • الابتعاد عن صراع الهويات والمكونات السورية التي أدت إلى انقسام المجتمع السوري وتشتيت الصفوف، وكذلك الفصائل التي صُنفت إرهابية بقرارات دولية.
  • الخروج من التبعية الإقليمية والدولية، فمعظم الفصائل تابعة لدول تدعمها سياسيا وماليا وتؤمن لها المشاركة في المؤتمرات.
  • خلق بيئة إعلامية هادفة تحقق مبادئ الثورة، والابتعاد عن التخوين والتناقض في التصريحات والمواقف.
  • كل دول العالم تواجدت في سوريا تحت مسمى محاربة الإرهاب ولم تستطع الثورة تحديد الإرهاب ونقل صورته ومحاربته واتخاذ موقف منه، وبقيت مرتبطة بمفهوم الدول الإقليمية والدولية.
  • كلما كثرت المؤتمرات التفاوضية تغيرت التوازنات على الأرض، ولذلك يجب وقف أي مؤتمرات لا تصب بخدمة القضية ولا تحقق الأهداف الكبرى.
  • ضرورة أن يكون للوفد المفاوض مكتب خارجي للعلاقات مهمته التفاوض مع ممثلي الدول، بالإضافة إلى مكتب إعلامي مهني بخطاب سياسي وطني، وأن يكون هناك خطط عمل واضحة وخطط بديلة تتضمن الخطط التنفيذية، وخاصة الانتقال السياسي.
  • تنظيم لجان حقوقية للتواصل مع منظمات حقوق الإنسان، والسعي لفتح جرائم إيران وروسيا والأسد ضد الإنسانية وممارسة كافة أنواع الضغط لإحالتهم إلى محاكم الجنائية الدولية.
  • على الوفد أن يدرك أنه مهما بلغت الضغوطات فهناك حاجة دولية إلى دوره وعليه أن يدعم نفسه بالشخصيات السورية المهنية والعلمية.
  • أي قرار ضد الأسد ونظامه سيواجَه بفيتو من منصة موسكو واحتمال منصة القاهرة وربما شخصيات أخرى مستقلة.
  • احتكار المشهد السياسي بهذه الشخصيات هو رؤية قاصرة للثورة السورية وليس لمعظمهم إمكانية تمثيلية.
  • الوفد يجب أن يُدعم بخبرات سياسية ودبلوماسية وقانونية وتقنية.
  • الجلوس مع النظام بدون شروط مسبقة أسقط شعار الثورة “الشعب يريد إسقاط النظام” والذي دفع الشعب السوري مليون شهيد ومليون ونصف معاق بالإضافة إلى المعتقلين والتهجير والدمار الحاصل.
  • المجتمع الدولي يسعى للتملص من عبء القرارات الدولية ومؤتمر الرياض يفتح المجال إلى سوتشي.

الخاتمة

المفاوضات الحالية والمؤتمرات تجري بين الدول الفاعلة في الصراع، والأمر يعود إلى ضعف كيانات الثورة وهشاشتها وتشرذم السوريين، ونظام الأسد لن يقدم شيئا ولا يمكن إلزامه بتقديم شيء، وعلى مدار سبع سنوات لا زالت الثورة تعيش دوامة مؤتمرات ومباحثات ولم تحقق أي تقدم ملموس وبقيت آلة القتل الأسدية الروسية الإيرانية تفتك بها، ويبدو أن المفاوضات واحدة من الأدوات التي تستخدم من قبل أطراف متعددة لتحقيق أهداف بعيدة تماما عما يصبو إليه الشعب السوري، ويبدو أنها بلا نهاية وتستثمر وقت الثورة وجهدها في إطار تفصيلاتها المملة والهدف الوحيد الذي تحقق من خلالها هو التدخل الخارجي الذي يضع الشروط والإملاءات.

وكي تفقد الثورة بوصلتها كان لا بد من حبك مؤتمرات لتتفاعل معها وتتوه في أحداثها وتفاصيل تفاصيلها حتى يُمحى من ذاكرة الثوار صلب القضية ويبقوا معلقين بما أريدَ لهم أن يتعلقوا به، فكانت جولات المؤتمرات والمفاوضات اللاعب الأساسي لدور التخدير.

الثورة أمام واقع جديد قديم وهو مؤلم وعليها مراجعة حساباتها مع الصديق قبل العدو وتقييم مسارها وإظهار سلبياتها قبل ايجابياتها بطريقة مهنية وعلمية، وإعداد الخطط للتحولات الجديدة لتدارك ما يحصل بسرعة، ومن المؤكد أن رياض2 عُقد ضمن تفاهمات إقليمية ودولية باتجاه بوصلة مؤتمر سوتشي.

أخفقت الثورة السورية في إنتاج طبقة سياسية تعبر عنها وتمثلها وهو أمر تتوالى نتائج آثاره الخطيرة اليوم، والموجود حاليا مرتهن وهو نتيجة فراغ سياسي وضعف مقدرة السوريين على إنشاء كيان وطني، فالأنانية وعدم الكفاءة والمهنية أصبحت تتصدر المشهد ويبقى الخيار الوطني الوحيد هو التمسك بثوابت الثورة والمواقف الوطنية التي اتفق عليها الشعب وأيدها وناضل من أجلها وقدم مليون شهيد عربونا لها، وتم إيداع وثيقتها في الجامعة العربية عام 2012.

في المحصلة، الشعب يريد إسقاط النظام، وإزاحة الأسد ومحاسبته مع أفراد عصبته وتشكيل  هيئة حكم انتقالية بكامل الصلاحيات ورفض ما يُفرض على الثورة دوليا وإقليميا بما لا يحقق مصالح وأهداف الشعب والثورة مهما كانت نتائجه وثمنه والطلب من المجتمع الدولي الالتزام بوثيقة جنيف1 واحترام إرادة وتضحيات الشعب السوري وسحب القوات الأجنبية والميليشيات الإرهابية وعلى رأسها حزب الله والحرس الثوري الإيراني وكذلك القوات الروسية وغيرها ومحاسبتهم على جرائمهم وأن تستعيد الثورة قوتها بشرعيتها المستمدة من الشعب السوري المطالب سابقا وحاليا ومستقبلا بالحرية والكرامة والعدالة ودولة القانون.

المصدر: مركز طوران للدراسات ، الرابط تجده هنا

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

مؤتمر الرياض2..الأسباب والنتائج

هيومن فويس تجري المفاوضات الحالية والمؤتمرات بين الدول الفاعلة في الصراع، وذلك بسبب ضعف كيانات الثورة وهشاشتها، ولأنه أُريد للثورة أن تفقد بوصلتها من خلال حَبكِ المؤتمرات لتتفاعل معها وتتوه في أحداثها وتفاصيلها حتى يُمحى من ذاكرة الثوار صلب القضية ويبقوا معلقين بما أريدَ لهم أن يتعلقوا به، فكانت جولات المؤتمرات والمفاوضات اللاعب الأساسي لدور التخدير، وما الرياض2 إلا حلقة في سلسلة تلك المؤتمرات. مقدمة اسم جديد يضاف إلى قائمة أسماء المؤتمرات من أجل سوريا، والذي عقد في المملكة العربية السعودية بعاصمتها الرياض بتاريخ 22112017 ولمدة يومين كاملين في ظل تغيرات كبيرة طرأت على مسار الثورة السورية، وكذلك على مواقف

Send this to a friend