هيومن فويس: مركز طوران للدراسات

تبلغ المساحة التي تخضع لسيطرة المعارضة السورية ضعف مساحة الشيشان، وعلى رغم أن حرب الشيشان دارت بين روسيا الاتحادية وإحدى الجمهوريات الفيدرالية (على حد وصف الروس) ولم تكن محل صراع إقليمي ودولي كما هو الحال في سوريا، إلا أنه يتعين على الفاعلين وصناع القرار في الثورة السورية أن يدركوا قدرات “عدوهم الروسي” ويفهموا استراتيجياته العسكرية والسياسية ويقرؤوا تاريخه وتجاربه، ويتحسسوا العقلية التي تتحرك بها القيادة الروسية والتي لم تتغير منذ أكثر من عقدين من الزمن، ولعل من أبرز التجارب الحديثة التي تستحق الدراسة والتأمل وتولد رؤية عميقة عن الاستراتيجية التي يتحرك بها الروس هو تعاملهم مع التجربة الشيشانية في نيل الاستقلال.

لقد زاد النفوذ الروسي على الخريطة السورية بعد تعزيز التدخل العسكري الروسي في النصف الثاني من العام 2015، بعد أن وافق “مجلس الاتحاد الروسي” على تفويض الرئيس “فلاديمير بوتين” باستخدام القوات المسلحة الروسية خارج البلاد إثر طلب الحكومة السورية لذلك، كما تعزز النفوذ الروسي أيضاً بعد الدور المحوري الذي لعتبه روسيا في المفاوضات السياسية في أستانة وهامبورج والقاهرة حول مناطق خفض التصعيد؛ والتي تهدف إلى وقف إطلاق النار، وفك الحصار عن المناطق المحاصرة والإفراج عن المعتقلين وعودة المهجرين تمهيدا لحل سياسي شامل بحسب التصريحات الروسية، إلا أن تلك الاتفاقات ما زالت محط الأنظار وقيد الاختبار، في ظل الخلافات الروسية الإيرانية والتفاهمات الروسية الأمريكية، وقدرة الضامن الروسي على الوفاء بالتزاماته.

إلا أنه بدا واضحا للجميع أن حلا قادما للمسألة السورية لن يكون دون موافقة روسية، ولن تَخلوَ لوحة الحل من لمسات الضباط والسياسيين الروس.

ومع هذا الدور المحوري الذي يلعبه الروس في سوريا، تعين على القيادات وصناع القرار في الثورة السورية والقائمين على المفاوضات فيها أن يدركوا قدرات “عدوهم الروسي” ويفهموا استراتيجياته العسكرية والسياسية ويقرؤوا تاريخه وتجاربه، ويتحسسوا العقلية التي تتحرك بها القيادة الروسية  والتي لم تتغير منذ أكثر من عقدين من الزمن، ولعل من أبرز التجارب الحديثة التي تستحق الدراسة والتأمل وتولد رؤية عميقة عن الاستراتيجية التي يتحرك بها الروس هو تعاملهم مع التجربة الشيشانية في نيل الاستقلال مرورا بحرب الشيشان الأولى ومفاوضاتها، وحرب الشيشان الثانية وخاتمتها المثيرة بقيادة رئيس الوزراء ” فلاديمير بوتين” الذي يرى في تلك التجربة نجاحا شخصيا وانتصارا لا يمكن محوه من ذاكرة روسيا الاتحادية، بعد أن كانت الشيشان مستنقعا لم يعرف الروس كيفية الخروج منه إبان الحرب الشيشانية الأولى، في حين أصبح “بوتين” يرى في الشيشان “رافعة” أوصلته إلى سدة الحكم، بعد نجاحه بحرب الشيشان الثانية.

وبالرغم من أن المساحة التي تخضع لسيطرة الثوار في سوريا قد تكون ضعف مساحة الشيشان، إلا أن تلك الرقعة الجغرافية (الخضراء) الخاضعة لنفوذ فصائل المعارضة السورية، باتت ممزقة مبعثرة من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، وبات التعامل العسكري والسياسي مع كل منطقة على حِدَة، وبشكل منفرد مستقل، وبات من الممكن جدا تنفيذ أي مخطط في ظل عدم وجود تمثيل سياسي وعسكري واحد للثورة السورية، بل وانقسام كل منطقة من مناطق الثورة على نفسها، علاوة على الانقسام العام الذي تعيشه ككل.

وبالرغم من أن حرب الشيشان يمكن اعتبارها حربا داخلية أيضا، بين روسيا الاتحادية وإحدى الجمهوريات الفيدرالية (على حد وصف الروس) ولم تكن محل صراع إقليمي ودولي كما هو الحال في سوريا، إلا أنه يمكن سحب تلك التجربة على مناطق متفرقة من سوريا، كالغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي مثلا، رغم الدور المحوري الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية و بعض الدول الإقليمية، إلا أن موقع تلك المناطق وتعرضها للحصار وعدم كونها مناطق حدودية يقلل من الصراع الإقليمي عليها ويترك للروس حرية الحركة والتعامل معها نسبيا، كما أنه من المؤكد أن روسيا استفادت من بعض فصول التجربة الشيشانية لتطبقها في حربها الدائرة في سوريا، ومما يزيد احتمالية استنساخ التجربة الشيشانية أو الاستفادة منها أن المُخَطِّطَ في الشيشان وسوريا واحد؛ وهو رئيس الوزراء الروسي “فلاديمير بوتين”، ومن جانبه صرح الرئيس الشيشاني “رمضان قديروف” في وقت سابق أن سوريا تعتزم دراسة تجربة الشيشان في مكافحة الإرهاب[1].

تناقش هذه الورقة البحثية التجربة الشيشانية ومراحلها، والاستراتيجية الروسية لإنهاء الصراع فيها، مع محاولة لتحليل تلك التجربة ومقاربتها بتطورات الثورة السورية والاستراتيجية الروسية في التعامل مع المناطق المحررة فيها.

الباب الأول: مراحل التجربة الشيشانية، والاستراتيجية الروسية لإنهاء الصراع

أولا: الشيشان لمحة جغرافية

أ _ الموقع والتضاريس

تقع الشيشان في منطقة جبال (القوقاز) – التي تمتد بطول 60 ميلاً ما بين البحر الأسود غربًا وبحر قزوين شرقًا – وهي في الجنوب من موسكو (بحوالي 1000 ميل)*، ويحدها من الجنوب كل من داغستان وجورجيا، وداغستان وروسيا شمالا، وأوسيتا الشمالية وأنجوشيا غربًا[2].

وتتنوع طبيعتها الجغرافية ما بين غابات وجبال ـ يفوق ارتفاعها 4000م ـ وسهول وأنهار، ومناخات تتراوح بين الباردة والمعتدلة، وتتراكم الثلوج في الشيشان كل عام من أوائل تشرين الثاني، حتى أواخر آذار بسمك يتراوح بين 1 إلى 1.5 مترا، وحددت تلك الظروف المناخية والطبيعة الجغرافية طبيعة الحرب والقتال فيها منذ العهد القيصري وحتى اليوم[3] ، وتعد حاليا إحدى جمهوريات روسيا الاتحادية وتخضع لنفوذها المباشر وتتمتع بحكم ذاتي في الوقت نفسه، عاصمتها (غروزني) التي أنشئت عام 1817م, وهي كلمة شيشانية تعني المرعب، وتستأثر بحوالي ثلث سكان الشيشان، وهي مدينة محصنة تقع على رابية حول نهر السونج.[4]

ب _ المساحة والسكان

رغم شهرتها، إلا أن الشيشان ذات مساحة محدودة تبلغ (17.000 كم2)[5]، إلا أن الحكومة الروسية قامت باقتطاع مساحات منها لتبلغ مساحتها في الوقت الحالي (15800 كم2)[6] لتحاكي مساحتها مساحة دولة قطر العربية تقريبا، والتي تبلغ مساحتها (11437 كم2)[7]، ويستطيع المرء أن يقطع جمهورية الشيشان بالسيارة من الشمال إلى الجنوب في نحو ساعتين ومن الشرق إلى الغرب في أقل من ساعة.[8]

(وعددُ الشيشانيين في العالم ـــ رغم التقديرات المختلفة ـــ حوالي مليون ونصف نسمة، وإن غالبية الشيشانيين (حوالي المليون) كانوا يعيشون في الشيشان قبل الحرب الشيشانية الأولى 1994 ـــ 1996 في حين كان هناك تواجد للشيشانيين أيضا بأعداد ذات شأن في روسيا وكازاخستان وجورجيا وتركيا وسوريا والأردن وكان استقرارهم في هذه الدول ــــ إلى حد كبير ــــ نتيجة الترحيل الجزئي للسكان بين القرن 19 والقرن 20 ومن بعده الترحيل في العام 1944).[9]

ثانيا: الشيشان …قراءة تاريخية حتى إعلان الاستقلال

لم تنعم الشيشان في تاريخها القديم أو الحديث بالهدوء والاستقرار، بل كانت بشكل دائم على صفيح من نار، وشكل لها موقعها الجيوسياسي والجيواستراتيجي أهمية بالغة، وخطرا دائما بسبب أطماع الدول الكبرى بمنطقة القوقاز، وعلى رأس تلك الدول روسيا القيصرية بتقلباتها الشيوعية ثم الاتحادية الفدرالية، حيث بقيت لها اليد العليا في الشيشان عبر أغلب المراحل التاريخية التي مرت بها.

أ _ الشيشان تحت الحكم الإسلامي

بدأ انتشار الإسلام في الشيشان في القرن الثامن الميلادي في عهد الأمويين، ولكنه كان انتشارا بطيئا حتى القرن السادس عشر الميلادي، وقد انتشر الإسلام بجهود الحركات الصوفية، التي عرفت بالمريدية، وارتبطت بالمقاومة ضد الروس في القرن الثامن عشر الميلادي.

والشيشانيون جميعهم من السُّنَّة، وهم شافعيو المذهب، ولا يوجد بينهم يهودي أو مسيحي شيشاني، وأكبرهم ثلاث عشائر الأرستغوي والنوختشي والغلغاي.

كما كانت منطقة القوقاز قبل الغزو الروسي تحت السيطرة العثمانية، عدا أذربيجان التي كانت تحت سيطرة الصفويين في إيران، أما شمال القوقاز – ومنها بلاد الشيشان – لم تكن تحت السيطرة المباشرة للعثمانيين، بل كانت تحت نفوذهم، وقد كانت هذه الشعوب راضية بهذا الوضع بسبب العقيدة والمذهب، كون الدولة العثمانية بمنزلة المرجع الديني لهم، لكونها “حاملة راية الخلافة الإسلامية”.[10]

ب _ الأطماع الروسية في الشيشان

بدأت الأطماع الروسية في القوقاز قبل أكثر من ألف عام، وبالتحديد عام 943م، وأخذت روسيا تحتل المناطق القوقازية منطقة تلو الأخرى، وما إن حل عام 1785م، حتى تحولت جميع المناطق الشمالية من القوقاز بما فيها الشيشان إلى ولايات روسية، ولم تهدأ جذوة النضال ضد المستعمرين الروس، وظهر الشيخ منصور الشيشاني الذي نظم المقاومة ضد المحتلين الروس، وجاء بعده الإمام مولى الداغستاني وقاد ثورة الداغستان والشيشان مقتفيا أثر الشيخ منصور، وخلفه الإمام شامل في المقاومة، وقد حشدت القيادة القيصرية له (200) ألف رجل، أي حوالي ثلث الجيش القيصري، وقامت بهجوم كبير هزمت على إثره الشيشان وداغستان عام1859م.[11]

ج _السيطرة السوفيتية على الشيشان

لم تخمد الثورة الشيشانية كليا حتى قيام الدولة البلشفية عام 1917م، حيث تجددت حركة التحرير لتحاول الشيشان أكثر من مرة تكوين جمهورية مستقلة، مستغلة أحداث الثورة الشيوعية، إلا أن الشيشان بقيت خاضعة لنفوذ الاتحاد السوفيتي وتعرضت لحملات التهجير بحجة تعاون القوقازيين مع الألمان في الحرب العالمية الثانية.

د _جوهر دوداييف وإعلان الاستقلال عام 1991م

مع نهاية عقد الثمانينات بدا الاتحاد السوفيتي منهكا، وما لبث أن فكك أجزاءه بنفسه، فأعلن الشيشان الاستقلال عام 1991م، وقاد حركة النضال المطالبة بالاستقلال “جوهر دوداييف”* الذي أصبح في 2 تشرين الثاني عام 1991م رئيسا للجمهورية بعد انتخابات فاز فيها بنسبة 80% من بين ثلاثة مرشحين”[12]، وبإشراف 27 دولة معترف بها في الأمم المتحدة ليشهد المراقبون الدوليون على نزاهتها، وبإعلان دوداييف الاستقلال عن الاتحاد الروسي عاد الصراع الروسي الشيشاني إلى الواجهة وبلغ أوجه في عام 1994 ـ 1996م، فيما بات يعرف بحرب الشيشان الأولى.

ثالثا: الحرب الشيشانية الأولى 1994 ـ 1996م[13]

أ _ التمهيد لحرب الشيشان الأولى … جوهر دوداييف والصراع الداخلي مع حلفاء الروس

بعد انتخاب “جوهر دوداييف” رئيسا للشيشان أقسم اليمين على القرآن الكريم، ولم يقسم على الدستور الروسي، وتم وضع أول دستور للبلاد، ونص الدستور على أن الأديان منفصلة عن أعمال الدولة، وتم الإعلان عن تأسيس معهد الدولة للدراسات الإسلامية بالعاصمة غروزني، وأرسل دوداييف الوفود الشيشانية إلى الأقطار العربية والإسلامية للتعريف بالقضية الشيشانية، وبادر إلى تصفية الوجود السوفييتي في الشيشان بجميع أشكاله، وأمر بمحاصرة الحاميات العسكرية الروسية بالمسلحين الشيشان الذين كانوا يهاجمون بأسلوب مبتكر، وذلك بأن يتقدم حشود من النساء والأطفال ليضمنوا امتناع الجنود الروس من إطلاق النار عليهم، وكانت هذه العمليات تجري بقيادة القائد الميداني “شامل باسييف”، وفي أيار 1992م تركت القوات الروسية جميع الأسلحة الثقيلة وانسحبت من الشيشان، وأمر  حينها الرئيس الروسي يلتسن* بفرض حالة الطوارئ في الشيشان، وتحركت قوة عسكرية روسية إلى غروزني لفرض حالة الطوارئ، لكن عشرات الآلاف من المواطنين احتشدوا في مطار غروزني ومنعوا القوات الروسية من الهبوط، وإثر ذلك قام جوهر دوداييف بتشكيل وحدات الجيش الشيشاني وتشكيل الكتيبة الإسلامية لمن يرغب من مسلمي القوقاز في التطوع، وواجهت بعض الهيئات الموالية للسوفييت “جوهر دوداييف” معتمدة على ولاء وزارة الداخلية السوفيتية في الشيشان، وعمل السوفييت على تشكيل ضغط داخلي وخارجي على دوداييف، حيث رفضت روسيا الاعتراف به كرئيس شرعي للشيشان، واستطاعت روسيا أن تمنع تطور الشيشان اقتصاديا، كما أنها منعت السلاح والتدريب عن الجيش الشيشاني، وذلك في محاولة منها لمنع دوداييف من تشكيل جيش قوي وتعرضت الشيشان لحصار خانق، وسعى دوداييف للتقارب مع موسكو وتجنب التصعيد معها والدخول في حالة حرب بشرط اعترافها بالجمهورية الشيشانية جمهورية مستقلة في المجتمع الدولي، إلا أن موسكو أصرت على اعتبارها جزءا من الاتحاد الروسي وسعت لتقويض حكومة دوداييف، ودبرت له أكثر من محاولة اغتيال باءت جميعها بالفشل.

ب _ محاولة الانقلاب الفاشلة

تابعت موسكو دعم الأحزاب والجماعات المعارضة داخل الشيشان، وفي 26 تشرين الثاني 1994م وبإيعاز من موسكو قامت المعارضة بهجوم كبير على العاصمة غروزني لاحتلالها، وقامت قوات المعارضة برئاسة عمر افتورخانوف بإرسال بعض الآليات الثقيلة لمفاجأة القوات الحكومية الشرعية، واستخدمت المعارضة أسلحة ثقيلة في هجومها وألقت بكل ثقلها معتبرة هذه المحاولة الأمل الوحيد في إسقاط دوداييف وبدأت الهجوم بـ 6 دبابات T72، وفرضت حصارا على غروزني وقامت 40 مروحية بتمشيط العاصمة وضرب الأهداف الاستراتيجية فيها، وفي الأيام التالية تلقت المعارضة تعزيزات روسية مكونة من 25 دبابة ثقيلة ودارت معارك عنيفة بين قوات دوداييف وقوات المعارضة، وتمكنت المعارضة من دخول غروزني وبعد ساعتين اقتربت دبابات المعارضة من قصر الرئاسة وأصبحت على بعد أمتار منه، وهنا تصدت لها قوات جوهر بكل شراسة وسرعان ما تحقق النصر لهم واضطرت قوات المعارضة والقوات الروسية التي آزرتها إلى التراجع تاركة وراءها مائتي فرد بين قتيل وجريح وأسير، وعدد كبير من المدرعات المحترقة، لتسقط آخر ورقة بيد موسكو للتأثير على دوداييف من داخل الشيشان، ما دفع يلتسن للدخول في مواجهة سافرة مع قوات جوهر دوداييف فيما بعد.

ج _ حرب الشيشان الأولى 1994 ـ 1996م

إثر فشل المحاولات الروسية بالقضاء على الحركة الانفصالية الشيشانية عبر وكلائها هناك، أصدر يلتسن مرسوما يقتضي شن هجوم روسي واسع على الشيشان في 7 كانون الأول 1994م، وكان ذلك مفاجئا للروس وللعالم كله، ولعل أبرز أسباب اتخاذ هذا القرار:

  • حرصه عل تماسك الاتحاد الروسي، فاستقلال الشيشان يمثل تشجيعا للقوميات الأخرى.
  • محاولة روسيا الظهور بمظهر القوة وأنها ما زالت قوة عظمى بعد تفكك الاتحاد السوفيتي والفشل في أفغانستان والانسحاب منها.
  • طمع روسيا بالنفط الشيشاني ورغبتها بالتحكم بأنابيب النفط المارة من أذربيجان إلى الشيشان نحو الغرب.
  • صرف أنظار الروس عن المشاكل الداخلية والفشل الاقتصادي والمجاعات الداخلية بمشاكل وحروب خارجية.
  • بسط الأمن والبطش بالمؤسسات الديمقراطية داخل روسيا.

كان الاستعداد لهذه الحرب من قبل جوهر دوداييف قائما، وقد علم بإعلان يلتسن قبل إصداره فتأهبت قواته المؤلفة من /15/ ألف مقاتل، واستنفرت التشكيلات العسكرية بما فيها صواريخSS22، ورحّل النساء والأطفال إلى الجبال بعيدا عن غروزني، وذكرت مصادر صحفية أنه ارتدى الكفن استعدادا للموت دفاعا عن بلاده.

في الوقت الذي كانت فيه روسيا عالقة بعدة حروب أخرى وبأزمات داخلية عدة، كان يرى يلتسن أن حربه في الشيشان حرب سهلة خاطفة كما صورها له وزير الدفاع الروسي بقوله: “إن فرقتين من قوات المظلية الروسية تستطيع أن تنهي الوضع في الشيشان خلال ساعتين فقط”.

وهكذا أمر يلتسن /40/ ألفا من قواته بالزحف إلى الشيشان ومعهم أحدث الأسلحة الثقيلة، في حين نبههم جوهر دوداييف أن يدركوا تاريخ الشعب الشيشاني ونضاله القديم ويقرؤوا تاريخهم وفشلهم في أفغانستان مصرحا: “إن أفغانستان ليست سوى نزهة مريحة أمام ما ستلاقونه في الشيشان”.

بدأ الهجوم الروسي على ثلاث محاور مدعمة بالدبابات والمدفعية والطائرات، وتصدى المقاتلون الشيشانيون للغزو الروسي وألحقوا به الخسائر الكبيرة بقيادة جوهر دوداييف ميدانيا، واستطاعت غروزني الصمود لثلاثة أسابيع أمام الحملة الشرسة التي لم تميز بين الأهداف المدنية والعسكرية، قبل أن يتمكن الروس من دخول المدينة في 31 كانون الأول 1994م، ولم يكن هذا الاقتحام يعني السيطرة على غروزني، بل بدء المعارك والمقاومة في أزقتها وشوارعها لأكثر من شهر أمام ما ترميه الدبابات والمدفعية من قذائف، وما تلقيه الطائرات من صواريخ حولت المدينة إلى مدينة أشباح، وذكرت العالم ببرلين أيام الحرب العالمية الثانية، ولم يستطع الروس دخول القصر الرئاسي، والتف المقاتلون حول القيادة التاريخية لجوهر دوداييف حسب ما وصفها المجاهدون والباحثون، وبقي العلم الشيشاني حتى الأسبوع الثالث من شهر شباط للعام 1995م يرفرف فوق قصر الرئاسة الذي أصبحت ساحته مقبرة للدبابات الروسية، ودارت في رحاها أعنف المعارك وأحبط المقاتلون المتمركزون في القصر والأبنية المجاورة محاولات الروس البائسة قبل أن يستقدم الروس تعزيزاتهم ليصل عدد القوات الروسية في الشيشان لنحو /400/ ألف جندي وتبدأ في بداية الأسبوع الرابع من شهر شباط معركة هي الأعنف مدعومة بعشرات الدبابات والطائرة وتنهال القذائف على غروزني بمعدل قذيفة في كل 30 ثانية.

وفي 21 شباط سقط قصر الرئاسة  بعد /73/ يوما من المعارك العنيفة والخسائر الكبيرة في صفوف القوات الروسية، إلا أن جوهر دوداييف ومن بقي معه من المقاتلين الشيشان انسحبوا إلى الجبال لترتيب عمليات جديدة بعد سقوط العاصمة الذي لم يعنِ خسارة الحرب، وقاوم المدنيون العزل الجيش الروسي وخرجوا في وجهه بالآلاف ورفضوا قراراته، وتحولت استراتيجية المقاتلين نحو حرب العصابات وتنفيذ العمليات الانغماسية في العمق الروسي، وظهر شامل باسييف القائد العسكري الشيشاني على الساحة بعد عملية “بوديونوفسك” في عمق الأراضي الروسية لإجبار روسيا على إجراء مفاوضات مع الشيشان دون قيد أو شرط، تمهيدا للوصول إلى اتفاق ينهي الحرب، ويجبر الروس على الانسحاب والاعتراف باستقلال الشيشان.

د _ عملية “بوديونوفسك”

قاد شامل مجموعة مكونة من /143/ مقاتلا في 13 حزيران 1995م بعملية ناجحة خطف فيها نحو  /1500/ رهينة روسية بعد الهجوم على أحد المستشفيات الروسية، وكانت العملية مفاجئة للرأي العام الروسي والعالمي، خاصة أن روسيا أعلنت أن المقاومة الشيشانية قد انتهت تماما، وأصدر يلتسن أوامره للقوات الروسية بالتحرك على الفور واستخدام الحسم العسكري، وتوجهت الوحدات الخاصة التابعة للمخابرات إلى “بوديونوفسك” لمهاجمة المستشفى فاستهدفت رماياتها الرهائن والمقاتلين الشيشان ولم تنجح بإطلاق سراح الرهائن، ما أرغم رئيس الحكومة الروسية على إجراء اتصال هاتفي مع القائد شامل باسييف بُثَّ على الهواء مباشرة وطلب شامل إجراء استفتاء في روسيا عن الوضع في الشيشان إلا أن ذلك رُفض، ثم اشترط باسييف وقف إطلاق النار  والأنشطة العسكرية وبدء محادثات في الشيشان، وقدم الجانب الروسي ضمانات للمقاتلين الشيشان بعدم ملاحقتهم ومتابعتهم أو منعهم من الوصول إلى أماكن يأمنون فيها، وقد انتهت العملية بخروج المقاتلين الشيشان ومعهم /190/ رهينة بينهم /160/، صحفيا، و /8/ نواب أعضاء في الدوما، وأرغمت عملية “بوديونوفسك” الروس على توقيع اتفاق مع الشيشان نص على وقف الأعمال العسكرية وتبادل الأسرى ووقف كل العمليات الفدائية، ونزع سلاح المقاتلين الشيشان بعد انسحاب القوات الروسية من جمهورية الشيشان مع السماح للشيشانيين بالاحتفاظ بوحدات للدفاع الذاتي تضم كل منها ما يصل إلى /20/ رجلا في كل قرية أو مستوطنة، أما بالنسبة لشامل باسييف فقد انحنى أمام الروس المختطفين، وطلب منهم المعذرة وكرر “سامحوني” ثلاث مرات مؤكدا أنه كان مكرها لا بطلا.

ھ _ عملية الذئب الوحيد

كان من الممكن أن تكون عملية “بوديونوفسك” آخر العمليات الشيشانية لو التزم الروس بتعهداتهم وتعاملوا مع قضية الشعب الشيشاني بجدية، إذ أن روسيا لم تلتزم بالاتفاقية التي وقعتها مع المقاتلين الشيشان واستمرت في تتبع المقاتلين الشيشان جوا وبرا، لتعود العمليات العسكرية ويتمكن المقاتلون من إصابة قائد القوات الروسية في الشيشان، ليشن المقاتلون الشيشان بعدها عملية شبيهة بعملية شامل باسييف ولكنها هذه المرة بقيادة “سلمان رادويف”  /28/ سنة صهر “جوهر دوداييف” في التاسع من كانون الثاني 1996م.

حيث تمكن من التسلل مع مجموعة من الفدائيين مكونة من  /150/  فدائيا إلى قرية “بيروفوماسكايا” الروسية واستطاع أسر  /1500/ رهينة في مستشفى “كزليار”، ليصدر يلتسن أوامره مصرا على خيار القوة في حل قضية الرهائن هذه المرة أيضا، لتطوق القرية بآلاف الجنود وعشرات الدبابات وتصدر الأوامر بقصف القرية واجتياحها ليُقتل جميع الرهائن وتُدمر القرية الصغيرة بالكامل.

 إلا أن اللافت بالعملية أن “سلمان رادويف” استطاع الانسحاب بالوقت المناسب مصطحبا 60 رهينة روسية مدنية، وقد علق الرئيس جوهر دوداييف على عملية صهره: “ستكون هناك مئات العمليات المشابهة إذا لم ينسحب الروس من الشيشان”.

و _اغتيال جوهر دوداييف

إن اشتداد ضربات المقاتلين الشيشان على القوات الروسية أدى لانهيار الروح المعنوية ودفع روسيا للبحث عن سبل لقلب الموازنة خاصة بعد عملية “يرش ماردي” التي راح ضحيتها أكثر من /60/ جنديا وضابطا روسيا، وكان الانتقام لهذه العملية إحدى أهم الدوافع التي جعلت الروس يجددون التخطيط لاغتيال “جوهر دوداييف” بعد عدة محاولات فاشلة.

ليتم بعدها اغتيال جوهر دوداييف في الساعة العاشرة والنصف من مساء يوم 21 نيسان 1996م إثر استهدافه بغارة جوية روسية، بعد مكالمة هاتفية أجراها مع أحد البرلمانيين الروس حول طبيعة الاتفاق بين الشيشان وروسيا، عندها أقلعت طائرتان روسيتان من إحدى المطارات القريبة وقامت بعملية الاغتيال هذه.

وبعد ثلاثة أيام من الحزن والأسى على القائد الشيشاني اجتمع قادة الشيشان وأعلنوا مبايعة سليم خان ياندرباييف رئيسا مؤقتا للشيشان لمتابعة النضال من أجل الاستقلال والحرية.

ز _ سليم خان ياندرباييف… رئيسا مؤقتا للشيشان

تابع ياندرباييف نهج جوهر دوداييف في محاربة الروس واستمرت المعارك والعمليات العسكرية ضد الروس وأعلن أنه سيستمر بالنضال حتى نيل الاستقلال، ومع اقتراب الانتخابات الروسية أعلن يلتسن إعلانا مفاجئا صرح فيه أنه مستعد للاجتماع بالقادة الشيشانيين، وإجراء مفاوضات معهم[14]، وبالفعل أبدى ياندرباييف استعدادا لبدأ تلك المحادثات والمفاوضات، ليتم عقد اللقاء المرتقب في موسكو 27 أيار 1996م بين ياندرباييف ويلتسن وليتم التوقيع على اتفاق تضمن “وقف الأنشطة العسكرية في الشيشان تمهيدا لإجراء مفاوضات سياسية، وتم الاتفاق على تبادل الأسرى خلال أسبوعين”، ثم زار يلتسن الشيشان للمرة الأولى أواخر أيار 1996م زيارة خاطفة أكد خلالها أنه سيسحب عددا من الوحدات العسكرية الروسية من الشيشان، مؤكدا في الوقت نفسه أن الشيشان جزء لا يتجزأ من روسيا ولن يسمح بانفصالها على حد تعبيره، إلا أن ما جرى على الأرض مغاير للاتفاق والتصريحات التي أدلى بها يلتسن خلال حملته الانتخابية واستمر القصف الروسي، وكان الرد الشيشاني باستهدافهم القوات الروسية بعدة عمليات راح ضحيتها مئات القتلى، وكانت العملية الكبرى التي خططوا لها هي إعادة السيطرة على العاصمة الشيشانية “غروزني”.

ح _ تحرير غروزني:

بعد أن أيقن الشيشانيون أن هذه المفاوضات عبثية لكسب الوقت وخداع الرأي العام الروسي والعالمي، وضع قادة المقاتلين الشيشان خطة محكمة لاقتحام غروزني والمدن الشيشانية الكبرى وانتزاعها وتحريرها من القوات الروسية وإرغامها على الدخول في مفاوضات حقيقية لإنهاء الحرب، وتم تحديد السادس من آب 1996م موعدا لبدء الهجوم الشامل على غروزني وغيرها من المدن الشيشانية، وفي الصباح شن الشيشانيون هجومهم بقيادة “شامل باسييف” في حين قامت قوات أخرى بالهجوم من محاور أخرى، ليتمكنوا من بسط سيطرتهم الفعلية على غروزني عدا بعض الجيوب الصغيرة في فترة وجيزة، حيث تم قتل وأسر المئات من الجنود الروس وتم حصار أكثر من /7/ آلاف جندي روسي وكانت العملية بالتزامن مع تنصيب يلتسن في موسكو لفترة رئاسية ثانية، وتم إلقاء القبض على الحكومة الشيشانية الموالية لروسيا ومن بينهم رئيس البرلمان الشيشاني، ومدير الأمن الفيدرالي في الشيشان، وقام الروس بالانسحاب من غروزني مرتكبين مجازرا مروعة أثناء انسحابهم انتقاما من الشيشانيين، وبعد هذا الانتصار صرح شامل باسييف أنه مستعد لإجراء مفاوضات مع الروس وأنه مستعد لاستقبال الروس في غروزني المحررة وتأمين الحماية الكاملة لهم، قبلت روسيا العرض وأُرسلت وفدها ليلتقي بأصلان مسخادوف رئيس الأركان الشيشاني، حيث تم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، ولكن الروس كعادتهم لم يلتزموا به فاستأنف الشيشانيون حرب التحرير وألحقوا بالروس هزيمة نكراء وقطعوا طرق الإمدادات واشتد الحصار على الجنود الروس، وبعد خروج الأمور عن السيطرة الروسية اضطر الروس إلى توقيع اتفاقية (خاسيا فورت) والتي تضمنت:

  • وقف إطلاق النار على كامل الأراضي الشيشانية مع بدء الانسحاب الجزئي للقوات الروسية والشيشانية من العاصمة غروزني، وتشكيل دوريات مشتركة من قوات الشرطة لإعادة النظام.
  • تضمن الاتفاق تحديد الوضع القانوني المستقبلي للجمهورية الشيشانية التي استقلت عن روسيا منذ 1991م، وذلك في 31 كانون الأول 2001م، وأن يتم ذلك وفقا لمبادئ حقوق الإنسان وحق تقرير المصير عبر استفتاء شعبي مؤجل، وحتى ذلك الحين فإن على موسكو إعادة إعمار الجمهورية التي دمرتها الحرب تماما وفتح مطار غروزني…

وفي توقيع الاتفاقية إشارات تعمق من دلالات استقلال الشيشان، التي خاضت الحرب دون أي دعم خارجي كما صرح وزير الخارجية الشيشاني “إننا لم نتلق دعما خلال حرب الاستقلال من أحد غير الله ولم تدعمنا أي دولة عربية أو إسلامية”[15].

وبسبب بطء سير الاتفاقات والضغط الشعبي المتزايد الذي تعرضت له روسيا إثر خروج مظاهرات طالبت بإنهاء الحرب في الشيشان، عُقد اتفاق جديد اقتضى سحب لواءين روسيين من الشيشان ليتم بعد ذلك انسحاب آخر جندي روسي في 5 كانون الثاني 1997م.

ط _ أصلان مسخادوف … رئيسا منتخبا للشيشان

بعد انسحاب القوات الروسية، تم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية هي الثانية في البلاد بعد انتخابات عام 1991 ليفوز بها أصلان مسخادوف بنسبة 67% وذلك بإشراف ومراقبة دوليين.

وقد شارك أصلان بالمعارك ضد الروس بصفته رئيسا للأركان، وأُعلن عنه رئيسا شرعيا للشيشان في الثاني عشر من شباط 1997م، وبعد تسلمه الرئاسة شرع أصلان مسخادوف باتخاذ القرارات الهادفة إلى تنظيم البلاد وإحلال الأمن والنظام وفرض هيبة الدولة، كما تبنى قيام الدولة على أسس إسلامية وصرح أنه لا تَعَارضَ بين الإسلام والديمقراطية الحرة.

وعقدت روسيا آمالها على أن يكون موقف مسخادوف أقل صلابة من جوهر وباسييف، إلا أن تصريحاته تعالت بالدعوة لاستقلال الشيشان، ما زاد تخوف الروس ودعاهم لفرض حصار جديد على الشيشان والتحذير من الاعتراف بها كدولة في المجتمع الدولي، في حين قام مسخادوف بإرسال البعثات لمختلف الدول، ما زاد من غضب الروس، وأعقب ذلك بتعيين شامل باسييف نائبا أولا لرئيس الوزراء ـ في محاولة منه لإرضاء التيارات المتصارعة في الشيشان ـ ما اعتبرته موسكو إهانة لها، وخاصة أن قرار العفو عن المقاتلين الشيشان لم يشمل باسييف، وبقي أصلان على مواقفه حتى توقيع “معاهدة عن السلام ومبادئ العلاقة بين الاتحاد الروسي وجمهورية إيتشكيريا “الشيشان” الإسلامية” في 12 أيار 1997م بين الرئيس الروسي الشيشاني أصلان مسخادوف والرئيس الروسي بوريس يلتسن.

ثم وقع مسخادوف مع رئيس الوزراء الروسي عدة اتفاقيات أخرى تتعلق ببناء المشاريع وإطلاق سراح المعتقلين واتفاقات أخرى تتعلق بمجال النفط، وتابع مسخادوف نشاطات حكومته الدبلوماسية حيث زار عدة دول عربية وأجنبية منها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والمملكة العربية السعودية وغيرها في محاولة لنيل اعتراف دولي باستقلال بلاده.

كما نما الاقتصاد الشيشاني ـ بعهد مسخادوف ـ بشكل تدريجي ليتم ترميم 40% مما دمرته الحرب في فترة وجيزة، وسعى مسخادوف بإرساء قواعد الشريعة الإسلامية وتطبيق قواعدها في المحاكم وإصدار المراسيم المتعلقة بمنع الاختلاط وارتداء الزيّ الإسلامي ومنع إنتاج الكحول وفتح المدارس الإسلامية وجعل تدريس الديانة الإسلامية إلزاميا في جميع المدارس بعد أن كان ذلك ممنوعا في العهد السوفيتي.

لم تلق عملية إرساء الشريعة الإسلامية قبولا روسيا ودوليا، خاصة ما يتعلق بتنفيذ حكم الإعدام من قبل المحاكم الإسلامية بحق بعض المجرمين، وقد ندد بذلك الرئيس الروسي يلتسن شخصيا، وأن ذلك يتنافى مع التزامات روسيا بحماية حقوق الإنسان ويتنافى مع قواعدها الفيدرالية[16]، في حين رد مسخادوف أن ذلك ضروري لمكافحة الجريمة وأن عددا من أحكام الإعدام ستنفذ في الأيام القادمة، وقد تناغم الإعلام الغربي والأمريكي مع الحملة الروسية ضد الإسلام في الشيشان وتوالت التصريحات المحرضة والمخاوف الروسية من تحالف قوقازي إسلامي وبادر شامل باسييف إلى الاجتماع مع قادة الداغستان وتم تشكيل اتحاد شعبَي الشيشان والداغستان لترسيخ وحدة الشعبين ودعم استقلالهما ـ من وجهة نظر باسييف وخطاب ـ  ومعروف أن داغستان حينها كانت تحت النفوذ الروسي، إلا أنها تعيش حالة انتفاضة ضد الروس، وفي 20/5/1998 قاد نادر حاج اللايف احتجاجا ضد السياسة الروسية ورأى البعض أن هذا سيجر لحرب جديدة مع موسكو، في حين رأى آخرون أنه أمر طبيعي ينم عن إرادة شعبية، واقتداء بالتجربة الشيشانية.

رابعا: الحرب الشيشانية الثانية 1999 ـ 2002م

أ _ ذريعة الحرب وشرارتها الأولى (إعلان إمارة إسلامية في داغستان)

لم تعجب النهاية التي خُتمَت بها الحرب الشيشانية الأولى الكثير من السياسيين والعسكريين الروس، خاصة وأن ما حققته الشيشان بات حافزا لاستقلال العديد من جمهوريات روسيا الاتحادية، وأبرزها جمهورية “داغستان” المجاورة، حيث علت فيها الصيحات المطالبة بالاستقلال، إلا أن تركيبة المجتمع الإثنية والعرقية شديدة التنوع، رأت في الوجود الروسي صمام أمان يمنع حكم طائفة على حساب الطوائف الأخرى، ومع ذلك فقد استطاع “بهاء الدين محمدوف” تشكيل عدد من الفصائل المسلحة، ورغم أن الحكومة في غروزني لم تدعمه إلا أنه نال تأييدا كبيرا من “شامل باسييف” و “سلمان راديوف” و “خطاب”، التيار الأكثر راديكالية بين المجاهدين الشيشان، وما لبث أن تحول هذا التأييد لمشروع توحد وإعلان دولة إسلامية، سُبقت بعملية عسكرية في الأراضي الداغستانية، وقد أفصحت هذه العملية عن فشل ذريع وتسرع وتهور لدى القيادة الميدانية الشيشانية، ففي حين لم يكن هناك علم لدى الرئيس الشيشاني “أصلان مسخادوف” والعديد من القيادات الأخرى لم تُعرْ العملية أي اعتبارات بميزان القوى، سار باسييف بأقل من ألفي مقاتل!! للعبور نحو داغستان وتحرير عدة قرى فيها وإعلانها إمارة إسلامية هناك، وتوحيدها مع الشيشان التي لم تكن مؤهلة لذلك، فلم تستطع “إمارة داغستان” الصمود شهرا واحدا، أمام الهجوم الروسي، كما أن المقاتلين الشيشان تفاجؤوا بعدم التأييد الداغستاني الإسلامي للعملية، في حين ظنوا أنهم سيُستقبلون استقبال الفاتحين ويثور معهم الشعب الداغستاني، إلا أن النتائج أتت خلافا لتلك التوقعات، ويؤيد المراقبون الداغستانيون أن العملية سارت بعلم الاستخبارات الروسية لجعلها ذريعة لفتح جبهة شمال القوقاز مجددا “كانت التشكيلات المسلحة تقترب مشيا نحو قرية انسلتا تحت بصر القوات الروسيةِ وكان القطاع مرئيا من المطار الواقع قرب القريةِ ولم تعترض القوات الروسية هذا السير فيما كانت طائرة عمودية واحدة تكفي لإبادتهم!”[17]، وبعد سيطرة باسييف وخطاب على عشرة قرى داغستانية تقريباً، وفي الخامس من آب 1999م تحديدا، أعلن رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية عن إرسال وحدات كبيرة من قوات الجيش إلى داغستان[18] بعد تشكيل مجلس الشورى الإسلامي الذي قاده شامل باسييف وكان خطاب “سامر  بن عبد الله السويلم” قائد المجاهدين العرب في الشيشان نائبا له ـ ومن الجيد أن ننبه أن باسييف ومن معه من معارضي أصلان مسخادوف الذي أنكر صلته بالعملية.

في ٢٤ آب ١٩٩٩م دخلـت القـوات الاتحادية الروسية القرى الجبلية في داغسـتان بعد أن انسحب منها المقـاتلون الشيشانيون الذين سيطروا عليها ما يزيد على الأسـبوعين واجهوا خلالها هجمات روسية شرسـة، إلا أن ذلك لم يكن يعنى نهاية الحرب في شـمال القوقاز وإنما نقل ميدان القتال للشيشان، وهو ما كان يحذر منه مسخادوف منذ اندلاع القتال في داغسـتان[19].

ب _ بداية الحرب الشيشانية الثانية

توترت العلاقات بين روسيا والشيشان إثر ما جرى في داغستان، وصرح فلاديمير بوتين (رئيس الوزراء المعين حديثا) بضرورة ملاحقة الإرهابيين داخل الأراضي الشيشانية، واتهم الجمهورية بدعم هؤلاء المقاتلين، ومن ناحية أخرى وبحلول أيلول من العام 1999م أصبح القصف الروسي على الأراضي الشيشانية شبه يومي[20].

ومما أجج العلاقة الشيشانية الروسية حينها حدوث عدة تفجيرات في العاصمة الروسية موسكو راح ضحيتها أكثر من مئتي مدني روسي، لتتوجه أصابع الاتهام إلى المقاومة الشيشانية مباشرة دون أن تتبنى تلك العملية، في حين صرح خطاب بأن العملية ليست من تخطيطه ولا تنفيذه، بل إن الداغستان الذين واجهتهم روسيا بالقصف والتشريد هم من عبّروا عن حقهم بهذه الطريقة.

وحاولت حكومة غروزني تهدئة الأمور مع موسكو  وإجراء الاتصالات لتجنب وقوع هذه الحرب، إلا أن أمارات قبول الحرب بدت تلوح بالأفق، ولم يكن تعنت روسيا في شن هذه الحرب هو المشكلة الوحيدة أمام الشيشانيين، بل كان التصدع الداخلي يضرب بأعماق الشيشان، مع بدء المعركة ودخول القوات الروسية إلى الأراضي الشيشانية، أصدر مسخادوف أثناء القتـال مرسـوماً بإعفاء المفتي أحمد الحاج قادروف من منصبة واتهمه بتقويض الاستقلال والدفع نحو تصديع الأمة، وهو ما جاء بسبب رفـض المفتـي تبني فكرة إعلان الجهاد ضد روسيا، وتأكيـده على ضرورة مناهضة التطـرف الأصـولى وملاحقة الأصوليين، وقد وجد المفتي في القائد الميداني سليم ياماداييف بمنطقة جـوديرميس (ثانية كبريات المدن الشيشانية ) حليفاً ناصـره في معركته ضد الأصوليين منذ عـام ١٩٩٨م، وكان المفتي قد اقترح من قبل على مسخادوف أن يتم تسليم مدبري الغزو الشيشاني لداغستان إلى سلطات جمهورية داغستان، ولـيس إلـى القوات الفيدرالية على اعتبار أن هذه الخطـوة تمثل حلاً وسطاً يكفل للجميع ماء الوجه، إلا أن مسخادوف رفض ذلك الاقتراح وبعد أن قام مسخادوف بإقصاء قـادروف، أعلن شامل باسييف نفسه مفتياً للشيشان مع أن الهيئات الإسلامية هناك لم تنتخبه كما هو المفترض”[21]، ومع بدء الاجتياح البري للشيشان تطورت أحداث هذا الهجوم سريعا، وأجرى قاديروف مفاوضات مع روسيا أدت إلى استسلام عدة قرى شيشانية دون أي طلقة، كما قاتلت العديد من المجموعات الشيشانية المحلية إلى جانب القوات الروسية، وانضم لها بعض المحسوبين على قيادات الشيشان ـ ومنهم عمدة غروزني السابق على سبيل المثال ـ وتتابعت الأحداث والمعارك الشرسة إلى أن تم حصار غروزني تمهيدا لاقتحامها، وكان أمام المقاتلين الشيشان خياران اثنان: إما الانسحاب إلى الجبال وتجنيب المدينة حربا ضروسا ودمارا شاملا، أو اتخاذ قرار الصمود، وفي غضون ذلك أبدى مسخادوف استعداده للتفاوض وحل الميلشيات غير الشرعية وشجب الإرهاب، إلا أن بوتين أصر على ضرورة ما أسماه “تحرير الشعب الشيشاني” ليستمر حصار غروزني قرابة العام، تردت خلاله الأوضاع الإنسانية داخل غروزني، وبدأ القادة العسكريون يبحثون عن مخرج لتجنيب المدنيين مزيدا من المآسي، إلا أن قرار العملية العسكرية الروسية كان أقرب من قرار الانسحاب، حيث بدأ نحو 50 ألف جندي روسي مدعوم بالدبابات والطائرات إضافة لألفي جندي شيشاني موالٍ للقوات الروسية، بدؤوا الهجوم تحت غطاء مدفعي كثيف، حيث قصفت غروزني منزلا منزلا، وبقيت آثار الدمار التي وصفتها الأمم المتحدة حينها بأنها المدينة الأكثر دمارا على وجه الأرض.

ومع بدء تلك العملية العسكرية واحتدام المعارك، انسحبت إحدى الفصائل الشيشانية المرابطة من أحد المحاور، ما أدى إلى خلل كبير تسبب بزعزعة داخلية في صفوف المقاتلين الشيشان دفعهم في نهاية المطاف إلى الانسحاب الكامل من المدينة تحت قصف القوات الروسية، لتتم في 6 /2/2000 السيطرة الروسية الكاملة على مدينة غروزني.

وليتم بعدها مطاردة المقاتلين في الجبال الشيشانية، وتَحول استراتيجية المقاتلين الشيشان نحو حرب العصابات والتركيز على العمليات الفدائية في العمق الروسي، ليرد الروس بدورهم بسلسلة من عمليات الاغتيال التي استهدف أغلب القيادات الشيشانية، حيث لحق العديد منهم بقائد الاستقلال “جوهر دوداييف” ورحلوا على نفس الطريقة “الاغتيال” مع خلافات بسيطة في طريقة التنفيذ، حيث تم اغتيال “خطاب” قائد المجاهدين العرب في الشيشان ونائب شامل باسييف، باستخدام السم الذي وصله عبر رسالة قدمها له بعض الجواسيس، وذلك في عام 2002م، ويُقتل أصلان مسخادوف الرئيس الشيشاني السابق بعملية خاصة نفذتها المخابرات الروسية في العام 2005م، وتتم تصفية شامل باسييف في انفجار سيارة للذخيرة قيل أنه من تدبير المخابرات الروسية أيضا في العام 2006م، كانت هذه أبرز عمليات الاغتيال التي عصفت بقيادة العمل الشيشاني المسلح، الذين تفرق شملهم بين قتيل وطريد وأسير، فقد توفي سلمان رادويف الذي اعتقلته أجهزة الأمن الروسية اف اي بي (كي جي بي سابقا) في العام2000م في منطقة بيرم، وأُدين أمام المحكمة العليا في داغستان بتهمة احتجاز رهائن في مستشفى كيزليار، العملية التي مر عليها البحث سابقا، [22]
كما تمت مطاردة الشيشانيين في الشتات وتمت عدة عمليات اغتيال بحقهم، منها عملية اغتيال الرئيس الشيشاني الأسبق سليم خان يندرباييف الذي كان خلفا لجوهر دوداييف، ويعد من أبرز الممولين للحركة الجهادية في الشيشان، وذلك يوم الجمعة 13/2/2004م، في العاصمة القطرية الدوحة إثر انفجار قنبلة يدوية وهو يستقل سيارته،[23]
كما جرى استسلام عدد من القادة الاستقلاليين بمن فيهم وزير الدفاع السابق محمد خامبيف وقائد الحرس الرئاسي السابق شارع تورلايف وقائد قوات القسم الخاص بوريس ايداميروف.. وآخرون،[24] ليعلن رئيس أجهزة الاستخبارات الروسية نيكولاي باتروتشيف في العام 2002م في تصريح نقلته وكالة أنتر فاكس أن القوات الروسية قتلت حوالي ألف مقاتل شيشاني منذ بدء العام الجاري، وأشارت مصادر عسكرية روسية إلى مقتل ستة منهم خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة.

وقال باتروتشيف الذي تتولى أجهزته العمليات الحربية في الشيشان أن القوات الروسية نفذت حوالي/1800/ عملية خاصة على الأراضي الشيشانية هذا العام، ضبطت خلالها حوالي /4500/ قطعة سلاح فردية،[25] ليكون عام 2002م هو العام الذي يمكن اعتباره نهاية للحرب الشيشانية الثانية بحسب مؤرخين.

ج _ الشيشان الجديد … بقيادة أحمد قاديروف

اتجهت روسيا من جانب الحل العسكري للعب على الخلافات الداخلية بين الشيشانيين حيث تغيرت الخريطة الشيشانية بعد نهاية الحرب الأولى على نحو أبرزَ غلبةَ التيار الإسلامي على القومي والشيوعي، ولكن انقسم هذا التيار بين روافد عدة اختلفت بدورها، فهناك تيار “الجماعة” الذي يدعو إلى إعلان دولة إسلامية فورا ويرفض الهدنة ويدعو إلى الجهاد ضد روسيا وهو الذي يضم باسييف، وتيار الإسلاميين المعتدلين والذي يؤيد مسخادوف، وتيار الطرق الصوفية وعلى رأسها المفتي أحمد قديروف.[26]

ويصعب تحليل شخصية قاديروف المتناقضة التي خاضت حروب الاستقلال وأيدت الاحتلال فيما بعد، فقد كانت “الخطب النارية للمفتي أحمد قاديروف في عام 1995م حينما كان صوته ينادي الشيشانيين على دقات طبول الحرب: “أيها الرجال، يا من تدافعون عن الإسلام والشيشان، ها هو مصير أوطانكم بين أيديكم، إذا كنا لا نزيد عن مليون مجاهد يواجهون  /150/  مليونا من الروس فإن القضاء على روسيا نهائيا لا يستوجب أكثر من أن يقتل كل رجل منا  /150/ كافرا منهم”[27] وكان أحمد قاديروف قد ولد في كازاخستان عام 1951م  وكانت أسرته ضمن مئات الألوف من الشيشانيين الذين اقتلعهم السفاح  السوفييتي ستالين وفرض عليهم التهجير القسري خلال الحرب العالمية الثانية، و اشتغل منذ صغره بحفظ القرآن الكريم، وبعد أن أنهى دراسته الثانوية وعمل ميكانيكيا في إحدى المزارع الحكومية، درس في عدة مدارس ومعاهد دينية مثل مدرسة بخاري الإسلامية ومعهد طشقند الإسلامي، وأصبح نائبا لإمام المسجد الجامع في مدينته غودير ميس عام 1986م، ثم سافر لاستكمال دراساته الإسلامية في الأردن عام 1990م، وفي عام 1993م عُين في منصب مساعد المفتي العام للشيشان، وحينما استعرت حرب الشيشان الأولى (1994-1996) عين في عام 1995م مفتيا للشيشان في اجتماع حضره سليم خان ياندربييف وأصلان مسخادوف وشامل باسييف وقادة وأئمة آخرون بعدما رأوا في قاديروف مقومات علمية* وكاريزمية أهّلته آنذاك لتولي هذا المنصب البالغ الأهمية في جمهورية تشهد أكبر عاصفة في تاريخها الحديث، وخلال هذه الحرب صنفت موسكو قاديروف واحدا من أخطر أعدائها في الشيشان لقدرته البلاغية على شحن عاطفة الشيشانيين بقدسية الجهاد ضد الروس “الكفار”، واعتبر بوريس يلتسن أن إسقاط رأس قاديروف أثمن من إسقاط رأس أصلان مسخادوف الذي انتخبه الشعب الشيشاني في 27-1-1997م رئيسا لخمس سنوات،[29] إلا أن تحولا كبيرا طرأ على مسيرة الرجل في العام 1999م حين قام اللواء الإسلامي بقيادة باسييف وخطاب بالهجوم على داغستان وبدت أمارات حرب جديدة مع الروس تلوح بالأفق، أعلن قاديروف رسميا -كمفتٍ للشيشان- عدم شرعية ما قامت به جماعة خطاب وباسييف، وصرح بالقول:  “إذا كنا نعتبر أنفسنا كيانا مستقلا فقد حدث انتهاك وعدوان من قِبلنا -نحن الشيشانيين- على روسيا الفيدرالية فوق أراضي داغستان، وأنا أعتبر ذلك خيانة من جانبنا لاتفاقية الصلح الموقعة بين يلتسن ومسخادوف في عام 1996م، لقد دخل المقاتلون إلى المناطق الأكثر تدينا، وحيث لا يوجد أناس ناطقون باللغة الروسية، وعندما دخلوا إلى هناك سمع المهاجمون الأذان، فتعجب بعض المقاتلين العرب المشاركين بالهجوم، والذين خُدعوا بأمر الجهاد ضد الكفار، فطلبوا العودة، لكن تمت تصفيتهم في اللحظة الأخيرة”.[30]

وفيما يصفه كثير من المقاتلين الشيشان والمحللين بالعميل الخائن؛ الذي أعدته روسيا منذ زمن بعيد ليقوم بالاطلاع على دخائل المقاومة ومعرفة أسرارها وتسليحها ومصادر تمويلها ونقاط الضعف فيها، وإبلاغ كل هذه المعلومات إلى أجهزة المخابرات الروسية التي كان يرأسها فلاديمير بوتين، يبرر قاديروف موالاته للروس بأنه الخيار الأمثل للحفاظ على ما تبقى من الشيشان، حيث صرح قاديروف بأنه قال لمسخادوف عند الدخول الثاني للقوات الروسية عام 1999م: إن الفرصة الوحيدة لتفادي الحرب تتمثل في إصدار أمر بطرد كافة الأجانب، وعلى رأسهم خطّاب، بالإضافة إلى تجريد شامل باسييف من كافة الرتب والمسؤوليات، ورفع دعوى ضده ولو كإجراء شكلي يهدف تحاشي انتقال الحرب إلى أراضينا، بالإضافة أيضًا إلى خطر كافة الحركات المتطرفة مهما كانت تسمياتها، وكان جوابه أن هذا ما تريده موسكو، ولذلك لن أقدم على هذه الخطوة، وهنا افترقت بنا الطرق على حد قوله.

ليبني قاديروف علاقاته المنفردة مع الكرملين والاستخبارات الروسية، ويكون له الدور الأكبر في عملية بسط النفوذ الروسي على الأراضي الشيشانية “كما لعب دورا خطيرًا في تسليم مدينة “جودِرْمس” -ثاني أكبر المدن الشيشانية- للقوات الروسية دون طلقة رصاص واحدة، مما حافظ على المدينة من التدمير الشامل الذي واجهته العاصمة”[31]، ومع انتهاء الحرب الشيشانية بالسيطرة على غروزني وملاحقة المقاتلين إلى الجبال وقتل وأسر واستسلام العديد منهم، فاز قاديروف سنة 2003م في انتخابات [مزيّفة] بالرئاسة الشيشانية حيث لم يترشّح ضده أحد.. ففاز بالتزكية.. وفى 9 أيار 2004م وَقع انفجار ضخم في ملعب دينامو بغروزني- خلال الاحتفال بيوم النصر-  أدى إلى مصرع الرئيس الشيشاني أحمد قديروف واثنين من حرسه ورئيس مجلس الجمهورية حسين عيساييف، كما أسفر الانفجار عن مقتل ما لا يقل عن /32/ شخصا، وجرح نحو /46/ آخرين بينهم القائد العسكري الروسي في القوقاز الجنرال فاليري بارنوف.”[32]

وانتهت بذلك قصة قاديروف الغامضة والمثيرة، وفيما اتهمه الكثيرون بالعمالة والخيانة،أَثبَتت بعض آرائه وتوجهاته صحتها، حيث لم يثمر تهور الطرف الآخر وتضحياته، باسييف ومن معه، بتحقيق الآمال الشيشانية بالاستقلال، بل جلب للشيشان حربا غير متكافئة لم يكن الشيشانيون جاهزين لها وأضاع الحلم الشيشاني تحت رماد الدمار وبين شعاب الجبال، ليكون المسلك الذي سلكه مسخادوف السياسي البارع والعسكري الناجح هو الأكثر صوابا ورجحانا، لو التفّ حوله كل من جماعة باسييف وقاديروف، إلا أن ما حدث خلاف ذلك، كما أن تسارع الأحداث وتطورها السريع وما قدمه قاديروف من عمالة مباشرة للروس إضافة لرفض الروس التفاوض معه أو مساومته في ظل توفر قائد جديد “قاديروف” أكثر ولاء وانصياعا، جعل مسخادوف يميل لمعسكر باسييف وخطاب على الرغم من الخلافات القديمة بينهم وعلى الرغم من توافق الرؤية بينه وبين قاديروف ـــــ قبل انطلاق ــــــ الحرب على ضرورة المضي ببناء الشيشان أولا والنهوض بالجمهورية وتطوير أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية قبل التفكير في أي مشاريع إقليمية، وذلك قبل أن يصبح قاديروف بالنسبة لمسخادوف العدو رقم واحد.

وهكذا انتهت الحرب الشيشانية وضاع الحلم الشيشاني وانتهت معه قصة رفقاء السلاح جميعا “قاديروف ومسخادوف وباسييف”، الذين قتلوا جميعا على التوالي في الأعوام 2004م ـ 2005م ـ 2006م.

ليتولى رئاسة الجمهورية الشيشانية “رمضان قديروف”، تاليا أبيه بحكم البلاد بقبضة حديدية، حتى سماه البعض ببوتين الشيشان، إلا أن “الاستثناء الوحيد في قبضة قديروف هو اعتماده على الدين لاكتساب شرعيته بين مسلمي الشيشان مهما بدا ذلك زائفًا، ومهما أثار حفيظة التقدميين من الروس في موسكو، ففي بلد يحظر تعدد الزوجات يدافع قديروف علنًا عن حقه في اتخاذ أربعة زوجات، وإن ادعى أنه لم يجد امرأة جميلة بما يكفي فعليًا لتصبح زوجته الثانية، كما أنه أمر النساء بتغطية رؤوسهن، ومنع تداول الخمور، ويتفاخر عادة بابنه الحافظ للقرآن وهو لا يزال في السادسة من عمره.”[33]

خامسا: الاستراتيجية الروسية لإنهاء الصراع

أ _حرب الشيشان الأولى … تحليل استراتيجي

كان للأهمية الجيوسياسية والجيواسترتيجية لمنطقة القوقاز بشكل عام والشيشان بشكل خاص دور كبير في استبسال روسيا لإعادتها إلى الحظيرة الفيدرالية منذ إعلان الاستقلال على يد جوهر دوداييف 1991م، إلا أن توقيت الإعلان كان صعبا على الروس الذين كانوا يعيشون مرحلة انتقالية تتمثل بالردة عن الشيوعية إلى أقصى درجات الرأسمالية، حيث انهار الاتحاد السوفيتي في ذلك العام، وبدت روسيا عاجزة أمام دعوات الاستقلال تلك، ليتمثل ردها بدعم أنصارها، بشكل مباشر أو غير مباشر، دون التخطيط الكافي لكسب الحرب، ومع التقاط الأنفاس وبعد ثلاث سنين فقط عام 1994م عقد الروس العزم للقضاء على الحركة الانفصالية في الشيشان، لما تمثله من خطر على الأمن القومي الروسي، وعلى وحدة روسيا الاتحادية حيث سيشجع نجاح الشيشان في نيل استقلالها باقي دول وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، لتسير على نفس الدرب بحسب ما يراه السياسيون والعسكريون الروس، (وفي حال سقوط القوقاز الكبير في قبضة القوميين الإسلاميين، ربما تختفي الدولة الروسية في شكلها الحالي، وتتم “يوغسلفتها” بدينامية التفكيك بعوامل وتطورات داخلية متتابعة أو بتدخل مباشر من الغرب، يقول بوتين في هذا الإطار: “إذا لم نوقف المتطرفين في الشيشان اليوم فسنواجه غدا يوغسلافيا ثانية في أراضي روسيا الاتحادية كلها”)[34] إلا أن العملية العسكرية الروسية في الشيشان رغم نجاحها المبدئي وسقوط غروزني بيد الروس، لم تستطع تحقيق الأهداف المرجوة، بل سرعان ما انقلبت الطاولة على الروس ليتمكن الشيشانيون من هزيمتهم، وينالوا استقلالهم مجددا.

ولعل أبرز عامل في هذا النصر هو التفافهم حول قيادة واحدة متمثلة ب “جوهر دوداييف” وعدم تسرب الخلافات والمشاريع المتضاربة إلى قيادات المجاهدين، الأمر الذي كان له الدور الأكبر في انتصار الروس في الحرب الشيشانية الثانية 1999م،كما كان التكتيك العسكري المتبع متمثلا بحرب الاستنزاف متميزا جدا، إذ كانت أعداد القتلى والأسرى الروس في العملية الواحدة تصل لعدة مئات وكان تدمير الآليات بالعشرات، وحسب تقارير واردة فإن ما خسره الروس في الحرب الشيشانية الأولى تجاوز ما خسروه خلال حرب أفغانستان بسنيها العشرة.

ومن الإنصاف أن يُذكر هنا دور باسييف وخطاب وراديوف وغيرهم ممن قادوا العمليات العسكرية التي لم يعرف لها التاريخ الحديث مثيلا في براعة التخطيط وشجاعة التنفيذ، إلا أن تلك البطولات والتضحيات لم يتم استثمارها بالشكل الصحيح، ولم توضع في مسار متكامل مع باقي الجهود الرامية لاستقلال الشيشان، خاصة بعد انتصار المقاتلين في الحرب الشيشانية الأولى.

وعَوداً على ذي بدء؛ فقد أثرت تلك المعارك الطاحنة على مجريات الأمور، لتدفع روسيا بقيادة يلتسن، إلى التفاوض مع الشيشانيين وتوقيع اتفاق مبدئي مرضٍ لهم، وغامض المعالم، أدى في الوقت نفسه إلى انسحاب الروس من الشيشان، ولم يكن أمام الروس خيار آخر، فقد بدت الشيشان مستنقعا مخيفا، كما تعالت الأصوات المعارضة في الداخل الروسي رافضة هذه الحرب “الخاسرة” بكل المقاييس.

وهكذا يمكن تلخيص استراتيجية المقاتلين الشيشان:

  • التفافهم حول قيادة واحدة والتركيز على هدف واحد تمثل باستقلال الشيشان.
  • صمودهم في حرب الاستنزاف وتمتعهم بإرادة قتال عالية، واتباعهم لتكتيكات عسكرية مبتكرة أبرزها تنفيذ عدة عمليات في عمق الأراضي الروسية.
  • قدرتهم على التفاوض في الوقت المناسب وتمتعهم بالمرونة السياسية الكافية، فلم يمانع الرئيس الشيشاني من استقبال الوفد الروسي على أراضي الشيشان، بل دعاهم للتفاوض أكثر من مرة، بل إنه زار روسيا في وقت لاحق.

في حين افتقرت الاستراتيجية الروسية لأية معالم واضحة، ولم يتمتع السياسيون والعسكريون الروس بالذكاء الكافي الذي يؤهلهم لاستثمار إمكانياتهم الهائلة وكسب الحرب، إذ كان الاعتماد الكلي على سياسة الأرض المحروقة، وكان هناك استهتار كبير بتقدير قدرات الخصم حين تباهى وزير الدفاع الروسي حينها بأن الحرب ستحسم بعد ساعات من انطلاقها، إلا أن الحرب استمرت سنتين وكلفت روسيا آلاف القتلى والجرحى.

ب _ حرب الشيشان الثانية … تحليل استراتيجي

كانت المدة الفاصلة ما بين حرب الشيشان الأولى وحرب الشيشان الثانية هي الفيصل الحاكم والميزان الذي حدد الطرف المنتصر في الحرب القادمة، فماذا جرى على الصعيد الشيشاني، وما استجد في الاستراتيجية الروسية؟

1_ على الصعيد الشيشاني:

لقد ارتكب المجاهدون الشيشان عدة أخطاء استراتيجية حرفت مسارهم وأضاعت مكتسباتهم وقطعت المسافة الفاصلة بينهم وبين الحرب الشيشانية الثانية، وساهمت في الهزيمة السريعة فيها.

■ الخلافات الشيشانية الداخلية تعصف بمنجزات الحرب

جرت الانتخابات الرئاسية في الشيشان في تموز ١٩٩٧م وتنافس فيها ثلاثة مرشحين عبّروا عن القوى السياسية المختلفة داخل الشيشـان، فكان هناك شامل باسييف القائد الميداني الذي تطالب موسكو برأسه، ويعبـر عـن الاتجـاه المطالب بالاستقلال الفوري للشيشان، وهنـاك سليم خان ياندرباييف الذي كان نائباً لجـوهر دوداييف وتولى مقاليـد السـلطة بعـد مقتـل دوداييف وكان ياندرباييف معبراً عـن ذلـك الاتجاه الذي لا يرى مانعاً من الانتظار لفتـرة انتقالية على طريق الاستقلال، وأخيراً هنـاك أصلان مسخادوف الذي وقّع الاتفاق الأخيـر واعتبرته روسـيا آنـذاك رمـزاً للاعتـدال الشيشاني وكان يحظى بقبولها، وتحقق ما كانت تأملــه موســكو بفــوز مســخادوف بالانتخابات التي حضرها مراقبون من روسيا.[35]
وفي اليوم الأول الذي أدى فيه مسخادوف يمين الولاء بعد انتخابه رئيسا، خرج الرئيس السابق سليم خان يندرباييف من القاعة مع بعض أنصاره، ولم يلتق بمسخادوف إلا في المحكمة الشرعية عندما أقسم بأنه لم يحاول اغتياله، وفي اليوم نفسه قال باسييف إن نتائج الانتخابات مزورة معلنا عدم اعترافه بشرعية الرئيس.

وامتلك كل قائد ميداني رؤيته الخاصة للخروج من الأزمة الاقتصادية والسياسية، ولم يخف أي منهم طموحه في الاستحواذ على السلطةِ لأن كل منهما يتزعم فصائل مسلحة، ولديه كل الأسباب للاستقلال الذاتي، وبقيت الأمور على هذه الحالِ بمعنى تقسيم الشيشان إلى ولايات قبلية لكل منها شيخها.[36]

■أصلان مسخادوف وحيدا في وسط الميدان

كان هناك تياران اثنان بارزان يتجاذبان الساحة الشيشانية، فمن جهة التف حول باسييف وخطاب عدد كبير من المجموعات المسلحة التي حملت أفكارا أكثر تشددا وطالبت بسرعة تشكيل دولة إسلامية، وإعادة إطلاق العمليات العسكرية ضد الروس، كان هناك تيار آخر تمثل بأحمد قاديروف وعدد من المجموعات الملتفة حوله والذي طالب “بمناهضة التطرف الأصولي وملاحقة أنصاره وطردهم”. ليبقى مسخادوف وحيدا يكافح من أجل نيل اعتراف دولي ببلده ولا يهدأ متنقلا من بلد إلى بلد يُعرّف المسؤولين عن قضية الشيشان وحقه بالاستقلال، ويسعى بخطوات راسخة لتحقيق نهضة إسلامية وأخرى اقتصادية، وقد اجتهد بالجمع بين الخيار الديمقراطي وتعاليم الشريعة الإسلامية، و نُقل عنه في إحدى التصريحات أن الإسلام لا يمانع في أن يختار الشعب حاكمه، إلا أن القادة الميدانيين “واصلوا اتهام مسخادوف بسبب افتقار جمهوريتهم للسلطة المركزية، متناسين بذلك أنهم من أفقدها السلطة المركزية القوية، فما إن ينوِ الرئيس الشيشاني اتخاذ قرار لا يتماشى مع رغباتهم، حتى يسارعوا إلى إرسال فصائلهم المسلحة إلى غروزني، كلهم فعل ذلك في أوقات مختلفةِ وكانوا أثناء الحرب يشيدون بكفاءة مسخادوف، العقيد في الجيش السوفيتي؛ وعندما أصبح رئيسا صار عميلا للكرملين!

وسعوا إلى الإطاحة به بإعلان تطبيق الشريعة الإسلامية، ويترتب على ذلك تغيير نظام الحكم ورأس السلطةِ، بَيد أن الرئيس الشيشاني سبقهم إلى إعلان تطبيق الشريعة في نهاية 1998م، الأمر الذي جردهم من هذه الورقة”[37].

وقد قربت هذه الخطوة غير المدروسة أصلان مسخدوف من التيار الجهادي المتمثل بخطاب وباسييف، على الرغم أن مسخادوف لم  يكن راضيا تماما عن هذه الخطوة، وكان يرى تأجيلها لحين توطيد الأمن وترسيخ الاستقلال، إلا أن الضغط المتزايد من تيار باسييف أجبره عليها، وبعد اشتعال الحرب الثانية ورفض بوتين إجراء أي مفاوضات مع الشيشانيين، وجد مسخدوف نفسه في خندق باسييف وخطاب، متخفيا في جبال الشيشان الوعرة، وقد أضاع الشيشان فرصته الذهبية بنيل استقلاله، بل واعتراف روسيا الضمني بقيادة الشيشان المتمثلة بمسخادوف يوم أن استقبل الرئيس الروسي يلتسن الرئيس الشيشاني أصلان مسخدوف في الكرملين في وقت سابق، وكذلك الأمر يوم زار الرئيس الأسبق سليم خان يندرباييف روسيا والتقى يلتسن هو الآخر، حيث بادره يلتسن بزيارة مماثلة خاطفة للشيشان، إلا أن تعنت التيار الجهادي واستمراره بعمليات الخطف والتفجير واستهداف الروس مدنين وعسكريين أثار حفيظة الروس، وسرع خططهم عندما توج التيار الجهادي عملياته بدخول داغستان وإعلان الدولة الإسلامية، الأمر الذي استجر القوات الروسية التي أطاحت بالحلم الشيشاني.

■الاستعجال بمظاهر الأسلمة التي أثارت الرأي العام العالمي

لقد أثّر الاندفاع الكبير لدى المجاهدين الشيشان ورغبتهم في تحقيق أملهم في إقامة دولة إسلامية على مجريات الأمور، حيث لم يفضل المجاهدون إحداث تغيير تدريجيي لا يلفت الانتباه، ولا التريث لتدعيم الاستقلال ورص الصفوف الداخلية وبناء قوة حقيقية، وقد كان لإقامة المحاكم الشرعية وتنفيذ أحكام الإعدام بحق بعض المفسدين دور كبير في تأجيج الرأي العالمي ضد القضية الشيشانية*.

■التوسع السابق لأوانه نحو داغستان بدخول اللواء الإسلامي إليها بقيادة شامل باسييف

لم تكن مظاهر الأسلمة وحدها التي ساهمت في تصنيف الجماعات المقاتلة في الشيشان، بل كان للعملية الفاشلة التي قادها شامل باسييف وخطاب، في داغستان وأدت لانسحاب سريع سبقه إعلان دولة إسلامية موحدة بينها وبين الشيشان، كان لها الدور الأكبر في ذلك، وقد أقر باسييف لاحقا بخطئه في هذه العملية طالبا المغفرة من أصلان مسخادوف لعدم إعلامه بها، ولعل لتلك العملية دلالات عديدة على عدم إدراك المجاهدين حينها لميزان القوى وعدم قدرتهم على تقدير الموقف بالشكل الصحيح، حيث لم يتجاوز عددهم الألفي مقاتل، وأدى الطمع بتحقيق مكتسبات كبيرة لا تتناسب مع حجم الإمكانيات المتاحة لفقدان كل شيء أمام هذه القوة العظمى.

كما نمّ عن رجوح رأي أصلان مسخدوف ورسوخ خطواته، والذي عارض العملية ونفى أن يكون له أي علم بها، إذ كيف لمجموعة لا تتعدى الألفي مقاتل أن تقيم وحدة بين داغستان والشيشان، وتقيم دولة إسلامية وتجابه دولة عظمى!! والشيشان حينها منقسم على نفسه وأولى بتوحيد نفسه مِن توحده مع غيره، وقد شكلت تلك العملية ذريعة مهمة لنقض الاتفاقات الروسية وتغطية الحملة المسعورة على الشيشان والتي أدت لانهيار الحلم الشيشاني، وتنطوي صفحة الشيشان في بناء نفسه وتدعيم استقلاله والتي امتدت لنحو /3/سنوات.

أضف إلى ذلك أنه “في ظل استشعارها الخطر من المد السلفي على وضعها باعتبارها ممثلا للإسلام الرسمي، بادرت الإدارة الدينية المحلية للمسلمين في داغستان بطلب للبرلمان الداغستاني لحظر الوهابية، وهو ما استجاب له البرلمان في ١٦ أيلول ١٩٩٩م، ولاحقا قدمت قوانين مشابهة في إنغوشيا، وقباردينو – بلقاريا، والقرتشايو الشركس، وأخيراً في الشيشان”[38] حيث كان الاعتماد الروسي متركزا على التيار الإسلامي المتصوف بزعامة أحمد قاديروف.

■الاختراق الأمني

عانى الشيشانيون في الفترة الممتدة بين الحربين من اختراق كبير، وعلى مستويات عليا، فقد نجحت الاستخبارات الروسية بتجنيد مئات العملاء، والتواصل المباشر مع قادات الجهاد السابقين وتأليبهم وكسبهم لصالحها، وكان من أبرز أشكال هذا الاختراق هو التواصل المنفرد مع الروس من قبل قيادات العمل المسلح بدعوى تحقيق مصلحة البلاد، لا العمالة ابتداء، ليتطور الأمر منتهيا بإغراءات وامتيازات وعمالة مباشرة.

■غياب المرجعية الدينية خاصة بعد عزل مفتي الشيشان وإهدار دمه

لقد بدا واضحا جليا فقدان المرجعية الإسلامية الراسخة في هذا البلد، التي تشتتت ما بين الصوفية والسلفية، وبين إنكار أو إقرار المفاوضات السياسية، والتريث أو الاستعجال بإعلان الدولة الإسلامية، لتغيب السياسة الشرعية عن ساحة العمل ويغيب فقه الموازنة، ويسود النزاع والتناحر الشرعي، خاصة بين السلفية الجهادية المتمثلة بتيار باسييف، والصوفية المتمثلة بتيار قاديروف، والمعتدلين المتمثلين بمسخادوف، وبالرغم من أن العرب القادمين لم يتقلدوا مناصب قيادة عليا ومنهم خطاب  الذي آثر التراجع خطوة صغيرة للوراء وترك القيادة لأهل المنطقة، فقد بدت لمساتهم “الجهادية” واضحة جلية في تحركات جماعة باسييف التي كان لها الدور الأكبر بتسريع الحرب مع الروس قبل الاستعداد الكامل لها، كما زاد الطين بلة، انشقاق مفتي الشيشان “أحمد قاديروف” وتنسيقه مع القوات الروسية، وإهدار دمه لاحقا من قبل أصلان مسخدوف واعتباره العدو رقم واحد، لتخلو الساحة الشيشانية من مرجعية إيديولوجية هي الأهم في توحيد جماعات مقاتلة كانت جل تحركاتها نابعة من دوافع إيديولوجية أكثر منها قومية، أضف إلى ذلك أن الكثير من قيادات المقاتلين في الشيشان كانوا ضباطا في الجيش الأحمر السوفيتي قبل أن يتحولوا لتبني قضية الاستقلال وصبغها بالطابع الإسلامي ومنهم جوهر دوداييف الذي قضى عمره في صفوف الجيش السوفيتي، وأصلان مسخادوف الجنرال السابق فيه أيضاَ.

2_ على الصعيد الروسي:

لم تَرُقْ لروسيا هزيمتها في الحرب الشيشانية الأولى، والتي كسرت هيبتها الدولية وأضرت بأمنها القومي ووحدة أراضيها، ومصالحها الاقتصادية أيضاً، ويرجع البعض أسباب الحرب الشيشانية لمصالح روسيا الاقتصادية فيها وعلى رأسها ” مشاريع نقل غاز ونفـط منطقة بحر قزوين الهائل الحجم إلـى مينـاء نوفروسييك الروسي على البحر الأسود والتي تمر عبر غروزني، حيث يعتبر تأمين طريـق شبكة الأنابيب بمثابة الضامن لدور روسيا في استراتيجيات نقل نفط قزوين”.[39]
كما أنه من الممكن استعراض أسباب أخرى للحرب أكثر عمقا ترتبط بالجيبولوتيكية الغربية في أوراسيا ومنطقة “قلب العالم” والتي تتلخص بعزل روسيا عن العالم الإسلامي وتأجيج الصراع بينهم لمنع أي تحالف محتمل، “هذا التحالف الذي يمكن أن يقوي روسيا ويفقد الغرب مكتسباته، ولهذا كان يجب أن يجعلوا من روسيا العدو الأول للعالم الإسلامي (أفغانستان، طاجيكستان، البوسنة، الشيشان)، ثم يدفعوها إلى حرب مع العالم الإسلامي ليتدخل جنودهم بمهمة “حفظ السلام” في مناطق مختلفة من العالم.”[40]

وقد تحدث الفريق (ليونيد إيفا شوف) رئيس دائرة العلاقات الدولية في وزارة الدفاع الروسية، في تصريح له لقناة (الجزيرة) التي التقت به في مكتبه في (هيئة الأركان العسكرية الروسية) عن أسباب اشتعال الحرب مجددا في شمال القوقاز عام 1999م: هم بالتالي ـ يقصد الإرهابيين ـ يسهمون في تحقيق حلم الغرب القديم في الإيقاع بين روسيا والعالم الإسلامي، فقد تحدث عن ذلك السيد (كسينجر) منذ فترة قاصداً حلمه بالإيقاع بين روسيا والإسلام.[41]
ليقع الغرب في متناقضة عجيبة، ففي حين يدعم روسيا ماديا ويؤيد حربها على الإرهاب، يعترف بحق الشيشان بالمطالبة بهويتهم القومية وحرية تحديد المصير، وتتوالى التصريحات المتناقضة من المسؤولين الغربيين بين تأييد وشجب لموسكو وتأييد وشجب للمقاتلين الشيشان، وبغض النظر عن الأهداف واللمسات الغربية، فقد سارت الأمور نحو التصعيد العسكري، الذي امتاز هذه المرة بخطواته المدروسة، وتخطيطه المتقن خلال ثلاث سنوات والاستفادة من أخطاء الحرب الشيشانية الأولى لتُبنى الاستراتيجية الجديد على عدة ركائز:

1) كسب الوقت بعقد اتفاقيات توهم بالاعتراف باستقلال الشيشان، وتساعد على متابعة الإعداد لمدة ثلاث سنوات لعملية عسكرية أمنية متقنة.

2) ترويض الرأي العام العالمي بشماعة الإرهاب ومحاربته واستجرار الجماعات الشيشانية لتنفيذ عمليات “إرهابية” في العمق الروسي، وإيجاد ذريعة قوية لنقض الاتفاقات المبرمة مع الحكومة الشيشانية والتملص منها، بحجة مسؤوليتها عن عملية داغستان الفاشلة التي قادها باسييف وخطاب دون علم أصلان مسخادوف.

3) الاستمرار بالخيار العسكري، مع بعض التعديلات في تكتيكات الحرب، وذلك للظهور بمظهر القوة وإعادة الهيبة الروسية أمام المجتمع الدولي وجمهوريات روسيا الاتحادية، خاصة بعد أن كُسرت عقب هزيمة الشيشان الأولى، وأن بوتين رئيس الوزراء الجديد يريد أن يثبت وجوده أمام الغرب والعالم والداخل الروسي، وقد تحدد هذه الحرب عنوانا لتعامل الغرب مع روسيا وقائدها الجديد.

4) الاعتماد على العملاء الشيشانيين والمقاتلين المحليين بشكل رئيسي واختراق المقاومة الشيشانية بأرفع المستويات ممثلا بأحمد قاديروف الذي ساهم بتسليم جوديرميس ثاني أكبر المدن الشيشانية دون قتال بعد تصاعد الخلافات بين الجماعات الشيشانية القومية والإسلامية، والإسلامية نفسها بين معتدل ومتصوف وسلفي جهادي.

5) الاستفادة من عامل الوقت والإرهاق النفسي الذي تعرض له الشعب الشيشاني بعد سنوات الحرب، وإعطاء التطمينات للمقاتلين الراغبين بالاستسلام أو الانضمام لصفوف الموالاة، عبر مفتي الشيشان السابق الذي استطاع إقناع العديد، وخاصة وأن روسيا قامت بتلميعه وتعيينه رئيسا للشيشان.

6) عدم إعطاء المقاتلين الشيشان فرصة للهجوم على غروزني مجددا كما حدث في الحرب الأولى وذلك بملاحقتهم في المنطقة الجبلية والاعتماد بشكل رئيسي على سلاح الاغتيالات وتصفية القيادات الشيشانية، حيث بدا تجنيد العملاء حينها أسهل بكثير منه في الحرب الشيشانية الأولى، حتى لم يبق قائد شيشاني مؤيد للاستقلال بعد سنوات قليلة، فقد تم اغتيال خطاب وأصلان مسخادوف، وشامل باسييف وسليم يندرباييف واعتقل العديد من القيادات الشيشانية أيضا مثل القائد الميداني البارز سلمان راديوف وغيرهم الكثير.

7) تهدئة الشعب الشيشاني بتعيين رئيس شيشاني سني، يلبي المصالح الروسية، وقادم من الوسط الشيشاني في الوقت نفسه، فقد كان “أحمد قاديروف” رئيس الشيشان الجديد، قائدا ميدانيا سابقا في صفوف المقاتلين الشيشان، والمفتي العام لجمهورية الشيشان، والناطق الرسمي والشرعي من بني جلدة الشيشانيين والذي يتولى إقناعهم بالشرعية الروسية وعدم شق عصا الطاعة.

8) إعادة الإعمار وتفعيل الخدمات والإبقاء على بعض مظاهر الأسلمة (غير الجهادية) وتقوية الاقتصاد الشيشاني بشكل تدريجي.
وبذلك نجحت الاستراتيجية الروسية الجديدة بتجنب إخفاقات حرب الشيشان الأولى لتخرج روسيا منتصرة في هذه الحرب غير مبالية بما خلفته من دمار وقتلى، وليخرج بوتين من هذه الحرب أكثر قوة وصلابة، وبنظرات أكثر حدة وذكاء، مستمرا في قيادة روسيا الاتحادية حتى وقتنا الراهن.

رغم ذلك مازال الاستقرار في الشيشان استقرارا حذرا، حيث يذكر الصحفي سبياستيان سميث،* الذي زار الشيشان مرات عدة، كان آخرها قبل تأليفه كتاب “جبال الله … الصراع على الشيشان”، عن وضع الشيشان إبان الحرب الشيشانية الثانية وعن كره الكثيرين لأحمد قاديروف واعتباره خائنا باع القضية الشيشانية، وعن الروح القتالية العالية لدى بعض المقاتلين المختبئين في الجبال، وكان ذلك إثر جولة ميدانية ثرية وعدة مقابلات أجراها مع سكان شيشانيين وجنود وقيادات في جيش الاستقلال.[42]

مقاربة التجربة الشيشانية بتطورات الثورة السورية

أولًا: الاستراتيجية الروسية العامة في سوريا

أ _ تطورات الاستراتيجية الروسية في سوريا

“إن روسيا لم تعد تشكل عامل توازن مع الولايات المتحدة، وإنما توافقت معها على مجموعة من الاستراتيجيات… ولهذا فإن روسيا لم تتحدَّ الولايات المتحدة في أي مشكلة دولية، وكانت قمة هذا التراجع الروسي هو أنه عندما نشبت أزمة إقليم كوسوفو في يوغوسلافيا سنة 2000، وقامت دول حلف الأطلنطي بشن اعتداءات شاملة على يوغسلافيا استهدفت تدميرها، فإن روسيا لم تتحرك لدعم حليفتها يوغسلافيا، وفي الشرق الأوسط احتكرت الولايات المتحدة عملية التسوية السياسية، وتم تهميش الدور الروسي، ومن ثم بدأت الولايات المتحدة في عملية تصفية الحسابات مع كل الدول الرافضة للنموذج الأمريكي مثل كوريا الشمالية، وليبيا، والعراق، والسودان، مستثمرة في ذلك هامش المناورة الواسع الذي تتمتع به كقوة عظمى وحيدة”،[43] ومع بدء الثورة السورية تطلع الروس إلى هذا الميدان الجديد باعتباره فرصة لإعادة المكانة الدولية وتحقيق المصالح الروسية المتشعبة في المنطقة والعالم، حيث (يمنح حضور روسيا في الأزمة السورية فرصة ومجال اتباع سياسة متعددة المسارات في علاقاتها بالولايات المتحدة والقوى الإقليمية الرئيسية في إطار صوغ سياسة الإقليم، وتمثل سوريا أوكرانيا مصغرة  في الوطن العربي والشرق الأوسط، تدير روسيا من خلالها علاقاتها…. من منطلق أنها قوة كبرى لها مصالح وطنية في الوطن العربي والشرق الأوسط ينبغي الحفاظ عليها، شأنها في ذلك شأن كل قوة كبرى)،[44] وأن تأخذ المعارضة السورية بعين الاعتبار طبيعة السياسة الروسية البراغماتية ومقاطعتها مع مصالحها، وهنا لا بد من مسح سريع لتطور الاستراتيجية الروسية:

اعتمدت الاستراتيجية الروسية منذ انطلاق الحرب السورية على الركائز التالية:

  1. الحفاظ على آخر قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط وعلى قاعدتها الوحيدة في البحر المتوسط.
  2. الحفاظ على مصالحها الاقتصادية المتمثلة بـ:
    1. بيع الأسلحة للنظام السوري.
    2. احتكار تجارة الغاز العالمية بترسيخ هيمنة شركة “غاز بروم” الروسية على إمدادات الطاقة، وإفشال أي مشروع منافس يهدف لنقل الغاز الآسيوي إلى أواسط أوربا، على غرار مشروع خط أنابيب الغاز “نابكو”.[45]
  3. مجاراة الدور الأمريكي “العدو التقليدي” وعدم السماح له بالاستفراد بالمنطقة خاصة بعد سقوط النظام في العراق.
  4. امتلاك ورقة ضغط ومساومة في المفاوضات مع الولايات المتحدة والغرب في الملفات الأخرى العالقة مثل أوكرانيا وشبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا لها مؤخرا.
  5. الحفاظ على نظام الأسد وحمايته من السقوط باستخدام القوة العسكرية، باعتباره الحليف القادر على حماية تلك المصالح.

إلا أن تحولات عديدة طرأت على الساحة السورية دعت روسيا لتعديل استراتيجياتها ومن هذه التحولات:

  1. تنامي الدور الإيراني الحليف والذي يزج بالمقاتلين الشيعة من كل مكان في ساحة المعركة للدفاع عن مصالحه؛ في حين تعجز روسيا عن التضحية بالعنصر البشري الروسي وتخفق في تجنيد الوكلاء.
  2. تنامي دور وكلاء الولايات المتحدة “الأكراد” وإقامة عدة قواعد أمريكية في أماكن سيطرتهم.
  3. استعادة النظام لمساحات واسعة من الأراضي السورية الخاضعة لسيطرة المعارضة.
  4. ارتفاع فاتورة الإنفاق الروسي على الحرب في سوريا، وتنامي خسائر الاقتصاد الروسي.

وبناء على ما سبق اتخذت عدة استراتيجيات تهدف من خلالها إلى:

  1. تحجيم الدور الإيراني في الريف الدمشقي بإقصاء إيران من اتفاقيات خفض التصعيد.
  2. خلق توازن بين النظام والمعارضة (مسك العصا من المنتصف) بإبقاء تهديد محدود لدمشق وإعاقة السيطرة الكاملة للنظام وإيران على الأرض، لتستخدم موسكو كانتونات المعارضة كورقة ضغط على دمشق، حيث لم تفرض في الاتفاق على المعارضة تسليم سلاحها أو التراجع عن مناطق نفوذها.
  3. لعب دور الوسيط والضامن بين قوات النظام ـ والمعارضة، بنشر شرطة روسية سنية للمراقبة والخروج بمظهر أكثر دبلوماسية لكسب المعارضة السورية لجانبها.
  4. ترسيخ الهيمنة على شرق المتوسط من خلال:
  • أ‌- توقيع عقود جديدة مع النظام السوري تتعلق ببقاء قواعدها البحرية لمدة تزيد على خمسين عاما.
  • ب‌- عدم السماح للأكراد بالوصول إلى سواحل المتوسط في حال بدء معركة ضد “جبهة النصرة” في إدلب، لما يشكله ذلك من تهديد لقواعدها هناك بسبب ارتباط الأكراد الوثيق بالولايات المتحدة الأمريكية.
  1. التحالف مع الأتراك في الحرب على الإرهاب وفق المفهوم التركي على حساب قوات النظام وإيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأكراد من جهة أخرى، ضمن أي عملية مرتقبة على إدلب.
  2. التفاهم مع الأمريكان على تحجيم الدور الإيراني وتقاسم بعض مناطق النفوذ في الجنوب والوسط السوري.
  3. عدم التورط عسكريا بمعارك استنزاف تخوضها روسيا، كتلك التي خاضتها في حلب، يترتب عليها تبعات عديدة أبرزها تنامي خسائر الاقتصاد الروسي وارتفاع تكاليف الحرب.
  4. مجاراة الدور الأمريكي ومحاولة التموضع على كامل الخارطة السورية من الشمال إلى الجنوب مع عقد اتفاقيات بين النظام والمعارضة بشكل منفرد، ونشر شرطة روسية في مناطق خفض التصعيد تمهيدا للسيطرة المباشرة أو غير المباشرة على تلك المناطق.

ثانيا: نفاذ الخيار العسكري في سوريا يحاكي حرب الشيشان الأولى

بدأت روسيا تدخلها العسكري في سوريا بتاريخ 29 أيلول من العام 2015م، وألقت بثقلها العسكري في حلب، مستنزفةً قوتها العسكرية في حرب كر وفر استطاعت حسمها في نهاية المطاف، إلا أن المقاتلين الذين خسروا حلب أوصلتهم طبيعة سير العمليات القتالية إلى نتيجة مفادها: أن ما قد تخسره لصالح النظام في سنة يمكن إعادته في أسبوع واحد، وهذا ما حصل في معارك حلب نفسها ثم في عدة معارك في حمص وحماة واللاذقية ودرعا وريف دمشق، وكأن المقاتلين الذين حرروا تلك المناطق وأعادوها قادرين على تحرير حلب ثانية، وكأن الشبه بينهم وبين مقاتلي الشيشان في الحرب الشيشانية الأولى – والذين خسروا غروزني ثم ما لبثوا أن أعادوها وطردوا الروس منها – كبير إلى حد بعيد، فلا بد لروسيا أن تحافظ على مكتسباتها، بعد إدراكها لاستحالة الحسم العسكري، أو علو تكاليفه وطول مدته على أقل تقدير، فليس من المتوقع أن تستطيع روسيا الحسم بأقل من خمس سنوات أخرى، ما سيزيد من ترنح الاقتصاد الروسي، فبحسب بعض التقارير تزيد تكاليف الحرب على مليار$ في السنة، دون تعويض يذكر، في حين تعتمد الولايات المتحدة بدعم وكلائها الأكراد ووكلائها في الجبهة الجنوبية على المال الخليجي، كما يُعتقد بأن التكلفة اليومية لتحليق المقاتلات الروسية بمعدل تسعين دقيقة، والمروحيات قرابة الساعة، ارتفع إلى /710/ آلاف دولار، كما أن الطائرات الحربية الروسية تلقي يوميا قنابل وقذائف تقدر تكلفتها بنحو /750/ ألف دولار، لتكون روسيا الآن مستعدة ـ رغم انتصارها في حلب ـ أن تقدم بعض التنازلات لإدراكها حجم القوة الكامنة لدى المعارضة السورية خاصة في ظل دعم بعض القوى الإقليمية والدولية لهم.

وترى في اتفاقيات خفض التصعيد مخرجا مناسبا، والتي ستكون مرحلة إعداد للحرب الجديدة بعد سنة أو سنتين ربما أو ثلاثة مثل الفترة الممتدة بين حرب الشيشان الأولى والثانية.

ثالثًا: اتفاقيات خفض التصعيد والاستراتيجية الروسية على ضوء حرب الشيشان الثانية

أ _ خفض التصعيد والإعداد الروسي

إن ما حدث في الشيشان في مرحلة ما بين الحربين الأولى والثانية على الصعيد الشيشاني الداخلي وعلى صعيد الإعداد الروسي يدعو للوقوف والتأمل بإمكانية وقوعه في مرحلة خفض التصعيد أم لا؟

لقد قامت روسيا في أيام خفض التصعيد في الشيشان (الفترة الممتدة ما بين الحرب الشيشانية الأولى والثانية) بعدة خطوات مهمة كان أبرزها:

  • تجنيد العملاء واختراق القيادات الشيشانية لتكون رأس حربة في عمليتها القادمة.
  • إيجاد ذريعة لخرق الاتفاقات الدولية التي وقعتها مع الشيشان مستخدمة حماسة بعض الجهاديين غير المدركين لميزان القوى.
  • تطوير تكتيكاتها العسكرية والأمنية، واعتمادها بشكل رئيسي على سلاح الاغتيالات وتصفية القيادات لاحقا.
  • إعدادها لحل سياسي مناسب جمع ما بين حماية مصالحها وتهدئة الشعب الشيشاني بتعين أحمد قاديروف مفتي الشيشان السابق والقائد البارز في القوات الشيشانية المناهضة لروسيا رئيسا للشيشان.

كما وقع المقاتلون الشيشان بعدة أخطاء استراتيجية، أبرزها:

  • إذكاء فتيل الخلافات ما بين الإسلاميين والقوميين من جهة، وبين الإسلاميين أنفسهم، جهاديين ومعتدلين ومتصوفين موالين للروس.
  • الطمع بتحقيق مكتسبات كبيرة تفوق حجم الإمكانيات المتاحة، والانشغال بتنفيذ عمليات في داغستان والعمق الروسي على حساب توطيد الأمن والاستقرار الداخلي، وترتيب أوراقهم العسكرية.
  • عدم الالتفاف حول القيادة الشرعية المتمثلة برئيس الشيشان “أصلان مسخادوف” وعدم التركيز على الهدف الرئيسي المتمثل بنيل الاستقلال والاعتراف الروسي والدولي به.

كما انطوت الاستراتيجية الروسية على شن حرب على الأراضي الروسية بعد فترة الإعداد تلك، تهدف لإعادة الشيشان للحظيرة الروسية وفق خطط تكتيكية أكثر من الخطط السابقة التي اعتمدتها في الحرب الشيشانية الأولى، فهل ستواجه قوات المعارضة في سوريا مصير مشابه بعد انقضاء مدة الإعداد ويتم خرق اتفاقيات خفض التصعيد لتبدأ المعركة الجديدة وفق خطة بوتين في حرب الشيشان الثانية؟

أم أن المعركة الحقيقية لم تعد ضرورية بالنسبة للروس، إذ يكفي سحب إرادة القتال والبحث عن “قاديروف سوريا” أو عدة شخصيات مماثلة، لانتزاع تلك المناطق من نفوذ المعارضة السورية كما حدث في “جوديرميس” ثاني أكبر المدن الشيشانية والتي سلمها قاديروف للروس دون قتال؟

وفي حال استطاعت روسيا تطوير استراتيجيتها الشيشانية بتحقيق أهدافها والحفاظ على مكتسباتها دون الدخول في حرب مباشرة، فلا شك أنها لن تستغني عن:

  • تجنيد العملاء سياسيا وعسكريا، وقد سبق وأن استطاعت روسيا صناعة معارضة سياسية متمثلة بمنصة موسكو، إلا أنها لم تستطيع صناعة وكلاء على الأرض السورية يؤدون الدور العسكري.
  • سياسة الاغتيالات وتصفية القيادات المعارضة.
  • امتلاك رأس الهرم، وصناعة قديروف سوري لكل منطقة من مناطق خفض التصعيد، ولا سيّما المرجعيات الدينية المحلية التي انحازت إلى نظام الأسد مع بداية الثورة.
  • دب الخلاف بين فصائل المعارضة واستثمار ذريعة الإرهاب في الوقت المناسب وبالشكل الذي تريد لخرق الاتفاقات ونقض الالتزامات.

ب _ اختلاف مناطق خفض التصعيد عن بعضها البعض وعن الساحة الشيشانية

لا شك أن مناطق خفض التصعيد الثلاث التي تم الاتفاق عليها في الجنوب وفي الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي، والمنطقة الرابعة في إدلب، مختلفة عن بعضها البعض لاختلاف جغرافيتها وتركيبتها الفصائلية، ففي حين تحظى الغوطة الشرقية والقلمون الشرقي وريف حمص الشمالي بفرصة أكبر لتطبيق سيناريو مماثل لحرب الشيشان الثانية لبعدها عن تأثير القوى الإقليمية والدولية بشكل مباشر بسبب إحكام الحصار وعدم اتصالها بأي دولة حدودية، فإن كلاً من إدلب في الشمال، ودرعا في الجنوب تخضع لتجاذبات الدول المتصارعة، ما يعني تطوير الاستراتيجية الروسية السابقة وتعديلها أو تغييرها أو البحث عن تفاهمات معينة تصب في صالح تطبيق تلك الاستراتيجية، وقد أبدى الروس براغماتية عالية في هذه الحرب متفوقين على جميع اللاعبين الآخرين، ففي حين تتنكر روسيا لحليفها وشريكها الإيراني وتحاول إقصاءه، تبني الاتفاقيات المشتركة مع الأمريكان في هامبورغ حول وضع الجنوب، ثم ما تلبث أن تتنكر للأمريكان وحلفائهم الأكراد في الشمال، بتحالفها الضمني غير العلني مع الأتراك، كما ظهر جليا محاولتها التقارب من المعارضة التي تصفها “بالمعتدلة”.

ولعل تلك البراغماتية قد جعلت من الروس فاعلا مرنا في المعادلة السورية، لا يمكن تجاوزه أبداً بل يجب التعامل معه عند الحديث عن أي خطوة عسكرية أو سياسية.

التوصيات:

أ: العلاقة مع الروس

تتحرك السياسة الروسية مدفوعة بتحقيق مصالحها، على عكس إيران التي تتحرك بدوافع إيديولوجية لتحقيق مصالحها فقد كان من الممكن لحكومة أصلان مسخدوف في الشيشان تمرير بعض المصالح المرتبطة باستخراج النفط ومد خطوط الطاقة على حساب بعض المكتسبات التي تدعم أركان تلك الحكومة الناشئة، والأمر مماثل إلى حد بعيد في الحرب السورية، لذلك يشكل الانتقال بين المعسكر الشرقي والغربي وفق المتغيرات الداخلية والخارجية أس الديناميكية السياسية الناجحة، باعتبار أن التاريخ الأمريكي أو الغربي بشكل عام ليس أكثر إنسانية في تعاملهم مع الشعب العراقي أو الأفغاني أو السوري في الرقة مقارنة مع ما فعله الروس بالشعب السوري، إضافة إلى محاولة الغرب الحثيثة للإيقاع بين روسيا والعالم الإسلامي و هو ما أدركته نخبة في الوسط الروسي ” فقد رأى كل من الجنرال بيتروف و ميخائيل كروغوف أن التحالف مع العالم الإسلامي وليس محاربته يمكن أن يخرج روسيا من أزماتها التاريخية”[46]، ولعل مما يدعم هذا الرأي هو التصريحات التي أدلى بها رئيس مديرية العمليات العامة في هيئة الأركان الروسية الجنرال “سيرغي روتسكوي “أن الاستخبارات الأمريكية هي من حرضت فصائل المعارضة على انتهاك اتفاقية خفض التصعيد التي ترعاها موسكو”.[47]

ب: العلاقة مع الجهاديين

يُظهر عرض التجربة الشيشانية بوضوح الفشل الذريع الذي ارتكبه بعض من يمكن وصفهم “بالسلفيين الجهاديين” بقيادة باسييف وخطاب، والذين اعتذروا لاحقا عما سببوه لحكومة أصلان مسخدوف من إحراج وتحمل لتبعات حرب لم يكتمل الإعداد لها، والتي أودت في النهاية بتلك الحكومة الناشئة التي كانت تحاول تدعيم الاستقلال بالتدريج، إلا أن الجهاديين أنفسهم ـــ مع الأسف ـــ ربما لم يقرؤوا تلك التجربة ولا شبيهتها في أفغانستان أيام حكم حركة طالبان، وعليه فإن المشروع الوطني الذي تجمع عليه المعارضة وحاضنتها الشعبية والقدرة على طرحه وما يلزمه من أدوات للبدء بتنفيذه يقطع الطريق على هؤلاء (الجماعات السلفية الجهادية في سورية “القاعدة”) دون إنكار متانة عقيدتهم العسكرية وقدرتهم العالية على التضحية، أو محاباتهم والارتهان لأجنداتهم لتنفيذ مشروعهم

ج: الحذر من العملاء رفيعي المستوى

قد يستغرب البعض إن لم نحمل قاديروف وحده فشل الشيشان في نيل استقلالها، والحقيقية أن مقدمات عديدة دفعته للعمالة لصالح الروس، والتواصل الأحادي معهم ـ وليس هذا تبريرا لتلك العمالة، فقد كان من المفترض أن يكون ذلك التواصل على شكل مفاوضات شاملة تقوم بها السلطة الفعلية بتأييد من الجماعات الأخرى، إلا أن ما حدث خلاف ذلك فمع تهور باسييف كان انبطاح قاديروف، وعليه فقد بات توحيد القيادة العسكرية مع القيادة السياسة في الساحة السورية أمرا ضروريا خشية محاولة الاختراق والاستفراد بطرف دون غيره خاصة أنها دخلت ساحة المفاوضات وتلقي الوعود والامتيازات من الروس، وما حدث في الغوطة الشرقية خلاف ذلك، حيث وُقعت اتفاقيتان ببنود مماثلة مع الروس، وجلس جيش الإسلام وفيلق الرحمن كل على حِدَة مع الطرف الروسي، وقد تكون تلك المفاوضات الأحادية التي أجراها جيش الإسلام وفيلق الرحمن أحد مداخل الاختراق عبر إعطاء الوعود الكاذبة والتطمينات الخادعة من قبل الروس لاستمالة طرف على حساب بقية الأطراف.

د: الالتفاف حول قيادة واحدة، والاتفاق على هدف وطني جامع

لعل النجاح الذي حققه الشيشانيون في حربهم الأولى يعود لتوحدهم حول قيادتهم المتمثلة “بجوهر دوداييف” وتركيزهم على هدف وطني جامع تمثل بتحقيق الاستقلال عن روسيا الاتحادية.

وعلى المعارضة السورية إدراك ما فاتها وإعادة تشكيل نفسها سياسيا وعسكريا، تحت قيادة واحدة وهدف وطني جامع يبتعد بها عن مستنقع المشاريع الحزبية الضيقة، وعلى الإسلاميين أن يدركوا أن أصلان مسخدوف وباسييف وغيرهم في الحرب الشيشانية الثانية طالبوا بإجراء مفاوضات واقعية تنقذهم من الهزيمة المحتّمة مع الروس إلا أن السيف قد سبق العزل، وفات أوان التنازلات الواقعية، وإن المشروع الوطني الجامع وتحقيق الحرية والكرامة لمختلف شرائح الشعب السوري، هي المقدمة الصحيحة والبيئة الخصبة لنجاح أي مشروع، حيث سيطرح كلٌ مشروعه وفق منافسة حرة، وهنا لابد من عدم التخلي بأي حال عن السلاح الذي يعد صمام أمان يحمي تلك الحرية لتكون مكسبا صلبا لا يمكن سحبه أو الانقلاب عليه.

ھ: العمل على الإعداد بمختلف أشكاله في المرحلة الراهنة (مرحلة إيقاف التصعيد)

من السهل جدا على الروس خرق تلك الاتفاقيات الموقعة في حال ارتأت موسكو عدم جدواها، بل إن خروقات عديدة حصلت في الفترة الماضية، فيجب على المعارضة السورية أن تأخذ بحسبانها أن الحرب لم تضع أوزارها بعد، بل قد تكون بدأت للتو، وعلى المعنيين إعداد مشاريع الإعداد المختلفة سواء العسكرية الهجومية أو الدفاعية، أو السياسية التي يجب أن تسعى لنيل مزيد من الاعتراف الدولي، أو الداخلية على الصعيد الأمني والفكري والشعبي.

الخاتمة

لقد كانت التجربة الروسية في الشيشان بمراحلها التي مرت بها، إحدى أهم تجارب الشعوب في نيل استقلالها والتي خلطت نجاحا باهرا مع فشل مرير، كما يمكن اعتبار الحربين الشيشانيتين الأولى والثانية وما أفرزته الحركة الانفصالية في الشيشان، إحدى أهم التجارب العسكرية والسياسية في تاريخ روسيا المعاصر بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وبوصلة ترسم القيادة الروسية من خلالها سياساتها الخارجية في منطقة الشرق الأوسط المستعرة على وجه الخصوص.

ولتتابع القيادة الروسية التخطيط في سوريا على نفس الوتيرة واضعة مصالحها الاقتصادية على رأس اهتماماتها في محاولة لاحتواء الثورة السورية بعد التمدد الكبير الذي حققته مستخدمة أساليب مشابهة لأساليبها بالحرب الشيشانية وبأسماء مختلفة مثل اتفاقات خفض التصعيد ومنصة موسكو وغيرها.

وفي هذا الصدد نترقب تلك الاستراتيجية وما أفرزته من مفاوضات منفردة تقوم بها فصائل الثورة السورية قد تودي في نهاية المطاف بحلم الثورة السورية، وتغري ضعاف النفوس بمكتسبات هشة زائلة، وفي حال استطاعت روسيا الاستفادة وتطوير استراتيجيتها الشيشانية بتحقيق أهدافها والحفاظ على مكتسباتها دون الدخول في حرب مباشرة، فلا شك أنها لن تستغني عن:

1) تجنيد العملاء سياسيا وعسكريا.

2) سياسة الاغتيالات، وتصفية القيادات المعارضة.

3) امتلاك رأس الهرم، وصناعة قديروف سوري لكل منطقة من مناطق خفض التصعيد.

4) دب الخلاف بين فصائل المعارضة واستثمار ذريعة الإرهاب في الوقت المناسب وبالشكل الذي تريد لخرق الاتفاقات ونقض الالتزامات.

وعليه فإن الثورة السورية بأمسّ الحاجة لاستدراك الموقف بالاجتماع على هدف وطني واحد وقيادة حقيقية تقود هذه المرحلة الحرجة بجدارة، وتوازن بين العمل العسكري والنشاط السياسي، وترضى بالحرية السياسية والدينية والفكرية والاقتصادية كهدف مرحلي يتيح لها الإعداد لتحقيق أهداف أكبر، مستفيدة من هوامش الخلافات الروسية والإيرانية، مع التأكيد على ضرورة عدم التخلي عن سلاح الثورة وتسخيره لحماية تلك الحرية وجعلها مكسبا صلبا لا يمكن سحبه مع مرور الزمن، وفي هذا السياق لا بد من نشر الوعي الفكري لدى مختلف الشرائح للحاجة الماسة إليه في بناء الدولة الوطنية.

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الاستراتيجية الروسية بين الشيشان وسوريا

هيومن فويس: مركز طوران للدراسات تبلغ المساحة التي تخضع لسيطرة المعارضة السورية ضعف مساحة الشيشان، وعلى رغم أن حرب الشيشان دارت بين روسيا الاتحادية وإحدى الجمهوريات الفيدرالية (على حد وصف الروس) ولم تكن محل صراع إقليمي ودولي كما هو الحال في سوريا، إلا أنه يتعين على الفاعلين وصناع القرار في الثورة السورية أن يدركوا قدرات “عدوهم الروسي” ويفهموا استراتيجياته العسكرية والسياسية ويقرؤوا تاريخه وتجاربه، ويتحسسوا العقلية التي تتحرك بها القيادة الروسية والتي لم تتغير منذ أكثر من عقدين من الزمن، ولعل من أبرز التجارب الحديثة التي تستحق الدراسة والتأمل وتولد رؤية عميقة عن الاستراتيجية التي يتحرك بها الروس هو تعاملهم

Send this to a friend