هيومن فويس
وهبّت الشام كلها لوداعه، تبكي رحيل الحالم الذي رسم الكثير من أمنياتها الجميلة، وقدّمها لنا دافئة مشرقة عابقة بألوان من الروائح الثقافية،التي تلاقحت على أرضها وأثمرت بما هو أجمل وألذّ.

تعرّفت على حاتم علي أيام سرق المشهد الدرامي السوري قلوبنا بروعته، وسحرنا بجمالياته، وكنا على مدى عقود من الزمن مُحتَكَرين كمشاهدين بالدراما المصرية.

شيء مختلف تماما قدمته الدراما السورية منذ بدايتها، كان أقوى من كل الأعمال التي عوّدنا عليها التلفزيون، كونه كان حقيقيا، حدّ إدهاشنا مثل المرآة التي عكست دواخلنا بكل تفصيلاتها.

حاتم علي كان واحدا من كوكبة النجوم الذين صنعوا تلك الدراما المدهشة، حيث الكل متساوون في الأداء، لا كومبارس ولا نجوم صف أول ولا ثانٍ.

عرفته على الشاشة ممثلا ثم مخرجا قبل أن أجتمع به في لقاء مطوّل. شهدت إطلالاته الأولى، وشهدت نجوميته السّاطعة، ثم قرأته ككاتب قصة جد متميز، ثم ها أنا أشهد غيابه المفجع، ليعيد مشهد غيابه شريطا كاملا لعشقي لسوريا، وما عشته فيها من ذكريات حلوة من المحال أن تنسى.

غير كل المشاهد الحزينة التي قدمها حاتم علي جاء المشهد الأكثر حزنا من إخراجه أيضا، لكنّه هذه المرّة كان مشهدا فريدا من نوعه، منح فيه فرصة لجمهوره العريض أن يكون خلف الكاميرا ويكون هو أمامها يؤدي مشهده الأخير. هبّت الجماهير العربية إذن،
وهبّت الشام كلها لوداعه، تبكي رحيل الحالم الذي رسم الكثير من أمنياتها الجميلة، وقدّمها لنا دافئة مشرقة عابقة بألوان من الروائح الثقافية،التي تلاقحت على أرضها وأثمرت بما هو أجمل وألذّ.

هل كان ما شعرت به نابعا من الشّام، فأوهمتني أنها شبيهة البحرين في حميميتها ومذاقها المألوف؟ أم أنّه نابع من تلك الصداقات التي تكوّنت بشكل عفوي،منذ زرت الشّام أول مرة، فما شعرت بغربة ولا بوحدة، ولا بذاك الارتياب الذي يشعر به الغريب حين يحل ببلد أجنبي؟ أدهشتني الشام بعراقتها، وأدهشني موزاييكها الثقافي الذي وجدته كما تمنيت تماما.

وأذكر كيف فتحت لي ذراعيها، خاصة مبدعيها وكبارها، كنت محظوظة جدا بذلك الحضن الكبير الذي وجدتني في كنفه، وهذا موضوع يطول سرده، لكن لا يمكنني فتح موضوع حاتم علي بدون فتح بوابة صنّاع الدراما وعلاقتهم ببرنامجي «نلتقي مع بروين حبيب» فأنا أدين لهم بالكثير، فقد كانوا بالنسبة لي المدرسة الثانية والثالثة، والجامعة الحقيقية التي تعرفت من خلالها على أهم الوجوه والتجارب الدرامية.

كما لا يمكنني إلاّ فتح بوابة الشّام على مصراعيها، شام الحرف العربي، مقام ابن عربي، جبل قاسيون، وكل تلك الأماكن والرموز والعلامات، التي ترسم لوحة جميلة لكل ما أعشق ووجدته. من الصدف الجميلة والمحطّات المهمة في حياتي استضافة «المخرج الكبير الكبير» هيثم حقي، لي هو وزوجته هالا محمد الشاعرة الموهوبة الذكية في بيتهما، فوجدتني محاطة بالشعر والفنون كلها دفعة واحدة في حضرتهما.

من حسن حظي أيضا أن تعرّفت على السيناريست ريم حنّا،التي استضافتني أيضا ونشأت بيننا صداقة متينة جدا. تعود صور لقائنا في مطعم النارنج في باب توما في الجانب القديم من الشام حول طاولة العشاء، وحديث شيّق قرّب مشهدية الأحلام السورية الكبيرة، التي كان يحلم بها المبدعون والفنانون. كانت تلك من أول علاقاتي بالعائلة الفنية السورية، التي امتدت حتى بعد تبعثر أهل الفن بسبب خلافات سياسية لا معنى لها. بقيت بصمة ذلك الماضي في ذاكرتي وقلبي، وها هي تطفو على السطح كما لو أنّها حدثت البارحة.

في أرشيفي ذاكرة بأكملها عن المشهد الثقافي السوري، بدءا بحنا مينه الكاتب الذي عشقته من الغلاف إلى الغلاف،
إلى المفكر والشاعر أدونيس، الذي احتفى بي من أول لقاء بيننا في بيته بجبلة، إلى كل من حاورتهم بحثا عن بصمات إبداعية تميز سوريا مثل.

الرسام نذير نبعة الذي حاورته في أليسار بيت عربي قديم، والمفكّر الطيب تيزيني الذي رفض أن يأخذ مكافأته المالية خجلا، وأذكر أنه قال لي إنه من المفروض أن يعطوني مكافأة على دوري التنويري عبر برنامج «وجوه» عام 2002-2003. كما حاورت الكاريكاتوريست علي فرزات ملك بلاغة الصمت، والفنان العراقي جبر علوان حين كان مقيما في دمشق، والموسيقي المبدع طاهر مامللي… كلهم كانوا يمثلون الشام، فلم تكن سوريا آنذاك كما تخيلنا مجرد ورشة جديدة للدراما التلفزيونية، وإن كان ما شدّني إليها بعد الرواية هي الدراما فعليا.

لقد كانت أوسع من سماء صيفية مقمرة مرصعة بالنجوم، وكانت تعد بالكثير، ثمة أوقات يستحيل نسيانها تحدثت فيها عن تلك السماء مع صديقيَّ أمل عرفة وعبد المنعم عمايري، مع ضحكات نابعة من القلب لا تزال تنبض بالحياة في ذاكرتي.

ثمة صور استثنائية لأمسية شعرية جمعت اثنتي عشرة شاعرة في الآرت هاوس، نظمتها الصديقة الشاعرة هالا محمد، وها هي تركض في شريط سحري أمام عيني كأنها حدثت البارحة، تحمل تفاصيل المكان الذي كان طاحونة قديمة قبل أن يُحوّل لفندق غاية في الجمال، ملتقىً لعشاق الشام والفن. كانت المفاجأة في تلك التظاهرة الشعرية.

إقامتي في غرفة تحمل اسم المخرج العظيم مصطفى العقاد، الذي كان صديقي أيضا، وكان لكل شاعرة غرفة مجيّرة باسم فنان من الكبار، فقد حملت كل غرفة اسما، مثل نزار قباني، ولؤي كيالي، وفاتح المدرّس، وآخرين.

الأكيد أن حاتم علي صفعنا بموته صفعة مفاجئة، أعادتنا لرشدنا ولو لحين، وهذا ما جعل البكاء عليه حارًّا وحارقا، لقد بكينا في شبابه شبابنا المهدور أيضا، وبكينا عبقريته التي حرمنا منها وهو في عز عطائه، وبكينا كل خساراتنا التي لا تعوض وكأننا رأينا مستقبلا ينتظرنا في نهاية انتظاره، تحضرني أيضا مهرجانات أدونيا للدراما، بكل زخمها وفخامتها. وتحضرني المدينة بروحها المتفرّدة، من المزرعة، إلى الحميدية، والأسواق القديمة، والعطّارين.

وسوق ساروجة، إلى السيدة رقية، التي زرتها مع الكاتب والسيناريست خيري الذهبي فارتبطت في ذهني به
وبمقهى النّوفرة حيث شربنا الشاي. كما ارتبط مقهى الرّوضة ومعهد الفنون بجمال سليمان، فكانت بداية لصداقة جميلة
مستمرة إلى اليوم. يحضرني أيضا أحمد معلاّ الفنان التشكيلي الساحر الذي صمم ديكور وسينوغرافيا مسلسل «الزّير سالم» حين دعاني لزيارة موقع التصوير.

ومشاهدة كل تفصيلات المكان لذلك المسلسل الرائع. كما يحضرني أسعد فضة، بقامته العظيمة، وقد ارتبط به قصر العظم، حيث صورت معه مقابلة من أجمل مقابلات برنامجي التلفزيوني.

كل هؤلاء والقائمة طويلة لذكرهم جميعا أدين لهم بالكثير، لأنهم رفعوا من مستوى برنامجي وشكّلوا إضافات مهمة لي. ومن بينهم حاتم علي، الذي التقيته بعد نجاح مسلسله «صراع على الرمال» ويومها اكتشفت الخلفية الثقافية الواسعة والعميقة والصّاخبة لرجل هادئ
يوحي لمجالسه كل الوقت أنّه غارق في التفكير. اكتشفت القارئ النّهم، وكاتب القصّة، والممثل والمخرج الشغوف بعمله، والإنسان المجتهد بكل ما أوتي ما قوة، والنّاقد اللاذع لنفسه ولعمله. من معرفتي القصيرة به أحببت سرعة بديهته، وردة فعله الذكية، وأجوبته البليغة، وأدركت أنّه علامة فارقة في الدراما السورية التي أحببتها بوجهها السوري الخالص، بدون أي إضافات من هنا وهناك، ولي في هذا الموضوع ما أقوله، ربما في مناسبة أخرى إن سنحت لي فرصة.

فلطالما وددت أن أكتب بغزارة عن «ذكريات الزمن القادم» لريم حنّا والمخرج هيثم حقي (أستاذ حاتم علي) و«الفصول الأربعة» لدلع الرحبي وريم حنا، و«عصي الدمع» و«التغريبة الفلسطينية» التي عشتها بكل جوارحي، و«الثلاثية الأندلسية» و«خان الحرير» و«الثريا”

أحببت لمسة الأستاذ المبدع وابتكارات التلميذ المجتهد، قبل أن يصبح هو الآخر معلما كبيرا، فلطالما أعجبت باستمرارية مدرسة هيثم حقي وإثمارها، وكنت كما غيري من ملايين المعجبين بحاتم علي، نحلم أن نرى وهو شاهد معنا ثمار من اجتهد في تعليمهم، لكنّه قرر أن يغادر باكرا، ولا أدري هل يمكن لصدمة موته التي وحّدت السوريين، أن تُبقي على وحدتهم هذه؟ وهل يمكن للعائلة الفنية أن ترمم الشرخ الذي شطرها نصفين؟

من شهق لموت حاتم علي مصدوما وبكاه بحرقة، وهو يتابع جنازته، سيدرك أن فجيعته وبكاءه كانا بسبب شيء مفقود أعاده حاتم إلى الحياة بموته، شيء مثل الحب، ولكنّه أكبر، شيء مثل الجمال، ولكنه أيضا أكبر، شيء كالذي فاضت به ذاكرتي، من ماضِ عبق لسوريا العظيمة، شامل وجامع لكل ما كانت تزخر به الشّام وفقدته في غفلة منها،حين تخاصم أبناؤها بعد اختلافهم بشأن مستقبلها.

الأكيد أن حاتم علي صفعنا بموته صفعة مفاجئة، أعادتنا لرشدنا ولو لحين، وهذا ما جعل البكاء عليه حارًّا وحارقا، لقد بكينا في شبابه شبابنا المهدور أيضا، وبكينا عبقريته التي حرمنا منها وهو في عز عطائه، وبكينا كل خساراتنا التي لا تعوض وكأننا رأينا مستقبلا ينتظرنا في نهاية انتظاره…

وبيني وبينكم بكيت زوجته ورفيقة عمره دلع، التي أصبحت وحيدة، والخاسر الأكبر بموته، وقد حضرني إهداء خصّها به على مجموعته القصصية «موت مدرس التاريخ العجوز» : «إذا كان في القصص ما يستحق أن يُهدى فإلى الغالية د. الرحبي طبعا» كان ذلك سنة 87 وأعتقد أن الإهداء ساري المفعول إلى الأبد

القدس العربي

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

رجل بحجم الشام

هيومن فويس وهبّت الشام كلها لوداعه، تبكي رحيل الحالم الذي رسم الكثير من أمنياتها الجميلة، وقدّمها لنا دافئة مشرقة عابقة بألوان من الروائح الثقافية،التي تلاقحت على أرضها وأثمرت بما هو أجمل وألذّ. تعرّفت على حاتم علي أيام سرق المشهد الدرامي السوري قلوبنا بروعته، وسحرنا بجمالياته، وكنا على مدى عقود من الزمن مُحتَكَرين كمشاهدين بالدراما المصرية. شيء مختلف تماما قدمته الدراما السورية منذ بدايتها، كان أقوى من كل الأعمال التي عوّدنا عليها التلفزيون، كونه كان حقيقيا، حدّ إدهاشنا مثل المرآة التي عكست دواخلنا بكل تفصيلاتها. حاتم علي كان واحدا من كوكبة النجوم الذين صنعوا تلك الدراما المدهشة، حيث الكل متساوون في

Send this to a friend