هيومن فويس: متابعة

مساء الثلاثاء في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، فوجئ أصدقاء المخرج السوري محمد بايزيد على موقع التواصل الاجتماعي بمنشور كتبه صديقه سلامة عبدو، قائلا إنهما تعرضا قبل قليل إلى محاولة اغتيال في اسطنبول، وأن محمد أصيب بطعنة في منطقة الصدر اخترقت جسمه وخرجت من الطرف الآخر، متابعا “قمت بإسعافه وهو الآن في غرفة الطوارئ. حضرت الشرطة التركية وقمت بتزويدهم بتفاصيل الحادثة ومكانها ولا أستطيع أن أذكر تفاصيل أكثر الآن للضرورة الأمنية. أكتب هذا البوست من هاتف محمد”.

لقي المنشور حملة واسعة من التعاطف والذعر إذ سرعان ما ربط نشطاء ومتابعون بين المنشور وبين مقتل الصحافية عروبة بركات وابنتها حلا في اسطنبول كذلك، كما ربط البعض بين ما أعلنه بايزيد قبل الحادث بيومين عن مشروع فيلم باسم “النفق” يروي قصة أحد أسرى سجن “تدمر” إبان عهد حافظ الأسد، الأمر الذي جعل الخوف سيداً للموقف في ظل عدم توافر أية معلومات أخرى أو ظهور أية أخبار جديدة، عدا طلب سلامة مرافق بايزيد الذي يعد شاهد العيان الوحيد لمتبرعين بالدم من فصيلة O- ، ما زاد من حالة الترقب والقلق إلى أن نشرت زوجة بايزيد في اليوم التالي لقطة من مكالمة فيديو معه، تظهر فيها علامات التعب والإعياء على وجه بايزيد، بدأت معها عاصفة من التحية والاطمئنان؛ وكذلك الأسئلة حول الحادث بعدما ثارت شكوك عديدة حوله، وزاد من حدتها سفر يايزيد بعد أقل من ثماني عشرة ساعة إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي أكده لاحقاً في مساء ذلك اليوم نهاد عوض المدير التنفيذي لمجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير)، عندما نشر صورة له مع بايزيد بعد وصوله إلى الولايات المتحدة. وفق ما نقله موقع العربي الجديد

تقريران وفصيلتا دم لمريض واحد 

بعد مرور يوم على الحادث، نشر بايزيد منشوراً يحكي فيه ما حدث، مرفقاً بصورتين له في غرفة الطوارئ بالمستشفى، يجلس متكئا على ذراعه اليمنى ويغطي الدم كتفه، قائلا في منشوره، إن “هناك رجل أعمال سوريا يدعى ( أ.ع ) تواصل معه و أخبره بنيته تمويل فيلم النفق، ذهب بايزيد ورفيقه للقاء الرجل ففوجئا حسب نص ما رواه بمن يحاول قتل بايزيد”.

يقول بايزيد “توجهنا أنا وسلامة لحضور الموعد في نقطة أرسلها لنا عبر خرائط غوغل، المكان كان تجمعا راقيا من الشقق السكنية والفلل لكن عند وصولنا للنقطة نفسها وجدنا أنفسنا في أرض خالية تماماً. اعتقدنا حينها أن العنوان به خطأ ما لنجد رجلاً يرتدي ملابس سوداء يقترب من السيارة وهو يبتسم وبيده جوّال يبدو أنه ضمن مكالمة ويريد إعطاءه لي. سألني “أستاذ محمد؟” أجبته نعم وقمت بإنزال زجاج السيارة ليقول لي وهو يعطيني الهاتف “أ.غ يريد التحدث معك”. اعتقدت حينها أنه حارس مدخل المكان ومددت يدي لأفاجأ بيده الأخرى تندفع إلى صدري وبها سكّين، بسرعة كبيرة ملت بجسدي نحو اليسار باتجاه سلامة الذي كان يقود السيارة لتأتي الطعنة أعلى الصدر في الكتف اليمنى، السكين اخترقت جسمي بشكل كامل وخرجت من ظهري وبالرغم من ذلك لم أشعر بشيء في أول ثانية، لكن عند سحبه للسكين شعرت بألم لا يوصف وانتثرت الدماء في كل مكان في السيارة. سلامة قاد السيارة حينها مسرعاً مبتعداً عن المكان. عند ابتعادنا عن الخطر أوقف سلامة السيارة ونظر إلي ليعرف حجم الضرر الذي أصابني. كنت أضغط بيدي على الجرح لأخفف النزيف لكن قميصي امتلأ سريعاً بالدماء. مضى سلامة مسرعاً بالسيارة إلى أقرب مستشفى يعرفه Medipol University Hospital وخلال الطريق اتصلت بسماح وأخبرتها بما حدث وباسم المستشفى التي نتوجه إليه. حينها بدأت أفقد الوعي فالنزف كان شديداً. لا أذكر آخر لحظات وصولنا للمستشفى لكن أذكر الضجيج المحيط بغرفة الإسعاف وهم يخرجونني من السيارة”.

أثار المنشور السابق تساؤلات عدة بين المشككين برواية بايزيد، إذ ما الذي يدفع شخصا مثله تعرض لمحاولة اغتيال أن يخفي هوية قاتله بذكر الأحرف الأولى فقط من اسمه؟ وأين هي الدماء التي أغرقت قميصه ناصع البياض بالصور التي نشرها بنفسه، فحسب الصور كانت هناك بقعة دماء متوسطة الحجم في منطقة الكتف فقط، و كيف كان فاقدا للوعي حسب الرواية، ومتكئاً على ذراعه حسب الصور؟ وهل يمكن أن يصاب الإنسان إصابة بمثل خطورة ماوصف ويسافر بعدها في رحلة جوية تستغرق أكثر من عشر ساعات بأقل من يوم؟”.

للرد على الأسئلة السابقة تواصلنا مع محمد بايزيد الذي زود معدة المادة، بالتقرير الطبي الصادر عن مستشفى ميديبول التركي، وهنا؛ ثارت تساؤلات أكثر، بعد عرضه على الدكتور محمد غيث أخصائي التخدير والرعاية المركزة، في جامعة عين شمس بالقاهرة، إذ أكد الطبيب المصري أنه “لا يوجد فيه ما يدل على حالة طارئة أو خطرة من الأساس!” هكذا بدأ حديثه قبل أن يستطرد موضحا، “التقرير يتحدث عن مريض بحالة مستقرة، بدرجة وعي 15 ويعاني جرحا سطحيا بعرض 1 سنتيمتر، في الجزء الأعلى من الكتف اليمنى، ومثله في الجزء الخلفي من الكتف محاطا بسحجات وزرقة، من كدمة أوقفت أي نزيف به، وتم عمل خياطة (تقطيب) للجرح مع إجراءات الوقاية من التيتانوس (حقنة)، وتم كتابة وصفة للخروج تتمثل في مضاد حيوي أوغمنتين مرتين يوميا، وكتب له خروج لعدم وجود أية خطورة، بعد مراجعة أطباء الأشعة، ولكون الحالة لا تستلزم البقاء في المستشفى”.

“إذا أردتم رأيي كطبيب طوارئ ورعاية مركزة، قضى جزءا محترما من ممارسته في رعاية جراحات القلب والصدر، فإن القصة كلها غير مترابطة” يضيف الدكتور غيث مكملا: “إن الضربة، وفقا للرواية، إذا كانت موجهة من شخص واقف إلى شخص جالس داخل سيارة، فإن الكتف اليمنى هي الأبرز، لكن سيكون اتجاه السكين من أعلى إلى أسفل حسب اتجاه قوة يد الجاني باتجاه المجني عليه، أما عن مكان الطعن فإنه معقد جدا، حيث يوجد به شريان “تحت الترقوة” ووريد “تحت الترقوة”، كما يوجد به الجزء الأعلى من الرئة “اليمنى في هذه الحالة”، المحاط بالغشاء البلوري، وأَي مساس بتلك المنطقة بعمق أكثر من ٢ سنتم معناه إما نزيف لا يمكن إيقافه، أو حدوث “ارتواح بالرئة” نتيجه أن الغشاء البلوري يتمتع بضغط سالب، مما سيؤدي إلى دخول الهواء بداخله، وتأثير ذلك خطير على الرئة اليمنى والتنفس لأن الهواء سيضغط على الرئة من الخارج، مما يستلزم إعاده الرئة لوضعها عن طريق استخدام أنبوبة صدر Chest tube”.

“كما لا تخلو الرواية من تناقضات طبية غير مفسرة” يتابع غيث: “فالمنشور الذي استنجد فيه صديقه بالأصدقاء على الفيسبوك، ليتبرعوا بالدم عاجلا لإنقاذه، لم يذكر اسم المستشفى ولا عنوانه، وإنما جعل التبرع عبر الصديق (حصريا) ولأصدقاء المصاب المقربين حصريا أيضا، وأعترف بجهلي بالقوانين التركية فيما يخص التبرع بالدم في المستشفيات، لكن صديقه طلب أصحاب الفصيلة O- وهي الفصيلة المشهور لدى غير المتخصصين بكونها الأكثر ندرة، وهي ليست كذلك غير أن تقرير المستشفى مثبت فيه أن المريض لا ينزف أصلا، ولم يظهر في الصور أي “كانيولا وريدية” مما لابد من تركيبه لدى أي مريض في حالة طارئة خطيرة، قبل حدوث (الصدمة) وخشية ذلك، لأن ضغط الدم ينخفض بسبب النزيف، سواء كان خارجيا أو داخليا مشكوكا فيه يحتاج للأشعة للتيقن، فضلاً عن أن الفصيلة المثبتة في التقرير الذي أرسله بنفسه هي B+، لماذا إذا طلب الصديق الفصيلة المشهور عنها أنها الأكثر ندرة!”.

ثم جاءت صور أخرى للجرح من الولايات المتحدة، يوجد بها أثر لما نسميه “دباسة جراحية” في مخالفة لما جاء بتقرير المستشفى التركي من تقطيب الجرح بالخيط الجراحي.


بايزيد يستخف بتقرير المشفى التركي

واجهت معدة المادة بايزيد بهذه التحفظات الطبية، فأبدى استخفافه بتقرير المستشفى التركي، طالبا منا عدم الاعتداد به، إذ “كيف نصدق تقريرا طبيا، ونكذب ما يشعر به بنفسه في جسده طيلة الوقت!” على حد تعبيره، كما ذكر أنه سيأتي بتقرير آخر، من طبيب يعرفه في الولايات المتحدة، يكون أدق من الأول، الذي أرسله لنا بنفسه.

في اليوم التالي كتب بايزيد منشوراً مرفقا بتقرير طبي للدكتور عصام عميش، جاء مختصراً في صفحة واحدة عكس تقرير المستشفى التركي، أكد ما قاله بايزيد من قبل، جرح نافذ بعمق ٣ سنتم تسبب بقطع النسيج تحت الجلد وتجلط الدم.

عبر تتبع التقرير الثاني وبالتواصل مع الطبيب عصام عميش، أكد أنه عاين الجرح برؤيا العين، وعند سؤاله عن كيفية التأكد من طول الجرح تحت الجلد وهو مقفل بالأساس وتمت خياطته في مشفى تركي منذ أيام، أجاب بأن “ما حصل من ضرر وقطع للأنسجة العضلية بينهما يجعل الأمر مؤكدا بالنسبة له خاصة أن لديه خبرة تزيد عن عشرين عاماً في الجراحة والحوادث، الطبيب أخبرنا أن الجرح مطابق لوصف المريض الذي جاء إلى عيادته ولم يعرفه من قبل!”.

تجاوب المخرج بايزيد مع طلب صور الأشعة وأرسلها، وبعرضها على الدكتور أحمد عبد ربه، استشاري الأشعة بجامعة عين شمس، عاينها قائلا إنها “صور أشعة مقطعية بالصبغة لمنطقة الصدر والرقبة، لفحص غير مكتمل وليس عليه أي بيانات شخصية، الصورغالبا، لذكر متوسط العمر”.

لكنها لا تفيد بوجود أي حالة مرضية، باستثناء ما يظهر أنه تجمع دموي بسيط تحت الجلد غير ذي دلالة، و ليس أثرا لطعنة نافذة، من الجهتين، كما يقول المصاب، وفق ما أضافه الطبيب عبد ربه قبل أن يكمل “هناك ملاحظات أخرى على الصور المرسلة” يتابع د. عبدربه: “تم التصوير برفع ذراع واحدة هي اليسرى، وربما كان هذا لعدم قدرة المصاب على رفع اليمنى، إذ يفضل التصوير برفع الاثنتين فوق الرأس، ولكن ما يظهر أن الصبغة قد تم حقنها في الذراع اليمنى، وهو أمر غير معتاد لأنها المصابة، ولأن هناك – حسب قول المصاب – شكا في إصابة وعائية، قد تتسبب في تسرب الصبغة مع النزف الداخلي، كما أن الطعن النافذ لابد وأن يتسبب في أضرار بالغة بالعضلة شبه المنحرفة، وهناك فارق كبير بين التجمع الدموي السطحي، وبين ذلك العضلي الناتج عن دخول جسم حاد ونفاذه، ناهيك عما يقال من خروجه من الجهة الأخرى”.

الدكتور أحمد عبد ربه علق على تقرير الدكتور عصام عميش قائلا “هذا التقرير لا يصف هذه الحالة التي رأيت صورها المقطعية، بل ولا يمثل تقريرا طبيا بالصورة المتعارف عليها، فهو يبدو عموميا، وموجها لجمهور الإعلام العام، ولم يكتب بلغة متخصصة”.

لا زالت هناك شكوك محيرة، وأسئلة تبدو إجاباتها واضحة، إلا أنها ليست كذلك، أبسطها هو كيف يتناقض تقريران بهذا الشكل في وصف نفس الحالة، هكذا يؤكد الطبيبان غيث وعبد ربه


نفي الشرطة

تواصلت معدة المادة مع المكتب الإعلامي لأمنيات إسطنبول، الإثنين الماضي، وردا على سؤال حول التحقيقات في قضية بايزيد، الذي قال أن رفيقه أعطى إفادة للشرطة باليوم التالي، كانت إجابة الشرطة قاطعة بـ”النفي”، مؤكدة أنها “لم تتلق أية بلاغات حول الحادث ولا توجد لديها أية معلومات عن حادث طعن بالمنطقة والتاريخ المذكورين، إذا لماذا أكد بايزيد و صديقه بوجود إفادة لدى الشرطة، بل إن الشرطة رافقته إلى المطار وفق ما كتبه بنفسه!، في تناقض جديد لحادثة بدأت بما كُتب على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” وواجهتها ردود المشككين من خلال حساباتهم الشخصية في الواقع الافتراضي.

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الاغتيال "الفيسبوكي" لـ"بايزيد"..تناقضات بدأت وانتهت في الواقع الافتراضي

هيومن فويس: متابعة مساء الثلاثاء في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، فوجئ أصدقاء المخرج السوري محمد بايزيد على موقع التواصل الاجتماعي بمنشور كتبه صديقه سلامة عبدو، قائلا إنهما تعرضا قبل قليل إلى محاولة اغتيال في اسطنبول، وأن محمد أصيب بطعنة في منطقة الصدر اخترقت جسمه وخرجت من الطرف الآخر، متابعا "قمت بإسعافه وهو الآن في غرفة الطوارئ. حضرت الشرطة التركية وقمت بتزويدهم بتفاصيل الحادثة ومكانها ولا أستطيع أن أذكر تفاصيل أكثر الآن للضرورة الأمنية. أكتب هذا البوست من هاتف محمد". لقي المنشور حملة واسعة من التعاطف والذعر إذ سرعان ما ربط نشطاء ومتابعون بين المنشور وبين مقتل الصحافية عروبة بركات

Send this to a friend