هل يمكن حقاً أن تأخذ ألمانيا حيزاً عاطفياً موازياً لوطني سوريا؟ يأخذنا الاشتياق غالباً للذكريات البعيدة التي تركناها في بلدنا لدرجة قد نغفل معها بأن بإمكاننا أن نصنع ذكريات ربما أجمل في الوطن الجديد، كما تكتب ريم ضوا.

 كنت أستيقظ غالباً متفاجئة، أين أنا؟ هذه ليست غرفتي، وبعد لحظات تمر وكأنها أعوام.. أدرك أنني في ألمانيا. كنت أسير مثقلة بهذه الذكريات وكأن الحياة والسعادة انتهت هناك، ويخيل إلي أن أي حافلة أو تاكسي ستأخذني إلى بيتي في سوريا.. ثم أدرك بأن المسافات الحقيقية أكبر من الخيال.

كنت أخبر صديقتي الألمانية عن كل هذه الأفكار وبأننا محقون بتسمية الوطن، بالوطن الأم، فكان ردها غريباً وجميلاً.. أخبرتني بأنها تتحدث مع ابنتها عن الأم البديلة، أو ما نطلق عليها اسم (الخالة: زوجة الأب) التي بمجرد ذكر هذا الكلمة نتخيل كماً هائلاً من الشر والمكر، فاجأتني بأنها تهيئ ابنتها لمحبة الأم البديلة، وبأن القصص التي تحكى عنها في ألمانيا، تعكس صورة الخالة اللطيفة التي تعطف على أبناء زوجها، بذلك تزرع بذور المحبة تحسباً لأي حادث قد يصيبها، فتعلم الأم بذلك بأن صغيرتها لن تُحرم من حنان الأم كلياً، بل قد تجده في حضن دافئ آخر. كان قصدها واضحاً، ولأننا نشأنا على قصص سندريلا وخالتها، وسماع (الغربة كربة) سنعاني حتماً منذ اليوم الأول فيها لما تبنيناه من مشاعر جاهزة.

بعد عام من إقامتي في ألمانيا تقريباً، قمت بأول رحلة خارجها، دامت ما يقارب الشهر، لن أنسى في رحلة عودتي مدى سعادتي عند هبوط الطائرة على الأراضي الألمانية، انتابني شعور غريب تلك اللحظة، شعور يشابه الوصول إلى مشارف مدينتي في سوريا. أدركت مدى شوقي لشارعي وسكني الصغير والطرقات التي ألفتها كما ألفت خطواتي، أصدقائي، جامعتي، النظام الحاضر في كل تفاصيل هذا البلد، حتى وجوه الناس في المدينة. أدركت بأن لذلك المقهى المجاور لبيتي مقعد ينتظرني دائماً، منذ تلعثمي باللغة الألمانية أثناء طلبي القهوة، حتى إتمام جملتي بلا أخطاء تذكر.

شعرت حينها بأنني مخطئة بتسميتي لهذا البلد “الغربة”، مخطئة حين أفكر بأن الحياة لا تستمر إلا هناك. فقررت حجز مساحة كبيرة في ذاكرتي لصنع ذكريات جديدة، ولا أقصد مسح ذكرياتي إطلاقاً، بل تهيئة زوايا سعادة لاحتضان الحياة الجديدة. صناعة الذكريات الجديدة تعتمد على قرار نتخذه، قد تتمحور هذه الذكريات على إنجازات صغيرة أو كبيرة، أو على فهم المجتمع والثقافة الجديدة، أو النجاح بتقديم ثقافتنا بصورتها الإيجابية “بوجهها الأبيض”… أو حتى على حفظ أدوات التعريف في اللغة الألمانية. المهم القرار، لأن الحياة تستحق المحاولة.

الآن بعد أربعة أعوام وعدة أشهر مليئة بالتحديات، ورغم تذمري من البيروقراطية التي ربما لن أقدر على التصالح معها يوماً، وبرودة الطقس التي يغفر جمال الثلج قسوتها، أعلن بأن في قلبي متسع لهذه الأم البديلة، وفي ذاكرتي صفحات ملونة كُتبت خلال هذه الفترة، وارتباط بأشياء وكتب جديدة، وإن أقلعت بي الطائرة إلى غربة ثانية، سينقسم الحنين ما بينها وبين سوريا حتماً، لأن حكايتي فيها لم تتوقف على الاندماج، بل حياة.. استمرار بالحياة.

المصدر: DW

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

مهاجرة سورية .. وهنا أيضاً ما يستحق الحياة

هل يمكن حقاً أن تأخذ ألمانيا حيزاً عاطفياً موازياً لوطني سوريا؟ يأخذنا الاشتياق غالباً للذكريات البعيدة التي تركناها في بلدنا لدرجة قد نغفل معها بأن بإمكاننا أن نصنع ذكريات ربما أجمل في الوطن الجديد، كما تكتب ريم ضوا.  كنت أستيقظ غالباً متفاجئة، أين أنا؟ هذه ليست غرفتي، وبعد لحظات تمر وكأنها أعوام.. أدرك أنني في ألمانيا. كنت أسير مثقلة بهذه الذكريات وكأن الحياة والسعادة انتهت هناك، ويخيل إلي أن أي حافلة أو تاكسي ستأخذني إلى بيتي في سوريا.. ثم أدرك بأن المسافات الحقيقية أكبر من الخيال. كنت أخبر صديقتي الألمانية عن كل هذه الأفكار وبأننا محقون بتسمية الوطن، بالوطن الأم،

Send this to a friend