هيومن فويس

دخل القارة السمراء وقاعدة عسكرية هي الأكبر خارج حدوده.. الجيش التركي يؤسس جيشا قويا في افريقيا 

بافتتاح هذه القاعدة تحتل تركيا المركز السادس من حيث الدول التي لها قواعد عسكرية في القارة السمراء، وبالتحديد في القرن الإفريقي، بعد الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واليابان والصين، ومع هذا فلا يعني ذلك أن الطريق أمامها أصبح مفروشًا بالورود؛ إذ ثمة تحديات عدَّة تواجهها في مسارها للتوسع في أدغال شرق إفريقيا منها تعدد الفاعلين الدوليين وحالة الاستقطاب الدولي والإقليمي في الصومال.

افتتحت تركيا رسميا قاعدة عسكرية كبيرة بجنوب العاصمة الصومالية مقديشو.

وتعد القاعدة، التي تضم ثلاث مدارس عسـ.ـكرية بجانب منشآت أخرى، أكبر معـ.ـسكر تركي للتدريب العـ.ـسكري خارج تركيا.

وتقع القاعدة على ساحل المحيط الهندي، وتعمل بطاقة تدريب تصل إلى 1500 جندي صومالي.

والهدف الرئيسي من إقامة هذه القاعدة هو المساعدة في إنشاء جيش صومالي قوي قادر على مواجهة حركة الشبـ.ـاب الإسـ.ـلامية المتـ.ـشددة وغيرها من الجـ.ـماعات المـ.ـسلحة.

ومع دخول عام 2021، يواصل الجيش التركي، تقديم التـ.ـدريبات العسـ.ـكرية لأفراد القـ.ـوات المسـ.ـلحة الصومالية، وذلك بهدف الارتقاء بقدراتهم القـ.ـتالية والوصول بها إلى المعايير الدولية، في إطار حرص تركيا على مكافحة الإرهاب العالمي.

وفي هذا الصدد، أعلنت وزارة الدفاع التركية، الثلاثاء، مواصلة تقديم “تدريبات كومـ.ـاندوز الأساسية” إلى 150 من أفراد القـ.ـوات المسلحة الصومالية، وذلك في مركز التعليم العسكري والتدريب على مكافحة الإرهـ.ـاب في ولاية إسبارطة جنوب غربي تركيا.

وأوضحت الوزارة أن التدريبات التي بدأت في 21 ديسمبر/كانون الأول 2020، تتواصل كما هو مخطط لها.

وتساهم التدريبات العسكرية التي تقدمها تركيا للجيش الصومالي، بتعزيز قـ.ـوته في مكافحة الإرهاب وإحلال السلام والاستقرار، فمنذ سنوات تقاتل القوات الصومالية مسلحي حركة “الشباب”.

وفي 25 تموز/يوليو الماضي خرّجت ثكنة الأناضـ.ـول العسكرية في العاصمة الصومالية مقديشو، 152 ضـ.ـابطا صوماليا.

كما أقيم مطلع آب/أغسطس الماضي، حفل تخريج لعدد من أفراد الجيش الصومالي في مركز القيادة والتدريب الخاص بمكافحة الإرهـ.ـاب بولاية إسبارطة جنوب غربي تركيا، في دروة شملت التدريب الأساسي لعناصر الكومـ.ـاندوز في هيئة أركان الجيش الصومالي.

وتقوم قوى أجنبية أخرى، بينها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بتدريب القوات الصومالية، وهناك شكاوى من غياب التنسيق في هذا الشأن، حسبما توضح ماري هاربر محررة الشؤون الافريقية في بي بي سي.

أهمية استراتيجية

تبرز الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القرن الإفريقي من إشرافه على بحر العرب والبحر الأحمر والمحيط الهندي أولًا، واشتراكه مع اليمن في الإطلالة المباشرة على خليج عدن، ومضيق باب المندب.

وثانيًا: من المساحة البرية، التي تمثل هي الأخرى نقطة الانطلاق من المياه الدافئة إلى البر، وصولًا إلى قلب إفريقيا؛ الأمر الذي يمثل نقطة الوصل بين البر والبحر معًا.

وهذا ما يفسر تاريخ الصراعات الاستعمارية المحتدمة حول المنطقة منذ قرون طويلة بهدف السيطرة عليها، ما جعل منطقة القرن الإفريقي منذ القدم وحتى اليوم هدفًا من أهداف الطامعين.

تزامن مجيء تركيا إلى الصومال في مرحلة حساسة لتحسين معالم هذا البلد المضطرب، وكان الصومال بأمسِّ الحاجة إلى كل من يمدُّ له يد المساعدة للخروج من محنته، مع تزاحم اللاعبين الإقليميين والدوليين في الساحة.

وفي هذه الورقة نحاول أن نتناول دلالات إنشاء هذه القاعدة العسكرية التركية في مقديشو، وتداعياتها على الصومال، ومدى تأثيرها على اللاعبين الإقليميين خصوصًا في ظل التنافس الإماراتي-التركي على الصومال، ومستقبل الصومال في ظل التواجد العسكري التركي على أراضيه.

هل سيكون الصومال بوابة تركيا إلى إفريقيا؟

وصلت تركيا إلى الصومال في وقت انشغل فيه العالم أجمع عن المجاعة والمأساة الإنسانية التي يعيشها الصومال، وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أول زعيم، يشغل منصب رئيس دولة، يزور الصومال، في أغسطس/آب 2011.

فاتحًا الباب أمام مساعدات إنسانية واقتصادية وتنموية تركية غير محدودة للصومال، وصلت ذروتها، بالتوقيع على اتفاقية للتعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين.

وترافق هذا الزخم الإغاثي التركي مع مسار تنموي اتخذ أوجهًا عدَّة؛ ففي المجال التعليمي، فتحت تركيا أبواب جامعتها لآلاف الطلبة الصوماليين من خريجي مدارس وجامعات الصومال عبر برنامج المنح الحكومية وعبر منح خاصة أخرى.

ومن جهود الإغاثة التركية ترميم مستشفى “ديكفير” الذي يُطلق عليه حاليًّا مستشفى “أردوغان” في العاصمة الصومالية، مقديشو، وتم افتتاح المستشفى أثناء الزيارة الثانية التي قام بها أردوغان إلى الصومال في يناير/كانون الثاني 2015.

ويعمل بهذا المستشفى طاقم طبي مكوَّن من تسعين طبيبا تركيًّا، ومائتي طبيب صومالي من بينهم ثمانية عشر طبيبًا متخصصًا. وإلى جانب الكوادر الطبية يستقبل المستشفى مرضى من الصومال ومن الدول المجاورة كذلك مثل كينيا وجيبوتي.

كما أن العلاقة بين تركيا والصومال ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمصالح الاقتصادية للشركات التركية التي تسعى إلى تطوير وإدارة البنية التحتية في الصومال، وقدَّمت أيضًا الشركات التركية خدمات غير قليلة في مدينة كسمايو الساحلية الجنوبية.

إضافة إلى رحلات الخطوط الجوية التركية المستمرة بين مقديشو وإسطنبول.

الدعم السياسي والاقتصادي التركي للصومال

في المجال السياسي، نجحت تركيا في أن تجعل إسطنبول عاصمة المؤتمرات الصومالية؛ حيث استقبلت عددًا من مؤتمرات المانحين ولقاءات المصالحة الصومالية.

وكان أبرز ما تمخض عن أحدها خطوة اعتُبرت بـ”المهمة”، وهي قضية أرض الصومال؛ حيث اتفقت إدارة صومالي لاند مع الحكومة الصومالية على إدارة مشتركة للمجال الجوي الصومالي لأول مرة منذ اندلاع الأزمة بين الطرفين.

أما الجانب الاقتصادي، فقد أكَّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على أن بلاده ستواصل دعمها للشعب الصومالي من أجل الخروج من محنته والعيش في أمان وسلام.

وذلك في كلمة له بمنتدى الأعمال التركي الصومالي الذي ينظمه مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي بإسطنبول.

ويشير نائب رئيس الوزراء التركي، لطفي ألوان، إلى أن حجم الاستثمارات التركية في الصومال بلغ مئة مليون دولار بنهاية العام 2016.

وقال: “حين ننظر إلى إمكانيات العمل في الصومال، يجذب انتباهنا امتلاكه أطول ساحل بإفريقيا وموارد الطاقة المتجددة؛ وسنشجع مستثمرينا على الاستثمار في الصومال خاصة في مجالات صيد الأسماك والزراعة(2).

كما أن وزير الاقتصاد التركي، مصطفى أليطاش، بيَّن أن حجم التبادل التجاري بين تركيا والصومال بلغ 72 مليون دولار من العام نفسه، ويطمحون لرفعه إلى 80 مليون دولار في العام 2017 و100 مليون دولار في العام 2018.

أهداف القاعدة العسكرية التركية

افتتحت تركيا أول قاعدة عسكرية لها في إفريقيا، وتقع على بعد كيلومترين جنوب العاصمة الصومالية، مقديشو، وتبلغ مساحتها نحو 400 هكتار، وتضم ثلاثة مرافق مختلفة للتدريب، إضافة إلى مخازن للأسلحة والذخيرة، وتبلغ تكلفتها المالية 50 مليون دولار تقريبًا.

أُنشئت هذه القاعدة العسكرية التركية في مقديشو بموجب اتفاقية عسكرية تم إبرامها بين البلدين في ديسمبر/كانون الأول 2012، تعهدت تركيا من خلالها بالمشاركة في إعادة تأهيل الجيش الصومالي.

ولا شك في أن القاعدة العسكرية التركية التي تم افتتاحها في مقديشو، في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2017، بحضور قائد أركان الجيش التركي، خلوصي أكار، ورئيس الوزراء الصومالي، حسن علي خيري، ومسؤولين آخرين من الجانبين، ستمنح تركيا امتيازات كبيرة على خليج عدن الاستراتيجي.

كما ستكون محطة لتوسيع النفوذ التركي في القارة الإفريقية، وذلك بعد أن وضعت تركيا قدمًا لها على الخليج العربي من خلال إنشاء قاعدة عسكرية في قطر.

ويشير موقع (خبر7)، التركي، إلى أن القاعدة التركية في الصومال تأتي في إطار سياسة فتح أسواق جديدة للأسلحة التركية والبحث عن أسواق جديدة لبيع الأسلـ.ـحة التي تنتجها أنقرة.

مضيفة أن تركيا تبدأ أعمالها في هذا الإطار من خلال تعزيز تواجدها في الشرق الأوسط وإفريقيا، ويأتي اختيارها لقطر والصومال للأهمية الاستراتيجية لهاتين الدولتين، إلى جانب أسباب أخرى.

يشرف الجيش التركي على تدريب أكثر من 10 آلاف جندي صومالي في هذه القاعدة، وستفتح القاعدة أبوابًا واسعة لبيع وتصدير السلاح التركي وفق بعض التقارير؛ حيث تسعى أنقرة منذ سنوات إلى تطوير صناعاتها الدفاعية بشكل كبير ورفع نسب تصديرها للخارج.

وتدرك تركيا جيدًا أهمية الصومال بالنظر إلى موقعه الجغرافي الذي يربط بين القارات وباعتباره ممرًّا مهمًّا للطاقة في العالم، إضافة إلى الثروات الكثيرة التي يمتلكها الصومال والمخزون النفطي به، وبالتالي فإن الصومال يدخل ضمن سياسة عامة تنتهجها تركيا للتأثير على المستويين الإقليمي والدولي.

الأبعاد الاستراتيجية للقاعدة التركية

رسميًّا، لم تزد تركيا على التذكير بأن الهدف من تأسيس هذه القاعدة ما هو إلا تدريب وتأهيل الجيش الصومالي والتعاون العسكري مع مقديشو.

غير أن المراقبين يعتقدون أن الأمر يتجاوز ذلك ليصل إلى نوع من التمدد الاستراتيجي في هذه المنطقة المهمة جغرافيًّا، وهو ما سيمكِّن أنقرة من تعزيز وتقوية أوراقها في بعض الملفات الإقليمية. ويمكننا أن نقسم هذا التصور إلى ثلاثة أقسام:

أولًا: مواجهة تنامي نفوذ بعض القوى الإقليمية والدولية، مثل: إيران، وإسرائيل، والصين، ومحاولة تطويق ومحاصرة تحركات بعض القوى الأخرى، مثل: الإمارات، ومصر، في إطار التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في المنطقة، إضافة إلى السعي نحو تقديم نفسها كبديل إقليمي جاهز لتحقيق وحماية مصالح وأهداف القوى الغربية والولايات المتحدة في المنطقة، في إطار استراتيجيتها الرامية إلى بناء قوة ونفوذ، يخلق منها قوة عظمى سياسيًّا، واقتصاديًّا، وعسكريًّا.

ثانيًا: تعزيز الحضور التركي في منطقة القرن الإفريقي، نظرًا لأهميتها الاستراتيجية، لاسيما في الصومال، لكونه يقع في قلب مسرح الأحداث الإقليمية، بما يجعله بمنزلة العمق الاستراتيجي للأمن القومي العربي، ولقربه الجغرافي من منطقة الخليج العربي، ومنطقة الشرق الأوسط، كما أن الصومال يطل على البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، والذي تسعى تركيا -كما يبدو- لإثبات وجودها ونفوذها في هذه الممرات المائية.

ثالثًا: حماية المصالح الاقتصادية التركية في القارة الإفريقية، والبحث عن المزيد من الاستثمارات في منطقة شرق إفريقيا، والقرن الإفريقي؛ حيث يمنح الوجود في هذه المنطقة تركيا العديد من المميزات على جميع المستويات السياسية، والاقتصادية، والأمنية، والعسكرية.

ففي الوقت الذي يبلغ فيه حجم الاستثمارات التركية المباشرة في إفريقيا نحو ستة مليارات دولار، تستحوذ منطقة شرق إفريقيا على نصفها تقريبًا، ويبلغ نصيب الصومال منها نحو مئة مليون دولار

المصدر: دراسات الجزيرة- وكالة انباء تركيا وبي بي سي

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الجيش التركي يؤسس جيشا قويا في افريقيا..وقاعدة عسكرية هي الأكبر خارج حدوده

هيومن فويس دخل القارة السمراء وقاعدة عسكرية هي الأكبر خارج حدوده.. الجيش التركي يؤسس جيشا قويا في افريقيا  بافتتاح هذه القاعدة تحتل تركيا المركز السادس من حيث الدول التي لها قواعد عسكرية في القارة السمراء، وبالتحديد في القرن الإفريقي، بعد الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واليابان والصين، ومع هذا فلا يعني ذلك أن الطريق أمامها أصبح مفروشًا بالورود؛ إذ ثمة تحديات عدَّة تواجهها في مسارها للتوسع في أدغال شرق إفريقيا منها تعدد الفاعلين الدوليين وحالة الاستقطاب الدولي والإقليمي في الصومال. افتتحت تركيا رسميا قاعدة عسكرية كبيرة بجنوب العاصمة الصومالية مقديشو. وتعد القاعدة، التي تضم ثلاث مدارس عسـ.ـكرية بجانب منشآت أخرى، أكبر

Send this to a friend