هيومن فويس

تركيا تنتقل من مرحلة فتح الجبهات إلى حصد الثمار

على مدار السنوات الأخيرة، أطلقت تركيا العنان لقواتها لفتح جبهات عسكرية مختلفة من سوريا والعراق وصولا إلى الصومال وليبيا وأخيراً في أذربيجان، بالتزامن مع انتشارها العسكري الكبير في شرق البحر المتوسط إلى جانب انتشارها التاريخي الكبير قبرص الشمالية، وذلك في تحول كبير من سياسية “صفر مشاكل” التي اتبعتها تركيا قبل أن تتحول إلى “الدبلوماسية الخشـ.ـينة” المدعومة بالقوة العسكرية.

هذه التدخلات العسكرية الكبيرة، رأت فيها القيادة السياسية برئاسة رجب طيب أردوغان استحقاقاً اجبارياً للتعامل مع التحولات السياسية والعسكرية في العالم والمنطقة بشكل خاص وهو ما رأت فيه محاولة لمحاصرتها واستنزافها لإضعافها ورسم خريطة جديدة للمنطقة.

وفي ظل الاختلاف الكبير داخلياً وخارجياً في التقديرات حول جدوى هذه التدخلات ومدى نجاحها في تحقيق مكاسب إيجابية لتركيا ومستقبلها، فإن هناك إجماع على أنها كلفت تركيا فاتورة صعبة خاصة اقتصادياً، وأدت إلى تشكيل حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني وهو ما انعكس على الاقتصاد بشكل كبير الذي دفع فاتورة حالة عدم الاستقرار هذه.

وفي ظل تعاظم الصعوبات الاقتصادية في العالم ومنه تركيا بطبيعة الحال عقب انتشار فيروس كورونا، والتحولات التي شهدتها الإدارة الأمريكية، وتزايد الضغوط الداخلية والخارجية.

وفي ظل وجود إرادة حقيقية لإجراء إصلاحات على الصعيد الداخلي والاقتصادي بدرجة أساسية، تجد الحكومة التركية نفسها أمام استحقاق أساسي يتعلق بتحقيق الاستقرار العسكري والسياسي كمنطلق أساسي لإمكانية تحقيق استقرار ونهوض اقتصادي جديد.

وفي هذا الإطار، يعتقد أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يسعى خلال الفترة الحالية إلى التهدئة بشكل عام ومحاولة الانتقال من مرحلة فتح الجبهات العسكرية إلى مرحلة حصد الثمار وتحقيق الاستقرار، إلا أن النجاح في هذه المهمة لا يبدو سهلاً في ظل تعقد الملفات وتداخلها واستمرار الخلافات مع الكثير من الأطراف الدولية في ساحات مختلفة.

ففيما يتعلق بالإدارة الأمريكية الجديدة في عهد جون بايدن، تعتقد أوساط رسمية تركية بأنه وعلى غير ما يعتقد بشكل عام أن الصدام سيكون عنوان المرحلة، بأنه يمكن لتركيا أن تفتح صفحة جديدة للعلاقات الأمريكية التركية لا سيما وأن بايدن سياسي قديم ويعرف تركيا عن قرب وهناك قنوات اتصال مباشرة معه طوال الوقت حتى من قبل وصوله إلى الرئاسة.

ويشير مقربون إلى أن بعض التعديلات التي ربما تشهدها الحكومة التركية يمكن أن تطال وزارة الخارجية والسفير التركي في واشنطن تستهدف بالدرجة الأولى وضع أسماء جديدة لديها قدرة أكبر على التعامل مع الإدارة الجديدة.

وفي ليبيا، انتهت تركيا من مرحلة العمل العسكري المباشر، وانتقلت حالياً إلى مباحثات الحل السياسي وذلك بعدما أفشلت هجوم حفتر على العاصمة طرابلس وأعادت قواته إلى خط سرت الجفرة، ومع اقتناع كافة الأطراف باستحالة إلغاء الطرف الآخر تتراجع احتمالات العمل العسكري.

وهو ما دفع لتحقيق تقدم في المسار السياسي وبدء الحديث عن مجلس رئاسي جديد والتحضير للانتخابات وغيرها من الأمور التي تدفع لحل سياسي تحافظ تركيا من خلاله على مكتسباتها، كما يجري الحديث عن إمكانية تنظيم زيارة قريبة لأردوغان إلى طرابلس، وهي تطورات في مجملها تشير إلى إمكانية إخراج ليبيا من الملفات الشائكة في السياسة التركية وتخفف التوتر والخلاف مع الكثير من الأطراف الدولية.

وفي سوريا، يسود الهدوء في الأشهر الأخيرة كافة الجبهات، وباستثناء بعض الخروقات لروسيا والنظام في إدلب، إلا أن خطر المواجهات العسكرية الكبيرة تراجع بدرجة كبيرة وعلى الرغم من عدم وجود أي تقدم حقيقي في مسار الحل السياسي النهائي، إلا أن تراجع احتمالات المواجهات العسكرية الكبيرة يعطي مؤشرات إيجابية نحو الاستقرار وإزالة جانب كبير من الصعوبات التي خلفتها الأزمة السورية على السياسة التركية الداخلية والخارجية.

وفيما يتعلق بالحرب على تنظيم بي كا كا، اقتربت تركيا وبدرجة غير مسبوقة من القضاء على التنظيم داخل الأراضي التركية، وانعدمت قدرته على تنفيذ أي هجمات إرهابية منذ أشهر طويلة، وسط تقديرات بتراجع عدد عناصره المتواجدون داخل الأراضي التركية إلى أقل من 500 وهو العدد الأقل على الإطلاق منذ عقود.

كما أن الجيش التركي وجه ضربات قوية لقيادة التنظيم وتشكيلاته شمالي العراق، وهو ما قد يعطي مساحة للحكومة التركية للحد من عملياتها هناك وتقليل حدة الخلافات مع الحكومة العراقية خلال المرحلة المقبلة.

وبعد أن سادت خشية من تحول الاشتـ.ـباكات في قره باغ إلى صراع إقليمي تكون تركيا جزءاً منه، وعلى عكس التوقعات، نجحت أذربيجان من خلال الدعم التركي من حسم المعركة عسكرياً والتوصل إلى اتفاق سياسي حقق لباكو وأنقرة مكاسب حقيقية، وهو ما منح تركيا مكاسب سريعة وأدى لاستبعاد سيناريوهات المواجهة، بما يخدم توجهات الحكومة للتهدئة وتقليل مناطق الاشتباك وملفات الخلاف خلال المرحلة المقبلة.

وفي شرق المتوسط، وبعد أن وصل خطر الاشتباك الواسع إلى مرحل متقدمة، عاد الهدوء تدريجياً مع التوصل إلى آلية لتجنب الاشتباك في إطار الناتو، وإلى اتفاق على استئناف المباحثات الاستكشافية بوساطة ألمانية، وعلى الرغم من أن الأزمة ما زالت قائمة بقوة، إلا أن أنقرة ربما تنجح في تهدئة التوتر شرق المتوسط والتوجه للحوار بشكل أوسع، بما يمنحها مزيداً من المؤشرات الإيجابية التي ستنعكس على الاستقرار العسكري والسياسي وبالتالي الاقتصادي.

ومن شأن تراجع الخيارات العسكرية وتقدم الحلول السياسية في الكثير من الملفات السابقة، أن يعزز آليات الحوار بين تركيا والاتحاد الأوروبي وهو ما سينعكس بدوره على الاقتصاد بدرجة كبيرة، كما أن الاستقرار العسكري ربما يدفع باتجاه إمكانية إحداث اختراق في العلاقات الدبلوماسية مع عدد من الدول ربما تكون مصر والسعودية من بينهما حيث يجري الحديث عن اتصالات سياسية ولو منخفضة بين أنقرة والقاهرة قد تتوج بتفاهمات إيجابية خلال المرحلة المقبلة.

المصدر: القدس العربي

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

تركيا تنتقل من مرحلة فتح الجبهات إلى حصد الثمار

هيومن فويس تركيا تنتقل من مرحلة فتح الجبهات إلى حصد الثمار على مدار السنوات الأخيرة، أطلقت تركيا العنان لقواتها لفتح جبهات عسكرية مختلفة من سوريا والعراق وصولا إلى الصومال وليبيا وأخيراً في أذربيجان، بالتزامن مع انتشارها العسكري الكبير في شرق البحر المتوسط إلى جانب انتشارها التاريخي الكبير قبرص الشمالية، وذلك في تحول كبير من سياسية “صفر مشاكل” التي اتبعتها تركيا قبل أن تتحول إلى “الدبلوماسية الخشـ.ـينة” المدعومة بالقوة العسكرية. هذه التدخلات العسكرية الكبيرة، رأت فيها القيادة السياسية برئاسة رجب طيب أردوغان استحقاقاً اجبارياً للتعامل مع التحولات السياسية والعسكرية في العالم والمنطقة بشكل خاص وهو ما رأت فيه محاولة لمحاصرتها واستنزافها

Send this to a friend