هيومن فويس

‏أشارت تقديرات صحافية إلى أن القوات الأمريكية التي بدأت تنسحب من سوريا، قد لا تخفض قواتها إلى أدنى مستوى لها حتى خريف عام 2020، وهذا يعني أن مئات القوات الأمريكية بمعداتها تغادر منطقة الحرب في شمال شرقي سوريا. وهو ما أوضحته صحيفة «وول ستريت جورنال» في تقرير سابق، حين أكدت أن الجيش سيقوم بتقييم الظروف على الأرض وتقليل عدد القوات كل ستة أشهر أو نحو ذلك، حتى يصل إلى 400 جندي في سوريا وافق الرئيس ترامب على إبقائهم في شباط/فبراير الماضي.

وربما سيمنح تمديد الجدول الزمني للانسحاب الكلي الإدارة الأمريكية مزيداً من الوقت للتفاوض مع الحلفاء الأوروبيين الذين قالوا إنهم سيغادرون سوريا إذا سحبت الولايات المتحدة جميع قواتها، وكذلك لتحديد تفاصيل منطقة آمنة جنوب الحدود التركية بالتفاوض مع أنقرة. لكن الأكراد السوريين، أوثق حلفاء واشنطن في الحرب ضد «تنظيم الدولة»، ما زالوا يعارضون أي خطط أمريكية لإقامة منطقة آمنة وما تتطلبه من ضخٍ للقوات التركية وحلفائها من فصائل المعارضة في المناطق الخاضعة لسيطرتها حالياً على طول الحدود التركية.

وتبدو تركيا غاضبة من استمرار الشراكة بين التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والوحدات الكردية، وتهدد بمهاجمة المجموعة في الأراضي الممتدة من الضفة الشرقية لنهر الفرات وصولاً إلى الحدود العراقية، وترى فيهم خطراً على أمنها القومي، وتعمل واشنطن منذ فترة على إدارة الأزمة بين الطرفين، وأحبطت محاولات الأتراك التقدم بعد التهديد والوعيد، وأثار هذا غضب أنقرة أكثر، وردت تركيا على التمنع الأمريكي بتوثيق ارتباطها بالروس، فكلما اشتد خلافها مع الولايات المتحدة ردت بالتقرب أكثر من روسيا في لعبة برع فيها الأتراك، لكنها عملية مكلفة.

تركيا ايضاً، تستخدم كل أوراقها تقريباً حتى لا تظهر جبال قنديل أخرى للأكراد في سوريا، ومعها في هذا موسكو ودمشق، وأمريكا حاولت طمأنتها بأنها لا تريد هذا أيضاً، ولكن أنقرة لا تثق بواشنطن في المسألة الكردية، ويطاردها هاجس «الانفصال الكردي» في سوريا، إذ ترى فيهم تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وهي لهذا ترى في بسط نظام الأسد لسيطرته في منطقة الفرات الخيار الأقل سوءا، وربما هذا أحد أهم نقاط التلاقي مع دمشق. وتحاول واشنطن التوفيق بين طرفي الصراع وكلاهما حليف لها، الأتراك وأكراد سوريا، لكن هذا قد يتعذر تحقيقه على الأرض، ويرى المحلل السياسي «آرون شتاين»، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسية الخارجية، «لا تزال القضية الأساسية هي عدم التوافق بين المخاوف الأمنية التركية وأهداف «قوات سوريا الديمقراطية» (والمكون الكردي هو الأكثر سيطرة وحضوراً فيها)، ومنها إبقاء سيطرتها على المناطق التي تديرها حالياً في الشمال الشرقي، وتصل مساحتها إلى ثلث البلاد تقريباً».

ويقول قادة الأكراد إن هذا سيكون شرطاً ضرورياً لأي اتفاق مستقبلي مع دمشق، لكنه شرط لا يقبله النظام. وإحدى معضلات فكرة المنطقة الآمنة، أن الأوروبيين الذين دعاهم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للمساعدة في مراقبة المنطقة، لم يبدوا أي اهتمام للقيام بذلك. وهناك حديث عن محاولة حل هذه المشكلة بإدخال قوة ثالثة في المنطقة العازلة المقترحة، لكن هذا لا يتماشى مع ما يقوله الأتراك علناً إنهم يريدون لقواتهم الخاصة مراقبة المنطقة، وهو ما يرفضه الأكراد.

وربما يرى عدد كبير من الأكراد والعرب الذين يعيشون في الأراضي الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» في عودة قوات النظام الخيار الأقل شراً بضمانات روسية، ولعلهم يرغبون في أن يكون الأمريكيون هم الضامنون، لكن هذا مستبعد لرفض واشنطن التحدث إلى دمشق، على الأقل في الوقت الحالي، وفرض عقوبات جديدة لزيادة الضغط عليها. ولكن الدعم الروسي للأكراد في جلوسهم وتفاوضهم مع النظام، في ترتيب مستقبل مناطق سيطرتهم في الشمال الشرقي، يتوقف على قطع علاقاتهم مع الولايات المتحدة. ولكن الأكراد لا يريدون إنهاء تحالفهم مع واشنطن، على الأقل في الفترة الحالية، حتى تكشف الولايات المتحدة أوراقها وخطتها النهائية.

وحسب المحلل آرون شتاين فان الروس سعداء بالسماح لتركيا بمواصلة تهديداتها بمهاجمة «وحدات حماية الشعب» الكردية، والرسالة باختصار: «إما أن تدع النظام يعود أو عليك مواجهة الأتراك، لأن الأمريكيين لن يدافعوا عنك، كما لم يفعلوا في عفرين». وأمريكا منهكة ومرهقة من العسكرة المفرطة واستنزفتها حروب المنطقة (أفغانستان والعراق).

ولا يبدو أنها مستعدة لأي تدخل عسكري جديد خارج دائرة الحرب على بقايا «تنظيم الدولة»، وهذا ما يعزز فرص الروس في العمل على تمكين نظام دمشق من السيطرة على المناطق التي لا تزال خارج سيطرته في الشمال الشرقي لسوريا. وقد لا تعترض تركيا على بسط السيطرة، وفقا لتقديرات شتاين، وموقفها في هذا يتناقض مع موقف الولايات المتحدة. فبينما تقول واشنطن إن النظام / روسيا يجب أن لا يتحركوا نحو شرق نهر الفرات، فإن أنقرة لا يثير قلقها تحرك النظام عبر النهر إذا ما سيطر الجيش التركي على المنطقة الآمنة، ويمكن الاعتماد على روسيا لإبقاء النظام تحت المراقبة على طول الخط الأمامي للقوات.

أما إذا فشلت المفاوضات بين الولايات المتحدة وتركيا، فيمكن لتركيا أيضاً محاولة العمل مع روسيا للتوصل إلى اتفاق على منطقة عازلة ضيقة، تماشياً مع شروط اتفاق أضنة، وهو بروتوكول وقعته تركيا مع النظام السوري في عام 1998. وهذا المآل المتوقع، ليس نتيجة مرضية للحرب الأمريكية في سوريا، كما يرى شتاين، لكن سوف يصبح من الواضح تماماً أن الوجود الأمريكي في سوريا قد انتهى عملياً، وما أبقى البنتاغون إلا على حضور رمزي، بغض النظر عن وضع المفاوضات الجارية والمعقدة جداً مع الأتراك حول المنطقة الآمنة.

القدس العربي

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

أكراد سوريا.. سيوفهم مع أمريكا وقلوبهم مع النظام ومستقبلهم بقبضة الروس

هيومن فويس ‏أشارت تقديرات صحافية إلى أن القوات الأمريكية التي بدأت تنسحب من سوريا، قد لا تخفض قواتها إلى أدنى مستوى لها حتى خريف عام 2020، وهذا يعني أن مئات القوات الأمريكية بمعداتها تغادر منطقة الحرب في شمال شرقي سوريا. وهو ما أوضحته صحيفة «وول ستريت جورنال» في تقرير سابق، حين أكدت أن الجيش سيقوم بتقييم الظروف على الأرض وتقليل عدد القوات كل ستة أشهر أو نحو ذلك، حتى يصل إلى 400 جندي في سوريا وافق الرئيس ترامب على إبقائهم في شباط/فبراير الماضي. وربما سيمنح تمديد الجدول الزمني للانسحاب الكلي الإدارة الأمريكية مزيداً من الوقت للتفاوض مع الحلفاء الأوروبيين الذين

Send this to a friend