هيومن فويس

تختلف الروايات التي يتناقلها السوريون عن بداية نهاية الكاتب والممثل نهاد قلعي، وبالرغم من تحوير بعض تفاصيلها بين طرفي المعارضة والموالاة، إلا أن مشهدًا دمـ.ـويًا يبقى مسيطرًا على هذه الخاتمة.

هل كانت القضية مدبرة؟

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، أي بعد تولي حافظ الأسد للحكم في البلاد بسنوات قليلة، جمع مطعم “النادي العائلي” في باب توما بدمشق، كل من قلعي وتوأمه الفني دريد لحام، والممثل والملحن السوري شاكر بريخان.

وكان الثلاثة في استقبال ضيفهم الصحفي اللبناني جورج إبراهيم الخوري، وفق ما ذكر الناقد السينمائي بشار إبراهيم في كتابه “سينما نهاد ودريد”.

وصدف أن رجلًا غريبًا سـ.ـخر من قلعي، فشـ.ـتمه الأخير، ليُفاجئ السينمائي والمسرحي القدير بضـ.ـربة كرسي على رأسه، قبل أن يوسعه الرجل الذي اتضح أنه ضـ.ـابط من سـ.ـرايا الدفاع، ضـ.ـربًا شديد القـ.ـسوة.

وكانت سرايا الدفاع قوى عسكـ.ـرية غير رسمية رديـ.ـفة للجيـ.ـش السوري، ويترأسها رفـ.ـعت الأسد شقيق حافظ الأسد، وارتكبت العديد من المجـ.ـازر في ثمانينات القرن الماضي بعد انـ.ـدلاع ثورة في محافظة حماة.

وبالرغم من مرور 15 عامًا بعد الحادثة، عانى خلالها قلعي المرض والشـ.ـلل قبل أن يفارق الحياة في 17 تشرين الأول 1993، يربط الـ.ـسواد الأعظم من الناس، من بينهم بشار إبراهيم نفــ.ـسه، بين اعـ.ـتداء الضابط وتدهور الحالة الصحية لقلعي، والتي أدت به معـ.ـزولًا ومنبوذًا حتى وفاته.

بطريقة أخرى

ويروي الناقد السينمائي “بشار ابراهيم” في كتابه “نهاد ودريد” قصة الاعتداء الذي تعرض له الفنان قلعي قائلاً: “كان نهاد قلعي ودريد لحام وشاكر بريخان يسهرون في مطعم النادي العائلي في حي “بابا توما” بدمشق، ويستقبلون صحفيا لبنانياً هو جورج ابراهيم الخوري.

و قبل نهاية السهرة غادر دريد لحام، وبقي ثلاثتهم ساهرين، وعندما نفدت سجائر الضيف، طلب من النادل سجائر، لكن النادل لم يلب طلب الضيف، ما أثـ.ـار غـ.ـضب نهاد قلعي، الذي أنـ.ـب النـ.ـادل، وإذ برجل يجلس مع شلة من رفاقه على طاولة مجاورة إلى خلفهم، ينادي بصوت غليـ.ـظ عال: (بورظان بدك سجائر؟ تعال خد من عندي) فقال له نهاد (أنا ما بدي من حدا سجاير، بعدين أنا ما لي اسم معروف تناديني به ياحـ.ـمار).

ويضيف الناقد ابراهيم: “لم يكن أحد يتوقع أن تكون هذه الجملة مدمـ.ـرة ليس للسـ.ـهرة بل لحـ.ـياة نهاد قلعي كلها، إذ إنه سيفاجأ بضـ.ـربة كرسي تنهال على رأسه، تتبعها ضربات أشد قسوة أدت به إلى المستشفى، حيث تمت معالجته بشكل سريع، وخياطة الجرح الذي ألمّ برأسه دون عناية كافية”، تفاعلات هذا الحادث وانتكاساته الطبية كما يقول ابراهيم لاحقت نهاد 15 سنة وجعلته حبيس بيته والمرض من جرّائه، والذي كان على شيء من سخرية القدر كون اسم البورظان الذي أضحك ملايين الناس كان بمثابة مقتل له، إضافة لهجران الناس له، مع بقاء السيناريوهات التي كتبها حبيسة أدراج الإذاعة والتلفزيون السوري، في إصرار اجتمع معه عدة ظروف لأن تتحول سنواته الأخيرة إلى نقيض تام لما كان يطمح له ألا وهو الموت على خشبة المسرح أو أمام الكاميرا. نعم كان حياته مأساة كاملة محاصرة بالحظ العاثر.

بدايته الفنية

انتسب نهاد إلى استديو البرق سنة 1946 وشارك بتقديم مسرحية (جيشنا السوري). وفي عام 1954 أسس النادي الشرقي مع سامي جانو والمخرج خلدون المالح، وراح يقدم في المسرحيات أدوارا كوميدية.

بين عامي 1957 و1959 قدم مسرحيات (لولا النساء) و(ثمن الحرية) على مسارح القاهرة، وأشادت بهم الصحافة المصرية وحائزت على إعجاب المسرحيين المصريين.

حسني البورظان

اسمه الحقيقي أحمد نهاد قلعي الخربوطلي. ونهاد قلعي هو الاسم الذي اعتمده في أعماله الفنية. أما حسني البورظان فهو اسم الشخصية الكوميدية الكاريكاتورية التي اخترعها والتي جعلته فناناً شهيراً. ولا تعرف من سيرته الفنية سوى هذه الشخصية شريكة غوار الطوشه، دريد لحام. لكن الرجل كان موجوداً في الساحة الفنية قبل حسني البورظان. بل ولم يكتفِ بالتمثيل إذ كان مخرجاً مسرحياً وكان كاتباً لنصوص عدة.

ولد في دمشق سنة 1928 وفيها تلقى علومه الابتدائية والثانوية وكان ناشطاً في فرق المسرح المدرسي. كان أمله أن يلتحق بمعهد الفنون المسرحية في القاهرة ونال قبولاً، لكنه تعرض لحادثة مزعجة، إذ سُرقت نقوده فلم يتمكن من السفر.

عمل في مهن مختلفة: مراقباً في مصنع، ضـ.ـارباً على الآلة الكاتبة في جامعة دمشق، موظفاً في وزارة الدفاع، ثم “مخلّص معاملات” في مصلحة الجمارك. وكانت المهنة الأخيرة آخر عهد له بالوظائف. بيد أنه قبل أن يصبح الممثل المحترف شارك في عدة مسرحيات قدمتها فرق هواة.

وكان لا يزال موظفاً حين أسس سنة 1953 مع مجموعة من الشباب من هواة المسرح “الفرقة الشرقية للتمثيل والموسيقى” التي سيصبح اسمها “النادي الشرقي”، وقد قدمت عدة أعمال مسرحية لمؤلفين عرب وعالميين. واشتهر منها محمود جبر بالتمثيل الكوميدي وخلدون المالح (المخرج التلفزيوني لاحقاً) وسعيد النابلسي (مهندس الديكور). وفي عام 1959 أخرج نهاد قلعي للفرقة مسرحية “ثمن الحرية” للمؤلف الفرنسي إيمانويل روبلس. وقد عرضت هذه المسرحية في القاهرة زمن الوحدة بين مصر وسورية.

وفي سنة 1959 تأسست وزارة الثقافة في سورية، وتولّى المثقف نجاة قصاب حسن منصب مدير المسارح والموسيقى. وسعى إلى إنشاء فرقة مسرحية تكون “المسرح القومي”.

مع غوار

من بعد شكّل دريد لحام ونهاد قلعي الثنائي الكوميدي الشهير: غوار الطوشة وحسني البورظان. قدما معاً مسرحية كوميدية استعراضية “عقد اللولو” أخرجها نهاد قلعي. وهي التي تم اقتباسها في فيلم سينمائي بالعنوان نفسه، أخرجه يوسف معلوف، وانضمت صباح وفهد بلان إلى الثنائي في أدوار البطولة.

وكان باكورة عمل الثنائي في مجال السينما. شجّع الإقبال الجماهيري الكبير المنتج نادر الأتاسي ورفيقه تحسين القوادري على مواصلة إنتاج أفلام من بطولة الثنائي دريد ونهاد. ثم تهافت المنتجون في سورية ولبنان على التعاقد معهما. وبلغ عدد الأفلام التي اشتركا فيها معا 24 فيلماً، كان نهاد قلعي كاتب السيناريو أو مشاركا بالكتابة في معظم هذه الأفلام.

وأطل الثنائي على جمهور التلفزيون العريض بشخصيتي غوار الطوشة وحسني البورظان في أربعة مسلسلات تلفزيونية تابعها الجمهور في سورية والعالم العربي باهتمام وإعجاب. باكورة المسلسلات كان “مقالب غوار” من إخراج خلدون المالح وكتابة نهاد قلعي. تلاه “حمام الهنا” من إخراج العراقي المقيم في دمشق آنذاك فيصل الياسري، ثم “صح النوم” و”ملح وسكر” من إخراج خلدون المالح.

وكان نهاد قلعي كاتب السيناريو والحوار للمسلسلات الأربعة. وهي المسلسلات التي اشتهر بها إلى جانب الثنائي: عبد اللطيف فتحي (بدري بك أبو كلبجة)، ورفيق السبيعي (أبو صياح)، ونجاح حفيظ (فطوم حيص بيص)، وزياد مولوي (عبده)، وياسين بقوش (ياسين)، وناجي جبر (أبو عنتر) وسواهم.

وهي المسلسلات التي ذاعت منها عبارات رددها الناس: “حارة كل مين إيدو إلو”.. و”إذا أردت أن تعرف ما يجري في البرازيل فيجب أن تعرف ماذا في إيطاليا”! وختم نهاد قلعي مهمته ككاتب للتلفزيون سنة 1984 بمسلسل “عريس الهنا” قام ببطولته من دون اشتراك دريد لحام.

وفي العام التالي قدمت فرقة مسرح الشوك عروضها في بيروت. أيامها عرفت نهاد قلعي، ودريد لحام وبقية أفراد الفرقة شخصياً، وبدأت صداقة بيننا. أما التعاون الفني فكان في فيلمين من إنتاج تحسين القوادري، الأول “واحد زائد واحد” إخراج يوسف معلوف (1971) والثاني “عندما تغيب الزوجات” إخراج مروان عكاوي (1977). وكلاهما من بطولة دريد لحام ونهاد قلعي. في الفيلمين كنت كاتب السيناريو والحوار، وفي الفيلم الأول شاركني نهاد قلعي في كتابة السيناريو.

وفي بداية عملنا في الفيلم الأول دعاني نهاد قلعي إلى العشاء في “نادي الشرق” المطعم العريق في دمشق. وهو كان من رواده يومياً يتسلّى بلعب الورق مع مجموعة من الأصدقاء ثم يتناول العشاء هناك أحياناً. حين دخلنا ترامى إلى سمعي صوت يناديني “فارس” التفتّ فلم أجد أحداً. ثم أتاني النداء نفسه بصوت آخر. ثم بصوت ثالث. وتعجبت من الأمر فلا أحد يعرفني هنا. لكن نهاد يعرف سرّ النداء وكتمه عني عمداً. انفجر ضاحكاً وهو يشير إلى رجل وقال لي: هذا هو فارس، كبير النادلين هنا.

المصدر: عنب بلدي، زمان الوصل ووكالات

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

حسني بورظان ضحـ.ـية شبيحة الثمانينات

هيومن فويس تختلف الروايات التي يتناقلها السوريون عن بداية نهاية الكاتب والممثل نهاد قلعي، وبالرغم من تحوير بعض تفاصيلها بين طرفي المعارضة والموالاة، إلا أن مشهدًا دمـ.ـويًا يبقى مسيطرًا على هذه الخاتمة. هل كانت القضية مدبرة؟ في أواخر سبعينيات القرن الماضي، أي بعد تولي حافظ الأسد للحكم في البلاد بسنوات قليلة، جمع مطعم “النادي العائلي” في باب توما بدمشق، كل من قلعي وتوأمه الفني دريد لحام، والممثل والملحن السوري شاكر بريخان. وكان الثلاثة في استقبال ضيفهم الصحفي اللبناني جورج إبراهيم الخوري، وفق ما ذكر الناقد السينمائي بشار إبراهيم في كتابه “سينما نهاد ودريد”. وصدف أن رجلًا غريبًا سـ.ـخر من قلعي،

Send this to a friend