هيومن فويس

قال الفيلسوف أرثر شوبنهاور ذات مرة: “أن تشعر بالغيرة، فذلك طبيعي، لكن حينما تشمت، فذلك شيطاني”. لكن رغم هذا الكلام، فإننا قد فعلنا ذلك جميعا يوما ما. نعم، لا تُنكر ذلك. في الحقيقة يخطئ البعض بتصوّر أن الشماتة فعل سلبي تماما، كأن تشمت إحداهن في طلاق الأخرى أو أن يطرب قلب أحدهم لأن شخصا يكرهه قد حصل على درجات سيئة للغاية في امتحانات آخر العام، لكن ماذا عن المواقف المحرجة للاعبي فريق كرة قدم لا تشجعه؟ ماذا لو قام لاعب من فريق تشجعه بمراوغة مهينة للاعب من فريق منافس؟

دعنا نوضّح الأمر بصورة أفضل، لنتخيّل معا أنك واقع في حب زميلة بالعمل، وهي فتاة أنيقة وذكية وطيّبة القلب، تنوي أن تخبرها عن مشاعرك في أقرب فرصة. لكن في المقابل يظهر طرف آخر يحاول جذب انتباهها، ثم يحدث بعد ذلك أن يقع هذا الطرف الثالث في مشكلة كبيرة، كأن يتم القبض عليه في حادثة سرقة أو نصب أو أن يُطرد لأسباب تتعلق بكفاءته، ألن يدفعك هذا للشعور بالسعادة في مصيبته؟ لاتقلق، لن نقول لأحد. لكن حتّى إن كان هذا الآخر لا يعرفك ولا علاقة له بك وربما كان ليتوقف لو علم أنك تنوي أن تحادثها عن حبك لها، لكنه لا شك يهدد فرصك مع من تحب.

جيش الفشل!

هنا ستخرج أدواتك التي استقرّت في دماغك طوال 80 ألف سنة مضت، حيث يمكن لنا فهم الشماتة في إطار تطوري(2)، حينما عاش البشر قديما على الجمع والالتقاط في مساحات السافانا الواسعة، وكانت لديهم موارد ضعيفة، هنا من المتوقع أن تظهر درجة من السعادة حينما يفشل المنافسون، لأن ذلك يعني فرصة أفضل لك مع تلك الموارد القليلة. لا حاجة إلى أن تكون تلك السعادة خالصة وظاهرة، بل قد تكون سرّية، ممزوجة كذلك مع شعور بالشفقة وربما رغبة في مساعدة منافسك ومحاولات فعلية لأن تفعل، لكنها تظل موجودة، هناك في القبو السفلي لذاتك، لا تتمكن من إيقافها.

مع الحالة الواسعة من الاستقطاب السياسي والاجتماعي التي يعيشها العالم العربي حاليا أصبحت الشماتة شيئا طبيعيا يمارسه المواطن بشكل يومي ضد أبناء التيار الذي لا يهلل له

رويترز

من جهة أخرى يمكن أن تلعب الشماتة دورا فيما نسمّيه(3) بـ “فرضية العالم العادل” (Just-world hypothesis)، وهي القول إننا، نحن البشر، نميل إلى النظر إلى هذا العالم على أنه مكان عادل، ما يعني أن كل فعل نقوم به، كان جيدا أو سيئا، يستدعي بشكل ما نتيجة من النوع نفسه، فأنت ما تستحق بسبب أفعالك، يشبه الأمر فكرة “الكارما”، أو القول إن الجزاء من جنس العمل، لذلك فإن تعرض أمامك شخص -تظن أنه شرير ويستحق- لمجموعة من المصائب، فقد تفرح لذلك، ليس فقط لأنه يستحق ذلك، بل لأنك تجد تأكيدا على فكرتك، وهي فكرة مريحة لا شك.

أضف إلى ذلك صورة أخرى مهمة للشماتة، وهي ما يحدث حينما تتعرّض دولة معادية لهجوم من أي نوع، ظهر ذلك بوضوح مثلا حينما تعرضت الولايات المتحدة الأميركية لأحداث 11 سبتمبر/أيلول، ويظهر حينما يحدث أن تنهزم دولة معادية لدولة أخرى أو تتعرض لمصائب من أي نوع، ومع الحالة الواسعة من الاستقطاب السياسي والاجتماعي التي يعيشها العالم العربي حاليا أصبحت الشماتة شيئا طبيعيا يمارسه المواطن بشكل يومي ضد أبناء التيار الذي لا يهلل له.

أما في عالم التواصل الاجتماعي فتوجد الشماتة بصورة قد تكون مختلفة قليلا، فبجانب حالة الاستقطاب الواسعة والتشجيع المتطرف لفريق دون آخر، تنتشر فيديوهات الفشل(4) بصورة غير مسبوقة، تأمل مثلا صفحة “FailArmy” على فيسبوك، إنها إحدى أشهر منصات الترويج للفيديوهات التي تروّج لفشل شخص ما في صعود درجات السلم، أو حينما يلعب رياضة ما فيخطئ في الحركة التي ينفذها أو الزحلقة بشكل خاطئ على الجليد، تلك الفيديوهات تستخرج لا شك كمًّا كبيرا من الضحك من داخلك، رغم أنك -مع بعض التأمل- ستكتشف أنك تضحك من قلبك على مشكلة شخص آخر ربما كان ليحزن من رد فعلك على ما يفعل.

وهم التفوّق

لذلك، فحينما حاول باحثون من جامعة برينستون(5)، قبل عدة عوام، أن يكشفوا عن درجة قبول الناس للشعور بالشماتة، دون التصريح به ولكن فقط من خلال اختبار ردود أفعالهم، جاءت النتائج لتقول إن الشماتة، وإن كانت غير محببة للقلب، فإنها صفة طبيعية وعامة في البشر، في الحقيقة نحن نميل إلى إعطاء درجات أقل من التعاطف تجاه هؤلاء الذين لا يمثلون “مجموعتنا”، أيًّا كان نطاقها: كانت العائلة، الدولة، اللغة، الفريق الذي نشجعه، إلخ، لكن لفهم مدى عمق تلك المشكلة دعنا نتأمل قليلا ما نسميه بـ “وهم التفوق”(6) (illusory superiority).

وهو اعتقاد الناس الخاطئ عن تفوقهم على الأفراد الآخرين، حيث يقوم الواحد منّا بتضخيم حجم صفاته الإيجابية وتصغير صفاته السلبية، يصل الأمر إلى درجة أن 90% من طلبة جامعة لنكولن نيبراسكا يدّعون(7) أن مستواهم أعلى من المتوسط، 90% من سائقي سيارات الأجرة الأميركان يدّعون(8) أن قدراتهم أعلى من المتوسط، 87% من دارسي ماجستير إدارة الأعمال في ستانفورد يظنون(9) أن مستواهم الدراسي أعلى من المتوسط، في الحقيقة فإن إحدى مشكلات البشر هي ظنهم أنهم لا يمتلكون وجهات نظر فقط، وإنما الحقائق نفسها، لذلك فحينما يخالف أحدهم رأيك قد تقول إنه “غبي” أو “مجنون”، بل ويظن البعض أنه “متآمر”.

نحن نضع “هؤلاء” الذين لا يتفقون مع آرائنا وقناعاتنا، التي من المفترض أنها -بالنسبة لنا- الوصف الموضوعي والطبيعي للأمور، في قائمة خاصة ندعوها “هُم”، ثم نضم أنفسنا إلى مجموعة من الناس التي تعتنق هذا الرأي الخاص بنا ونسميها “نحن”، ثم نبدأ عبر ما نسميه بـ “تفضيل أفراد المجموعة(10)” (in-group favoritism) في تعديد مزايا مجموعتنا ومدى عقلانيتها في مقابل لا عقلانية، أو جهل، أو عجرفة المجموعة الأخرى، وربما “مؤامراتها”، ثم يتطور هذا الشكل من الاستقطاب ليتخطى حاجز الرأي إلى دعم المجموعة بالموارد الاقتصادية بجانب الأفكار.

لكن هذه الحالة من التعاطف القليل تجاه هؤلاء الآخرين تتنوع بتنوع فئاتهم، فمثلا سوف يشعر الإنسان العادي بالشفقة تجاه أنماط محددة من البشر، العجائز مثلا أو أصحاب الإعاقات الجسدية، أما التلاميذ الصغار فغالبا ما يثيرون شعورا بالفخر، من جهة أخرى فإن المدمنين يثيرون شعورا بالقرف، لكن هناك عدة فئات من البشر تثير شعورا بالغيرة، هؤلاء هم الأغنياء والمحترفون في مهنتهم، في تلك النقطة يتدخل فريق برينستون لينفذ مجموعة من التجارب الذكية.

 

حيث سوف نعرض على الخاضعين للاختبار مجموعة من الصور التي تمثل تلك الأنماط البشرية، ثم بعد ذلك تُقرن هذه الصور بفيديوهات للنجاح (شخص يكسب ألف دولار مثلا) أو للفشل (شخص تقع المياه فوق رأسه بينما يعبر الطريق) أو فيديوهات عادية ذات تأثير متعادل. هنا سوف يشعر الخاضعون للتجارب(11) بأكبر سعادة ممكنة ناحية الحالة التي يتعرض فيها أصحاب فئة “الغيرة” لمواقف الفشل. أضف إلى ذلك أن الأمر لا يتعلق فقط بالكبار، في الأطفال أيضا -وحتّى أعمار تبدأ من العام الثاني إلى الثالث وما دون ذلك- وُجد أنه يمكن للشماتة أن تظهر بوضوح إلى جانب الغيرة، فمثلا في إحدى التجارب(12) المثيرة تم تقسيم الأطفال إلى عدة فرق، تتعرض مجموعة من تلك الفرق إلى موقف تكون خلاله والدة الطفل جالسة لتقرأ في كتاب بصوت عال، ثم يحدث أن يقع كوب ماء تحاول أن تشرب منه على الكتاب، أما في المجموعة الأخرى فإن الأم تنادي أحد الأطفال الآخرين، ليس ابنها، لكي تقرأ له، بينما يقف ابنها ليشاهدها وهي تفعل ذلك، ثم ينقلب الماء على كتاب الأم كما في الحالة السابقة.

صراصير التوتسي

بالطبع تلك تمثيلية تتفق فيها الأم مع مصممي التجربة لكي نتمكن من استكشاف الفارق في رد فعل الطفل بالحالتين، في الحالة الأولى أعطى الأطفال رد فعل يتباين بين “فاتر” وآخر مهتم بوالدته وما حدث لها، لكن في الحالة الثانية “طار” الطفل من السعادة، ونقصد هنا أن يقفز الطفل فرحا، وأن يصفق بيديه، وأن يتدحرج على الأرض من فرط السعادة، رغم أن ما شاهده للتو كان شيئا من المفترض أنه سوف يدفع والدته للتضايق، لكن غيرته من هذا الآخر الذي احتل مكانه دفعته لقبول ما حدث على أنه شيء جيد.

يشير ذلك إلى أن الشماتة ليست شيئا نتعلمه، بل هي جزء من جهازنا النفسي، لكن على الرغم من تلك التأثيرات المتنوعة للشماتة بين البراءة الشديدة (غيرة الأطفال) والخبث الشديد (السعادة الغامرة لموت آخرين -ولو بصورة غير عادلة- فقط لأنهم ينتمون إلى جماعة لا ننتمي إليها) فإننا لا نفهم بعد جذورها، إحدى المحاولات جاءت فقط قبل عدة أسابيع(13) من جامعة إيموري بولاية جورجيا الأميركية، حينما قرر فريق بحثي من قسم علم النفس بفحص نتائج ثلاثة عقود من الدراسات الخاصة بالشماتة، شملت تلك الدراسات التي تم فحصها جوانب عدة من علم النفس الاجتماعي، والنمائي، والإكلينيكي، وعلم نفس الشخصية.

 أثناء مجزرة رواندا 1994، أنشأ متطرفو الهوتو محطات إذاعية لنشر الكره والغضب ضد التوتسي، كانت الجملة الأشهر والأكثر تكرارا هي: “التخلص من الصراصير”

مواقع التواصل 

هنا جاءت النتائج لتقول إن هناك ثلاثة مكونات أساسية للشماتة (الرغبة في إقامة العدل، وفي حالات التنافس، والعدوان ضد آخرين) لكنها جميعا تدور حول مركز واحد، وهو تجريد الآخرين من بشريتهم، على سبيل المثال يصوّر الناس مرتكبي جرائم الاغتصاب على أنهم حيوانات، قد يكون هذا مقبولا بعض الشيء في إطار اجتماعي يرفض هذا النوع من العنف بشدة، لكنه أيضا يتمثّل في تسمية المنافسين السياسيين بألقاب الحيوانات.

أحد أشهر الأمثلة هنا ما حدث في إحدى أعنف المجازر البشرية(14) بدولة رواندا بين أبريل/نيسان ويوليو/تموز 1994، حينما بدأت قبائل الهوتو عبر الجيش والميليشيات الخاصة في قتل كل من تقع أيديهم عليه من مواطني التوتسي، في أثناء تلك المجزرة أنشأ متطرفو الهوتو محطات إذاعية لنشر الكره والغضب ضد التوتسي، كانت الجملة الأشهر والأكثر تكرارا هي: “التخلص من الصراصير”، هذه الرسالة هي تجريد موطنين عاديين لهم العواطف نفسها من بشريتهم، وكانت النتائج هي 800 ألف قتيل، واغتصاب مئات الآلاف من النساء، فهم صراصير في نظر معارضيهم.

عالم من الفوضى

أتت تلك الدراسة الأخيرة من جامعة إيموري لتؤكد نتائج سابقة لها كان قد حصل عليها ايميل برونو(15) من معهد “إم آي تي” (MIT)، وهو مدرس كان يعمل متطوعا للخدمات الاجتماعية والطبية في المناطق التي تشهد حروبا ثم التفت لدراسة علم نفس الصراع السياسي. حينما فحص برونو درجات التعاطف تجاه الآخرين في حالة الخلافات السياسية وجد أنها تختلف بشكل واضح كلما ارتفعت درجات الصراع، حيث سيتعاطف الناس بشدة واضحة مع أبناء مجموعاتهم، بينما لن يتعاطفوا مع أعدائهم، ونقصد هنا أنهم سيفرحون في مصائب الآخرين مهما كانت غير إنسانية، أضف إلى ذلك أن الشماتة -حسب مجموعة أخرى من الدراسات- تطغى على عقولنا فتدفعها لتبرير الشعور بالسعادة، مهما كانت مصائب الآخرين غير إنسانية، في بعض الأحيان.

    

لكن على الرغم من كل ذلك، فإننا لم نحقق بعد فهما كاملا لهذا السلوك البشري اللافت للانتباه، تحاول بعض الأبحاث أن تربطه بتقدير(16) الشخص لذاته، فكلما كان تقديرك لذاتك أقل كنت أكثر شماتة في الآخرين، ربما لأجل تحقيق الذات في الشعور بالسعادة تجاه مصائب الآخرين، من جهة أخرى فإنها لا شك ترتبط بالصفات المظلمة(17) للطبيعة البشرية، والتي تضم النرجسية والسادية والسيكوباتية والشعور المتضخم بالذات، إلخ، هذا المجال البحثي ما زال في أوج نشاطه، خاصة لأغراض سياسية.

في النهاية، فإن الشماتة جزء من تركيبتنا البشرية الخالصة، في بعض الأحيان تكون طبيعية، لكن في أحيان أخرى تصبح شيطانية بالفعل كما قال شوبنهاور. في حالات التنافس الشديد والصراع السياسي والاجتماعي -وما أكثرها في عالمنا المعاصر- تظهر الشماتة لتسيطر على الموقف، وفي مرحلة ما رُبما تُنتزع إنسانيتنا ونتعامل مع الآخرين كحيوانات، لا مشكة أن يتم قتلهم أو اغتصابهم أو اعتقالهم لمجرد أننا نختلف معهم في الآراء السياسية، في تلك النقطة نترك أعظم منجزات البشر إلى الآن خلال 300 ألف سنة من وجودهم وتطورهم، وهو تعظيم الإنسان، وندخل بكل ثقة وعنترية إلى عالم من الفوضى. هذا هو ما نراه الآن، هذا هو العالم الذي تعيش فيه بينما تقرأ هذه الكلمات. المصدر: ميدان الجزيرة: شادي عبد الحافظ

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

"لذة الشماتة".. هل من الطبيعي الفرح بمصائب الآخرين؟

هيومن فويس قال الفيلسوف أرثر شوبنهاور ذات مرة: "أن تشعر بالغيرة، فذلك طبيعي، لكن حينما تشمت، فذلك شيطاني". لكن رغم هذا الكلام، فإننا قد فعلنا ذلك جميعا يوما ما. نعم، لا تُنكر ذلك. في الحقيقة يخطئ البعض بتصوّر أن الشماتة فعل سلبي تماما، كأن تشمت إحداهن في طلاق الأخرى أو أن يطرب قلب أحدهم لأن شخصا يكرهه قد حصل على درجات سيئة للغاية في امتحانات آخر العام، لكن ماذا عن المواقف المحرجة للاعبي فريق كرة قدم لا تشجعه؟ ماذا لو قام لاعب من فريق تشجعه بمراوغة مهينة للاعب من فريق منافس؟ دعنا نوضّح الأمر بصورة أفضل، لنتخيّل معا أنك واقع

Send this to a friend