هيومن فويس 

قبل نحو عام، غادر الصحفي السعودي جمال خاشقجي (60 عاما)، إلى منفاه الاختياري في واشنطن، إثر توقيفات شملت رموزا في المملكة.

لكنه لم يغادر منصة “تويتر”، إذ اشتبك مع ستة ملفات شائكة في بلده، عبر تغريدات استمرت حتى قبل أيام من اختفائه في حدث آثار غضبا وانتقادات.

آراء “الصحفي المفقود” بدت لمراقبين “انتقادات إصلاحية مغضوبا عليها”، أو “سباحة عكس التيار”، بعد أن كان هو لسنوات صوتا للمملكة والأقرب إلى مسؤولين بارزين فيها، وإن بقي رغم هذه الانتقادات متقبلا ومحترما لنظام الحكم الملكي، ومشيدا أحيانا بخطوات لولي العهد السعودي.

هذه الآراء شملت ستة ملفات شائكة لدى السعودية، هي الأزمة الخليجية، والأزمتان الإيرانية والسورية، وحرب اليمن، ورؤية الإصلاح، والحريات، إضافة إلى قضية فلسطين.

تلك الملفات كانت، وفق ما غرد خاشقجي، أساسا لرحلة آرائه بالمنفى، حتى توقفت باختفائه منذ 2 أكتوبر / تشرين الأول الجاري، إثر دخوله قنصلية بلده في إسطنبول لإنهاء معاملات رسمية.

الخطوط الحمراء

“قل كلمتك وامش”.. هو شعار الحساب الموثق لخاشقجي في “تويتر” والمنشأ عام 2009، ويتابعه نحو مليوني شخص.

هذه المنصة كانت نافذته الأبرز في عام المنفى، ومن خلالها اشتبك مع الملفات الشائكة بأسلوب يجمع بين انتقاد ونصح، واعتدال وجرأة غير معهودة.

فتارة يشيد بانفتاح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان (33 عاما) في رؤيته الإصلاحية، لكنه يعيب عليها الاندفاع نحو الحرب في اليمن، و”الخضوع” للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وتارة أخرى، وبوضوح، يدعو المملكة إلى الرجوع في خلافها المستمر مع قطر منذ 5 يونيو / حزيران 2017.

ومتفقا مع سياسة المملكة، يهاجم خاشقجي إيران وحليفتها جماعة “أنصار الله” (الحوثي) في اليمن، جار المملكة.

ومع نقمته على ما يحدث لقادة رأي في السعودية، كان دائما يدعو إلى التمسك باستقرار المملكة، والإصلاح الديمقراطي.

الكاتب البريطاني المخضرم ديفيد هيرست قال في مقال مؤخرا، إن خاشقجي في تغريداته “كان مشغولا بالقيم المطلقة، مثل الحقيقة والديمقراطية والحرية”.

وأضاف هيرست: “يمكن للمرء أن يرى بوضوح من خلال تغريداته لماذا بذلوا كل ما في وسعهم لإسكاته؟”.

آراء خاشقجي كانت مسموعة داخل المملكة بعد خروجه إلى المنفى، وفق شهادة الأكاديمي الإماراتي البارز عبد الخالق عبد الله، في مقال نُشر مؤخرا.

عبد الله كشف أن “خاشقجي أبلغه قبل ثلاثة أشهر أن أحد الوزراء السعوديين اتصل به ليشكره على (ما كتبه) يمتدح اتخاذ قرارات إيجابية وتصب في سياق الإصلاح وتخفيف التشدد.

وقال إن “خاشقجي رأى في واشنطن أنه لا حدود لسقف الحرية، ما دفعه ليتجاوز خطوطا حمراء عديدة”.

عمل خاشقجي قبل سنوات مستشارا للمسؤول السعودي السابق الأمير تركي الفيصل، وتجاوز في عام المنفى ما يعتبرها كثيرون خطوطا سعودية حمراء.

لكنه رغم ذلك “لا يساوم على السعودية ويخاصم كل من يخاصمها، يكره أن يقال إنه معارض، فهو ابن المؤسسة وانتقد سياساتها واختلف مع رجالات دولته”، وفق عبد الله.

القضايا الست

ترصد الأناضول ستة ملفات شائكة بالسعودية رفع فيها خاشقجي صوته مغردا على “تويتر” منذ خروجه إلى منفاه الاختياري:

أولا: الأزمة اليمنية

عكست آراء خاشقجي مخاوف على المملكة في الحرب المستمرة في اليمن، منذ بداية التدخل العسكري لتحالف عربي تقوده الرياض في مارس / آذار 2015.

يقول خاشقجي في تغريدة: “على ولي عهد السعودية حفظ كرامة بلاده بإنهاء الحرب المتوحشة في الیمن”.

ويطرح حلا لبنانيا لليمن بقوله، إن “نظاما تعدديا يحتكم لدستور هو الحل، سيبقى الحوثي وعقليته المتخلفة ولكن في حدود أنصاره دون أن يفرضها على بقية اليمن”.

ويقر في تغريدة أخرى بأن هذا “ليس حلا مثاليا ولكنه أفضل من الحرب، سلام غير مثالي على الطريقة اللبنانية”.

ويدعم التحالف العربي قوات الحكومة اليمنية في مواجهة المسلحين الحوثيين المتهمين بتلقي دعم من إيران، والذين يسيطرون على محافظات بينها صنعاء منذ سبتمبر / أيلول 2014.

ورغم انتقاده لتوجهات المملكة في هذا الملف، كان يرى أن “نكبة اليمن يوم دخل الحوثي صنعاء غدرا وتآمرا، هدفهم كان مزودوجا، تقويض الجمهورية والبطش بقوى التغيير في اليمن”.

ويشدد على أن “الحوثي مشروع لا ينتمي للعصر، إقصائي لن يتمكن من حكم اليمن بغير القوة والبطش بالآخرين، ما يعني فتنة مستمرة”.

ثانيا: الأزمة الخليجية

على عكس الرياض التي تقول على لسان وزير خارجيتها عادل الجبير، إن باستطاعتها أن تُبقي الأزمة الخليجية لسنوات، مالت آراء خاشقجي إلى أهمية إنهائها فورا.

يغرد: “ما رأيكم أن نأخذ تقرير الخارجية الأمريكية (يتحدث عن أن الدوحة تحارب الإرهاب) ونقول إن قطر استجابت وكذا وتطوي صفحة الخلاف ونعيد للخليج لحمته ولمواطنيه تفاؤلهم ونرجع نتكلم عن الاتحاد الخليجي ونصرف جميعا الذباب الإلكتروني الخليجي اللي كرهنا في بعض ونطلق سراح المعتقلين”.

وينقل تقريرا غربيا يتطرق لحروب إعلامية خليجية متبادلة قائلا: “تقرير يستحق الترجمة عن صراع دول الخليج بواشنطن بنشر أخبار كاذبة ضد بعضهم البعض ناثرين في الطريق ملايين ع شركات أمريكية، ومراقب يقول: كلهم سيئين.. ما يجري أضر بسمعة كل دول الخليج … ربما العرب أيضا”.

وقطعت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، منذ العام الماضي، علاقاتها مع قطر، ثم فرضت عليها إجراءات عقابية بدعوى دعمها للإرهاب.

وهو اتهام تنفيه الدوحة، وتتهم في المقابل الدول الأربع بالسعي إلى فرض الوصاية على القرار القطري الوطني.

في نقده للخلافات العربية، كان خاشقجي يتتبع حلم الوحدة العربية، إذ يقول في الاحتفاء باليوم الوطني للسعودية في 23 سبتمبر / أيلول الماضي، إن توحيد المملكة هو “أول خطوة في تحقيق فكرة الوحدة العربية”.

ويتابع: “هكذا خط الآباء المؤسسون من حجازيين ونجديين وعرب مهاجرين التحقوا بالمؤسس مؤمنين به زعيما يستطيع تحقيق وحدة ناضلوا من أجلها”.

ويضيف: “لا تفسدوا حلم الآباء بالوحدة بخطاب تفريقي إقليمي دخيل”.

ثالثا: الأزمتان الإيرانية ـ السورية

بلهجة انتقاد تتفق مع لغة بلده، يهاجم خاشقجي تحركات إيران في المنطقة بقوله: “عملية دعائية للاستهلاك المحلي لتبدو كقوة عظمى ولكنها تهديد استراتيجي لأمن المنطقة يستوجب رد فعلي إقليمي وأمريكي”.

ويطرح خطة لحل الأزمة الإيرانية قائلا إن “الخطة ب لإخراج إيران من عالمنا هي دعم الثورة السورية ونظام تعددي في اليمن واختيار الشعوب وحريتهم، شعوب المنطقة لا تطيق النظام الإيراني واستبداده ونموذجه المتخلف، بقدر كرهها للاستبداد الذي ثارت عليه في ربيع 2011”.

ويراهن على لعب السعودية دورا في وقف الحرب المستمرة في سوريا منذ عام 2011، خاصة في ظل الدعم الإيراني العسكري والسياسي لنظام بشار الأسد.

يقول خاشقجي إن “السعودية وقد أثبتت مرة أخرى قيادتها في المنطقة برعاية المصالحة الإثيوبية ـ الإريترية ـ الجيبوتية (مؤخرا)، مؤهلة لإقامة مؤتمر دولي جاد يعيد ترتيب سورية بالكامل، وسيكون الأتراك أول المرحبين بذلك”.

رابعا: رؤية الإصلاح

في الرؤية الإصلاحية التي انتهجها محمد بن سلمان، ينفتح خاشقجي على أي خيارات للتحرر والسيادة ودعم الاقتصاد الوطني، رافضا “وصاية ترامب والمتشددين” والتوقيفات الأمنية في المملكة والترف والإنفاق الباهظ.

على المستوى الاقتصادي يرى بناء الاقتصاد بـ “سواعد الأبناء”، قائلا على منصته المفضلة تويتر: “توطين وظائف معظم قطاع التجزئة تقريبا بعد أسبوعين، هذا هو الإصلاح الذي يشكو منه البعض ويقلل من أهميته آخر ولكنه سوف يغير وجه المملكة”.

ويشيد بمشروع قطار الحرمين الذي افتتحه الملك سلمان بن عبد العزيز، مؤخرا، لخدمة زوار المملكة، وينتقد في الوقت نفسه مشروع “نيوم” السعودي الذي يتبناه محمد بن سلمان كواجهة سياحية.

يقول خاشقجي: “وفر تكلفة نيوم الباهظة وندعو الشركات للاستثمار والبناء حوله.. وهكذا نوفر نص ترليون دولار (تكلفة مشروع نيوم) ونحصل على بركة المدينة”.

في سياق التنوير، يدافع عن تغيير آراءه بخصوص الانفتاح أمام التشدد بقوله: “لأننا كنّا نتبع “مدرسة واحدة” وكانت توجيهات الدولة صريحة بعدم السماح لرأي يخالف رأي المفتي، هذه الخلافات الفقهية موجودة في كل العالم الإسلامي ولكن لا تلزم دولها مواطنيها برأي واحد، نحن الآن نتحرر من هذا تدريجيا بفضل الانفتاح الذي يقوده ولي العهد”.

ويرحب خاشقجي ببداية السماح للمرأة بقيادة السياراة في السعودية في يونيو / حزيران الماضي.

غير أنه يريد مزيدا من التحرر: “تحرير التعليم من هيمنة التشدد بدأ بمقالات تحذر من المنهج الخفي، وتحرير لمجتمع من غلو الهيئة بدأ بصحف كشفت تجاوزاتهم، وكذلك قضايا البطالة والتحرر من النفط والفساد بدأت بمقال وكتاب، لذلك لنعترف بفضل من حملن راية قيادة المرأة السيارة ونشكرهن”.

ويُمايز بين المتشددين والتنويريين بقوله: “معروف من أقصد بقوى التغيير، طبعا المستقبليين منهم وليس الماضويين كالحوثيين والسلفية المتطرفة بشكليها المدخلي أو الداعشي”.

ومدافعا عن المملكة يقول إن “القاعدة ليست صناعة سعودية ولا أمريكية، هي نتاج فكر سلفي متشدد اختلط بويلات الاستبداد وقسوة المعتقلات مع الفشل والهزيمة وانسداد الآفاق”.

ومثلت سيادة المملكة نقطة حاضرة بقوة لديه، فعكست آراؤه انتقادا مستمرا للهجة ترامب ضد المملكة.

ويغرد: “ترامب مخطئ عندما يظن أنه هو من يحمي السعودية في مواجهة إيران.. إن افترضنا أنها ستواجه ايران، فستكون حربا مكلفة على الطرفين وعلى العالم. أما السعودية فهي تملك قوة كافية لحماية نفسها، ولا تحتاج سوى أن تعرف من هم حلفاؤها”.

ولذا كان يطالب بمراجعة الموقف السعودي من دعم ترامب متسائلا: “هل استفدنا من ترامب؟ هل حان الوقت لإعادة تقييم سياسة الاعتماد الكامل عليه؟”.

وينتقد صمت السعودية: “يغرد ترمب بين آونة وأخرى أنه “يحمينا” وإنا علينا أن “ندفع” لتستمر هذه الحماية !! يحمينا ممن ؟ أو يحمي من ؟ أعتقد أن أكبر خطر يواجه دول الخليج ونفطها هو رئيس مثل ترامب لا يرى فينا غير آبار نفط”.

ويضيف: “أستعجب ألا يكون لتصريحاته هذه رد فعل رسمي”.

خامسا: ملف الحريات

هذا الملف الشائك المتعلق بتوقيف شخصيات بارزة في السعودية منذ نحو عام، كان هو أول شرارة لخروج خاشقجي إلى المنفى الاختياري.

يغرد خاشقجي: “هذه الاعتقالات تصد النفس عن التغريد، عن الفرح، عن العيد وحتى عن الأمل وكل مواطن محب لوطنه موال لقيادته ولكن لديه رأي مستقل، بهؤلاء تنهض الأمم ويقوّم المسار”.

ومنتقدا هذه التوقيفات يتساءل: “إذا كان بإمكان الأمير أن يدفع مليار دولار حتى يشتري حريته، كم ينبغي علينا جميعا أن ندفع مقابل حريتنا؟”.

سادسا: قضية فلسطين

قبل يوم من اختفاء خاشقجي غرد لفلسطين، متمسكا بخيار المملكة المعلن رسميا بدعم القضية الفلسطينية.

يقول: “أغادر لندن وفلسطين في البال، رغم قوة اللوبي الإسرائيلي الذي حاصر أي تعاطف معها إلا أن صوتها لا يزال عاليا هنا”.

ويتردد إعلاميا أن السعودية تدعم خطة سلام تعمل عليها إدارة ترامب وستكون مجحفة بحق الفلسطينيين، فيما تؤكد الرياض رسميا أنها تتمسك بكافة الحقوق الفلسطينية.

ويتحدث خاشقجي عن تنبه المملكة لخطورة التجاوب مع إسرائيل، أو “صفقة القرن” الأمريكية (للسلام)، إذ يرى أن السعوديين “ربما بدأوا يدركون تكلفة هذا، ومن ثم تراجعوا”.

ومنذ اختفاء خاشقجي، زاد تفاعل المتابعين له بمشاركة آرائه على “تويتر”.

وأبقت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية التي يكتب لها خاشقجي مقالا، مساحة مقاله خالية تضامنا معه، ومطالبة بكشف غموض مصير “الصحفي المفقود”.

ويقول مسؤولون سعوديون إن خاشقجي غادر القنصلية بعد وقت قصير من دخولها، فيما تقول خطيبته التي رافقته إلى خارج المبنى إنه لم يغادر القنصلية.

وطالب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، السعودية بتقديم ما يثبت خروج خاشقجي من القنصلية.

ووافقت أنقرة على طلب الرياض تشكيل فريق تحقيق مشترك في القضية التي باتت “قضية رأي عام دولي”. الأناضول

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

في عام "المنفى".. بماذا غرد خاشقجي؟

هيومن فويس  قبل نحو عام، غادر الصحفي السعودي جمال خاشقجي (60 عاما)، إلى منفاه الاختياري في واشنطن، إثر توقيفات شملت رموزا في المملكة. لكنه لم يغادر منصة "تويتر"، إذ اشتبك مع ستة ملفات شائكة في بلده، عبر تغريدات استمرت حتى قبل أيام من اختفائه في حدث آثار غضبا وانتقادات. آراء "الصحفي المفقود" بدت لمراقبين "انتقادات إصلاحية مغضوبا عليها"، أو "سباحة عكس التيار"، بعد أن كان هو لسنوات صوتا للمملكة والأقرب إلى مسؤولين بارزين فيها، وإن بقي رغم هذه الانتقادات متقبلا ومحترما لنظام الحكم الملكي، ومشيدا أحيانا بخطوات لولي العهد السعودي. هذه الآراء شملت ستة ملفات شائكة لدى السعودية، هي الأزمة

Send this to a friend