هيومن فويس

يبدو أنّ داريا تستعدّ لاستقبال أهلها – أو بعضٍ منهم – الذين عانوا من جرّاء الحصار الذي طال وكذلك التهجير الذي أفرغها من كلّ ساكنيها. وتُطرح تساؤلات في السياق.

بعد انتظار أهالي داريا، غرب العاصمة السورية دمشق، لنحو ستّة أعوام، عامان منها كانت مدينتهم خلالهما تحت سيطرة قوات النظام السوري، سُمح بدءاً من أغسطس/آب الماضي لبضع مئات من الأهالي بالعودة إلى مدينتهم الخالية من أبسط مقوّمات الحياة. أبو حسام، من أهالي داريا، يخبر “العربي الجديد”: “كان لدي منزل ريفي هناك من طبقتَين يضمّ 15 غرفة، إلى جانب حديقة تتخطّى مساحتها 400 متر مربع مزروعة بمختلف أنواع الشجر والزهور. وعندما سُمح لنا بدخول المدينة في 28 من شهر أغسطس/ آب المنصرم، لم أتردد. ألقى المحافظ كلمة مطوّلة حينها، لم أسمع منها شيئاً إذ إنّ تفكيري كلّه كان منصبّاً على الطريق الواجب سلوكه للوصول إلى منزلي. وما إن سُمح لنا بتفقد منازلنا، توجّهت مسرعاً إلى حيث منزلي وكلّي أمل بأن أجده قائماً ولو تمّ نهبه بالكامل”. يضيف أبو حسام: “وصلت إلى المنطقة، لكنّني بصعوبة كبيرة استطعت تقدير أين كان تحديداً. فالشارع حيث كنت أسكن، صار خالياً من المنازل ولا حتى أطلال منازل. تمّ تجريف كلّ شيء، فلم يبقَ شجر ولا حجر”.

من جهته، يقول أبو جواد وهو من أبناء داريا، لـ”العربي الجديد”: “قضيت نحو 20 عاماً أنتظر تسلّم شقة من الجمعية السكنية، ووضعت فيها ما استطعت اقتناءه من أثاث. سكنت فيها بضعة أعوام، قبل أن أتركها خلفي تحت القصف. وعندما سُمح لنا في نهاية الشهر الماضي الدخول إلى داريا، وجدت شقتي على العظم. لا نوافذ ولا أبواب ولا تمديدات كهربائية وبالتأكيد بلا أثاث. إلى ذلك، ثمّة فجوات واضحة في بعض الجدران، بسبب القصف على الأرجح”. يضيف أبو جواد: “تمّ إخراجنا من المدينة في الساعة الخامسة عصراً، على أن يُسمح لنا بالعودة بعد أيام. لكنّني تفاجأت بأنّ العودة متاحة لأسماء يحدّدها الأمن. وحتى اليوم، لم يأتِ اسمي ولا أعلم إن كان سوف يأتي في الأساس. وإن أتى، ماذا أفعل بالشقة؟ أنا لا أملك المال لإعادة ترميمها، ولا أظنّ أنّ الدولة سوف تقدّم القروض أو التعويضات التي من شأنها مساعدتنا بإعادة تأهيل منازلنا”.

أمّا مأمون الديراني (اسم مستعار) فيقول لـ”العربي الجديد”: “أنا من بين الذين أتت أسماؤهم للحصول على بطاقة دخول إلى داريا. اكتشفت أنّ منزلي في حاجة إلى كساء جديد ليصير قابلاً للسكن، وهو أمر سوف يكلّفني ما بين أربعة ملايين ليرة سورية وخمسة ملايين (نحو 7800 – 9700 دولار أميركي)، وهو مبلغ كبير بالنسبة إليّ. كذلك، كيف أدخل العمّال في حين أنّ كل من لا يحمل بطاقة ممنوع عليه الدخول”. يضيف أنّ “من معيقات العودة أنّ المدينة هي كمدن الأشباح، فهذه ليست داريا الدي أعرفها. نحو 70 في المائة منها مدمّر اليوم، ولا يوجد فيها ماء ولا كهرباء ولا شبكات هاتف، وأظنّ أنّ شبكات الصرف الصحي مدمّرة كذلك”. ويؤكد أنّ “أقل من 600 شخص عادوا إلى مدينة كانت تضج بالحياة ويسكنها على أقل تقدير 250 ألف شخص”.

في السياق، يرى مؤيد وهو ناشط هُجّر في عام 2016 من داريا إلى الشمال السوري عقب فرض التسوية على الفصائل التي كانت تسيطر على المدينة، أنّ “إعادة الأهالي إلى داريا من خلال هذه المسرحية، ليس لها أيّ هدف سوى خداع الرأي العام المحلي والدولي”. ويخبر “العربي الجديد” أنّه “عند الإعلان عن عودة نازحي داريا في 28 أغسطس/ آب الماضي، برعاية محافظ ريف دمشق، تجمّع نحو 10 آلاف شخص في إحدى ساحات البلد ليخطب بهم المحافظ خطبة مطوّلة عن الوطنية والإرهاب، في حين كانت وسائل الإعلام ترصد الحدث. وما إن أنهى المحافظ كلمته وغادر الإعلاميون، طُلب من الأهالي مغادرة المدينة قبل الساعة الخامسة عصراً”.

يضيف مؤيد أنّه “بعد ذلك بأيام، أعلنَ في التاسع من سبتمبر/ أيلول الجاري عن السماح بدخول 470 شخصاً، فمُنحوا بطاقات خاصة تسمح لهم بالتنقل من المدينة وإليها. وفي اليوم التالي، مُنح 100 آخرون بطاقات مماثلة. وفي حين يقول النظام إنّه سوف يسمح لنحو تسعة آلاف شخص بالدخول في خلال المرحلة الأولى التي تمتد لنحو 20 يوماً، على أن يصل العدد إلى 20 ألفاً في خلال ثلاث مراحل. وفي حين يتحدث عن عزمه السماح لـ 100 ألف شخص بالعودة إلى داريا، لم يكشف عمّا إذا كان سوف يسمح للباقين البالغ عددهم 150 ألفاً بالعودة ثانية أم لا”.

ويلفت مؤيد إلى أنّ “مسألة تحميل الناس إعادة إعمار المدينة تُعَدّ شكلاً جديداً من أشكال تهجير الأهالي الذين سُحقوا خلال السنوات الأخيرة واستنزفوا كل مدّخراتهم، علماً أنّ كثيرين منهم يعيشون على ما يصلهم من مساعدات مالية من ذويهم في الخارج. بالتالي، كيف لهم أن يعيدوا إعمار مدينة قدّر النظام أضرارها بـ 100 مليار ليرة (نحو 200 مليون دولار)؟”. ويتابع أنّ “النظام أزال الركام من الشوارع الرئيسية وجرف بعض المناطق السكنية بشكل كامل من دون الكشف عن الأسباب، في حين صرف مليار ليرة (نحو مليونَي دولار) على إعادة ترميم المستوصف الصحي الذي ما زال من دون تجهيزات أو كادر بشري بالإضافة إلى مبنى الهاتف والمخفر. كذلك صرف ملياراً آخر لإعادة ترميم مدخل المدينة، في حين ما زالت الخدمات الرئيسية غائبة عن المدينة والركام يغطّي الطرقات الفرعية وبعض المباني المهدمة أو الآيلة للسقوط لم تُزل بعد”. بالنسبة إلى مؤيد، فإنّ “النظام بهذه الطريقة، إمّا يحاول دفع الأهالي إلى هجرة مدينتهم بسبب عدم تأمين مستلزمات الحياة اليومية، وإمّا دفعهم إلى بيع عقاراتهم التي يعجز الأهالي بمعظمهم عن ترميمها، خصوصاً أنّ المدينة ما زالت منطقة عسكرية محاصرة على الرغم من خلوّها الكامل من أيّ مسلّح أو مدني منذ عام 2016”. المصدر: العربي الجديد

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

النظام يتحكم بعودة أهالي داريا

هيومن فويس يبدو أنّ داريا تستعدّ لاستقبال أهلها - أو بعضٍ منهم - الذين عانوا من جرّاء الحصار الذي طال وكذلك التهجير الذي أفرغها من كلّ ساكنيها. وتُطرح تساؤلات في السياق. بعد انتظار أهالي داريا، غرب العاصمة السورية دمشق، لنحو ستّة أعوام، عامان منها كانت مدينتهم خلالهما تحت سيطرة قوات النظام السوري، سُمح بدءاً من أغسطس/آب الماضي لبضع مئات من الأهالي بالعودة إلى مدينتهم الخالية من أبسط مقوّمات الحياة. أبو حسام، من أهالي داريا، يخبر "العربي الجديد": "كان لدي منزل ريفي هناك من طبقتَين يضمّ 15 غرفة، إلى جانب حديقة تتخطّى مساحتها 400 متر مربع مزروعة بمختلف أنواع الشجر والزهور.

Send this to a friend