هيومن فويس

في أول أيام شهر رمضان المبارك، جلس وليد عثمان (أبو إيهاب) مع زوجته وحيدَين حول مائدة الإفطار في منزلهما بحي برزة شرق العاصمة السورية دمشق. مرت بضع دقائق ثقيلة بعد أذان المغرب، ليبدآ تناول طعامها بصمت دون أن يتفوها بكلمة.
نظرت أم إيهاب حولها بحسرة مسترجعة ذكريات موائد رمضان ما قبل الحرب حين كان منزل العائلة يعج بأولادها وأحفادها، قبل أن يقرروا جميعهم الخروج من البلاد هربا من تبعات شملت السوريين جميعا دون استثناء.

وتقول السيدة الخمسينية للجزيرة نت “رغم تراجع حدة الحرب بشكل كبير هذا العام، فإن الغصة لا تفارق قلوبنا، سافر أبنائي الثلاثة إلى لبنان وأوروبا بحثا عن مستقبل أفضل أو لتجنب الخدمة العسكرية”.

وتضيف “أعلم أنهم في حال أفضل لكننا أصبحنا وحيديْن أنا وزوجي، ونشعر بحنين كبير لتلك الجلسات العائلية خاصة في شهر رمضان والأعياد”. آلام تشعر بها اليوم مئات العائلات في دمشق التي تعيش أول رمضان هادئ نسبيا منذ سبعة أعوام مع توقف المعارك في معظم أنحاء المدينة وريفها، لكن أوجها أخرى للمعاناة تستمر في التخييم على حياتها، بحسب رأي أبي إيهاب.

ويعتقد الرجل الستيني أن صمت المدافع لا يعني انتهاء الحرب فعليا، فما خلفته السنوات السبع الماضية من آثار اقتصادية واجتماعية على وجه الخصوص لا يمكن أن يمحى عما قريب.

ويضيف للجزيرة نت “آلاف العائلات بدمشق تشردت بين نزوح ولجوء وموت وتغييب لأفرادها، وما عاد معظم سكان العاصمة وريفها قادرين على تأمين قوت يومهم بسهولة، الأمر الذي ينعكس بشكل جلي على أجواء هذا الشهر الكريم، نحاول أن نفرح لكن الغصة أكبر وأقوى”.

محيط دمشق
في ريف دمشق قد يبدو المشهد مختلفا بعض الشيء، فآلة الحرب مرت بقسوة على أجزاء واسعة منه شرقا وغربا وجنوبا، مدمرة معظم بلداته ومشردةً الآلاف من سكانه قبل أن تتوقف منذ حوالي الشهرين معلنة انتصار النظام السوري على معارضيه.

انتصارات النظام الميدانية والعسكرية لا تعني أيضا انتهاء معاناة مئات الآلاف من سكان الريف الدمشقي، ممن يستقبلون اليوم شهر رمضان بحالة معيشية وأمنية متردية، وينتظرون عودة عجلة حياتهم للدوران.

ومن مدينة دوما بغوطة دمشق الشرقية، يصف إياد أول أيام شهر رمضان بأنها حزينة ومفرحة في آن، إذ بدأت الحركة تعود لشوارع المدينة رويدا رويدا مع إعادة فتح بعض المحال، وإدخال العديد من المواد والمستلزمات الأساسية.

لكن الوضع الاقتصادي المتردي لا يزال سيد الموقف بدوما والغوطة الشرقية بشكل عام، حسب إياد في حديثه للجزيرة نت، فرغم انخفاض الأسعار بشكل كبير مقارنة بالسنوات الماضية، التي كان النظام السوري يفرض فيها حصارا خانقا على المنطقة، فإن توقف الأشغال وانتشار البطالة بنسبة كبيرة يزيد من صعوبة استعادة طقوس شهر رمضان كالسابق، حيث تعجز معظم العائلات عن تأمين قوت يومها، وتشهد الأسواق حركة محدودة للغاية.

الغوطة الشرقية
قوات النظام السوري من جهتها تستمر في فرض قيود كبيرة على أهالي الغوطة الشرقية، حيث يُمنعون من التحرك خارج حدود بلداتهم، وتتعذر العودة على من غادروا المنطقة هربا من القصف خلال المعارك الأخيرة. ويبلغ عددهم أكثر من مئة ألف، وفق إحصائيات سورية رسمية، توزعوا في مراكز إيواء ومناطق متفرقة في دمشق ومحيطها.

ويشير إياد -الذي فضل الحديث باسمه الأول- إلى السماح بعودة بعض العائلات إلى دوما خلال اليومين السابقين، في حين لم تصرح الجهات الحكومية المسؤولة بعد عن أي خطة واضحة لعودة مئات العائلات الأخرى، والتي تتوق دون شك لقضاء شهر رمضان في منازلها رغم الدمار الذي لحق بها.

أما في الجنوب الدمشقي -الذي شهد الأسبوع الفائت خروج آخر مقاتلي المعارضة نحو الشمال السوري- فلا تزال آخر المعارك مستمرة بين قوات النظام وتنظيم الدولة الإسلامية، الذي يسيطر على مساحات من مخيم اليرموك والحجر الأسود وحي التضامن، في حين انتهت حالة الحصار والحرب التي عاشتها بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم على مدار السنوات الماضية.

ونقلت شبكة صوت العاصمة الإخبارية -التي تعمل في دمشق- أنباء عن انتعاش الأسواق وانخفاض الأسعار في الجنوب الدمشقي بشكل ملحوظ، وذلك بعد إلغاء النظام الإتاوات التي كانت مفروضة خلال مدة سيطرة المعارضة المسلحة على تلك البلدات.

ورغم ذلك، ينتظر سكان هذه المنطقة انتهاء المعارك في الأحياء المتاخمة، والسماح لهم بحرية الحركة والتنقل، علّهم يتمكنون من استعادة تفاصيل الحياة الاعتيادية والإحساس بفرحة قدوم شهر رمضان، وهو الثامن منذ اندلاع الثورة في البلاد.

الجزيرة نت

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

رمضان دمشق.. فرحة بطعم المعاناة

هيومن فويس في أول أيام شهر رمضان المبارك، جلس وليد عثمان (أبو إيهاب) مع زوجته وحيدَين حول مائدة الإفطار في منزلهما بحي برزة شرق العاصمة السورية دمشق. مرت بضع دقائق ثقيلة بعد أذان المغرب، ليبدآ تناول طعامها بصمت دون أن يتفوها بكلمة. نظرت أم إيهاب حولها بحسرة مسترجعة ذكريات موائد رمضان ما قبل الحرب حين كان منزل العائلة يعج بأولادها وأحفادها، قبل أن يقرروا جميعهم الخروج من البلاد هربا من تبعات شملت السوريين جميعا دون استثناء. وتقول السيدة الخمسينية للجزيرة نت "رغم تراجع حدة الحرب بشكل كبير هذا العام، فإن الغصة لا تفارق قلوبنا، سافر أبنائي الثلاثة إلى لبنان وأوروبا

Send this to a friend