هيومن فويس

انتهت ضغوط النظام السوري وروسيا وتهديداتهما المتصاعدة لريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي، بقبول فصائل المعارضة السورية هناك باتفاق “تسوية” حاولت التهرب منه لأيام، غير أن تصعيد النظام وموسكو من قصفهما على المنطقتين خلال الأيام الأخيرة، والتهديد بحرب يدفع فاتورتها عشرات آلاف المدنيين كما حدث في مناطق سورية أخرى، دفعا الفصائل للقبول بهذا الاتفاق.

وحاولت المعارضة تحسين شروط “التسوية” التي طرحها الجانب الروسي، غير أن الأخير بدا مصراً على القضاء على أي معارضة للنظام بالقوة المفرطة في التوحش، وخصوصاً تجاه المدنيين، نقطة ضعف المعارضة الأبرز التي استغلها النظام وحلفاؤه كثيراً منذ بدء الثورة السورية في عام 2011. وبعد العديد من جولات التفاوض خلال الأيام الأخيرة التي باءت بالفشل، انتهى اجتماع مطول أمس بين ممثلي ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي من جهة، وممثلين عن النظام والقوات الروسية من جهة أخرى، إلى التوقيع على اتفاق نهائي بشأن مصير هاتين المنطقتين.

وقال الناشط الإعلامي خضر العبيد الموجود في ريف حمص الشمالي، لـ”العربي الجديد”، إنه جرى خلال الاجتماع التوصل إلى اتفاق “نهائي” يقضي بخروج مقاتلي الفصائل وذويهم إلى الشمال السوري وفق الشروط نفسها تقريباً التي كانت روسيا والنظام يحاولان فرضها على الفصائل خلال الفترة الماضية باستثناء إضافتين بسيطتين، وهما أن يكون الاتفاق بضمانة روسية، وأن يتم تأجيل موعد التهجير من اليوم الخميس إلى السبت. وأوضح خضر أن تسليم السلاح الثقيل والمتوسط سيبدأ خلال 3 أيام، على أن يبقي عناصر الفصائل على سلاحهم الخفيف فقط، مشيراً إلى أن كل حافلة ستخرج سيكون فيها عنصر من الشرطة الروسية. وإضافة إلى تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وترحيل من يرفض التسوية مع النظام الى الشمال السوري، يتضمن الاتفاق تنظيم عملية التحاق المتخلفين عن خدمة “التجنيد الإجباري” في صفوف قوات النظام وتسوية أوضاع المنشقين بعد إمهالهم مدة 6 أشهر، وعودة الدوائر الحكومية التابعة للنظام إلى العمل في المنطقتين، وتنظيم العملية التعليمية للمتأخرين دراسياً، ودخول الشرطة العسكرية الروسية إلى الريفين.

وكانت قوات النظام والطائرات الروسية، قد صعّدت في الأيام الأخيرة من عمليات القصف على المنطقتين في إطار الضغط للقبول بشروط التهجير، بعد أن حاولت القوى الموجودة في المنطقة تلافي خيار التهجير. ودمّر الطيران الروسي مستشفيات ومراكز صحية عديدة، أبرزها مستشفى الزعفرانة الذي يقدّم خدمات صحية لآلاف المدنيين، في رسالة واضحة حول ما ينتظر المنطقة في حال عدم رضوخ فصائل المعارضة للشروط الروسية. وكان الرائد محمد الأحمد، ممثل غرفة عمليات الرستن في هيئة التفاوض عن ريف حمص الشمالي، أكد أن جنرالاً روسياً ترافقه مذيعة في تلفزيون النظام تمثّل الأخير في المفاوضات، “قالا لنا أنتم مجموعات إرهابية لا يجوز عقد اتفاق معكم”.

وكان الاتفاق قد قوبل قبل توقيعه برفض كبير من قبل أهالي المنطقة، خصوصاً أنه لم يكن يحوي أي ضمانات لعدم ارتكاب عمليات انتقام واسعة من قبل الموالين للنظام في المناطق المجاورة في حال خروج مقاتلي المعارضة من المنطقة إلى الشمال السوري. وخرجت تظاهرات في ريف حمص الشمالي رفضاً لما وصفه المتظاهرون بـ”اتفاق الذل” الذي تحاول روسيا فرضه في المنطقة. وأكد الناشط في ريف حمص، خضر العبيد، لـ”العربي الجديد”، أن المتظاهرين رفضوا المطالب الروسية بالتهجير، وطالبوا بالبقاء في الريف الحمصي، داعين المنظمات الدولية إلى تحقيق العدالة تجاه الأطفال والمدنيين.

يُذكر أن أغلب مدن وبلدات ريف حمص الشمالي خرجت عن سيطرة النظام في وقت مبكر من عمر الثورة السورية، خصوصاً الرستن ومحيطها وتلبيسة ومحيطها، وتعرضت للتدمير الممنهج من قبل طيران النظام الذي ارتكب العديد من المجازر بحق المدنيين، ما أدى إلى تشريد عدد كبير من سكانها. كما تدخل ضمن نطاق ريف حمص الشمالي منطقة الحولة، شمال غربي حمص، والتي تضم بلدات عدة، أبرزها تل دو، وتل الدهب، وكفر لاها، إضافة إلى قرى وبلدات في ريف حماة الجنوبي، منها حربنسفه.

وتنبع أهمية ريف حمص الشمالي من كونه يقع في وسط البلاد، وتلتقي عنده طرق عدة تربط شمال البلاد بجنوبها، وغربها بشرقها، ومن دون السيطرة عليه من قبل النظام تبقى مناطق سيطرته مقطعة الأوصال، خصوصاً أن الطريق الدولي الذي يربط العاصمة دمشق بمدينة حلب يمر من وسط ريف حمص الشمالي. وتعد مدينة الرستن أهم مدن هذا الريف وتقع إلى الشمال من مدينة حمص بنحو 20 كيلومتراً، وهي من أوائل المدن السورية التي خرجت عن سيطرة النظام بشكل كامل في عام 2012، إذ انشق عدد كبير من أبناء المدينة كانوا ضباطاً في جيش النظام. والرستن هي مسقط رأس مصطفى طلاس، الذي بقي وزيراً للدفاع في عهدي الأسدين الأب والابن لأكثر من ثلاثين عاماً، وتوفي العام الماضي في مدينة باريس. وانشق عدد من أفراد عائلته كانوا ضباطاً في جيش النظام، لعل أبرزهم ابنه مناف، الذي كان أحد أهم ضباط الحرس الجمهوري، ويتوقع البعض أن يكون له دور في مستقبل سورية. وإلى جانب الرستن، هناك مدينة تلبيسة التي تبعد عن مدينة حمص نحو 13 كيلومتراً، وتعرّض سكانها لقصف طيلة سنوات، ما أدى إلى مقتل وإصابة المئات من أهلها، وتشريد كثيرين داخل البلاد وخارجها.

وتنتشر في ريف حمص الشمالي فصائل عسكرية عدة من الجيش السوري الحر، مثل “جيش التوحيد”، “الفرقة 313″، “جيش العزة”، “حركة تحرير الوطن”، “فيلق حمص”، وفصائل معارضة أخرى، منها: “ألوية الرستن”، “ألوية الحولة”، و”حركة أحرار الشام الإسلامية” و”جيش الإسلام” وغيرها. ولا توجد في الريف أي فصائل متشددة من قبيل تنظيم “داعش” أو “هيئة تحرير الشام”، ما يؤكد أن الحديث الروسي عن محاربة الإرهاب ما هو إلا ذريعة للقضاء على فصائل المعارضة السورية.

ويقطن في مدن وبلدات وقرى ريف حمص الشمالي أكثر من 300 ألف مدني، عانوا من حصار على مدى سنوات، وهم اليوم على مفترق طرق، فإما التهجير إلى الشمال السوري الذي بات مكتظاً بالمهجرين من كل أنحاء سورية، أو البقاء مع إمكانية قيام قوات النظام وأجهزته الأمنية، والموالين له الذين يقيمون في قرى مجاورة، بعمليات انتقام جماعية بحق أبناء ريف حمص الشمالي، إذ لم يقدّم الجانب الروسي أي ضمانات لعدم حدوثها بعد خروج مقاتلي المعارضة من المنطقة في حال تم التوصل لاتفاق.العربي الجديد

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

ريفا حمص وحماة يخضعان للإملاءات

هيومن فويس انتهت ضغوط النظام السوري وروسيا وتهديداتهما المتصاعدة لريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي، بقبول فصائل المعارضة السورية هناك باتفاق "تسوية" حاولت التهرب منه لأيام، غير أن تصعيد النظام وموسكو من قصفهما على المنطقتين خلال الأيام الأخيرة، والتهديد بحرب يدفع فاتورتها عشرات آلاف المدنيين كما حدث في مناطق سورية أخرى، دفعا الفصائل للقبول بهذا الاتفاق. وحاولت المعارضة تحسين شروط "التسوية" التي طرحها الجانب الروسي، غير أن الأخير بدا مصراً على القضاء على أي معارضة للنظام بالقوة المفرطة في التوحش، وخصوصاً تجاه المدنيين، نقطة ضعف المعارضة الأبرز التي استغلها النظام وحلفاؤه كثيراً منذ بدء الثورة السورية في عام 2011. وبعد العديد

Send this to a friend