هيومن فويس

لم يتصور الأربعيني “أبو عبد الرحمن”، الذي كان يعيش قبل نحو ثلاث سنوات في بيت إسمنتي مشيد على الطراز الحديث، أنه سيفضي به الأمر وتضطره الظروف إلى السكن في بيت طيني مشيد على عجل بأحد الحقول البعيدة عن مكان سكنه، متحملاً كل الصعوبات التي تواجه من يعيش في مثل هذه البيوت البدائية.

ويقول أبو عبد الرحمن بمرارة: “هذه هي الحياة يا صديقي؛ يوم لك ويوم عليك”، مردفاً “لكل شيء ثمن، وثمن الحرية التي طالبنا بها قتل وتدمير واعتقال وتشرد على أيدي قوات بشار الأسد”.

وأضاف في حديث لـ”الخليج أونلاين” أنه من سكان إحدى القرى في ريف درعا الأوسط التي سويت كثير من منازلها بالأرض، بعد أن تعرضت لكل أشكال التدمير والتخريب على أيدي قوات النظام، التي لم تترك سلاحاً إلا واستخدمته في تدمير القرى والبلدات الثائرة.

ولفت إلى أن سكان قريته وأمام هذا العنف المفرط تشردوا داخل سوريا وخارجها بحثاً عن الأمان، ولم يبق في قريته أي من سكانها بعد أن احتلتها قوات الأسد والمليشيات الطائفية.

وبين أنه تنقل بين مراكز الإيواء وبيوت الإيجار وقتاً من الزمن، وأنفق من جراء الحرب المجنونة كل مدخراته المالية و”تعب عمره”، حتى بات عاجزاً عن تأمين أجرة منزل يمكنه استئجاره، لافتاً إلى أنه لجأ إلى بناء منزله الطيني المكون من غرفتين كخيار وحيد متاح أمامه.

وقال لـ”الخليج أونلاين”: “لقد بنيت هذا المنزل أنا وأولادي وساعدنا فيه بعض الجيران، وهو مكون من الحجارة العادية والطين الممزوج بالتبن، أما سقف البناء فهو عبارة عن أغصان من الأشجار، وبعض ما توفر من ألواح خشبية ومعدنية، وخيمة قديمة وضعناها فوق السقف؛ لضمان عدم نفاذ المياه إلى داخل الغرفة”.

وتتميز بيوت الطين بأنها باردة صيفاً دافئة شتاء؛ وذلك لعدم قدرة الطين على الاحتفاظ بالحرارة والبرودة.

– أفضل الحلول

الناشط الإعلامي أبو محمد الدرعاوي أكد أن بيوت الطين والحجر أصبحت أفضل الحلول الممكنة لتجاوز مشكلة السكن، التي يعاني منها سكان الريف ومخيمات النزوح على الحدود السورية مع دول الجوار، ولا سيما في جنوب سوريا وغربها وشمالها.

وأشار في حديث لـ”الخليج أونلاين” إلى أن هذه البيوت باتت تنتشر بشكل ملحوظ في مخيمات النزوح في درعا والقنيطرة وريف إدلب، كأحد الحلول المناسبة للإيواء في ظل العجز الكبير الذي أصاب المنظمات الإنسانية؛ بسبب طول أمد الحرب وتراجع المساعدات المقدمة للنازحين والمحتاجين.

ولفت إلى أن قوات الأسد والطيران الحربي الروسي دمرا الآلاف من المنازل في معظم المناطق الثائرة، وجلبا الموت والخراب والفقر لملايين السوريين الذين باتوا عاجزين عن تأمين قوت يومهم، مشيراً إلى أن هناك مئات العائلات ما زالت تعيش في العراء لا تسترها إلا أسمال خيام بالية، بعد أن دمرت منازلهم وانقطعت بهم السبل.

– سكن الأجداد

ويقول الحاج محمد الصبحي (70 عاماً) وهو مدرس متقاعد: إن “الأسد أرجعنا إلى سكن الآباء والأجداد، وأعاد حياتنا بكل تفاصيلها إلى قرن مضى، وذلك بعد حالة الرخاء التي عشناها سنوات طويلة”.

وأضاف أن بيوت الطين والحجر في الريف السوري كانت تنتشر بشكل كبير قبل ظهور الإسمنت والحجر المشذب، لكنها أصبحت من ذكريات الماضي بعد الطفرة العمرانية التي شهدتها سوريا، لافتاً إلى أن حاجة الناس إلى مأوى اقتصادي في ظل الحرب أعادت هذه البيوت إلى الظهور من جديد في بعض المناطق السورية.

ولفت في حديث لـ”الخليج أونلاين” إلى أن ما يميز هذه البيوت بساطتها وسهولة بنائها، وتوفر معظم مكوناتها في الطبيعة؛ فالحجارة موجودة في كل مكان، وكذلك التراب والتبن، موضحاً أن هذه البيوت باردة صيفاً ودافئة شتاء، وتبقى في كل الأحوال أفضل من الخيام التي غالباً ما تتعرض للتمزق والاحتراق.

سمير فاروق (45 عاماً) أحد العاملين في بناء البيوت الطينية أكد أن عملية صناعة الطوب من الطين سهلة، وتعتمد على “غربلة” التراب لإبعاد الشوائب عنه، ثم يمزج التراب مع التبن والماء ويوضع المزيج في قالب خاص من الحديد أو الخشب، أبعاده 40 سم طولاً و25 سم عرضاً و20 سم ارتفاعاً، ويوضع تحت أشعة الشمس حتى يجف تماماً ولعدة أيام.

وأضاف لـ”الخليج أونلاين”: “بعد جفاف الحجارة الطينية أو الطوب تتم عمليات استخدامها في البناء وفق ما هو مخطط، وبنفس طريقة بناء الحجارة الإسمنتية”.

المهندس المعماري مضر العيسى أكد أن بيوت الطين والحجر كانت موجودة في كثير من دول العالم، وهي تشير إلى مراحل الاستيطان البشري الأولى قبل ظهور الإسمنت والمواد الخراسانية، لافتاً إلى أن هناك قرى كاملة بدأت ترى النور في سوريا وكلها مبنية من الطين.

وأضاف لـ”الخليج أونلاين” أن هذه البيوت ظهرت بالتزامن مع الخراب الذي حل في معظم المناطق المشتعلة في سوريا، كبديل عن المساكن الإسمنتية، وكحل لمشكلات تأمين مأوى مناسب للنازحين الذين تزايد عددهم بسبب الحرب بشكل كبير.

واستشهد العيسى بأهمية البيوت الطينية من خلال تجربة “الهلال الأحمر القطري” في سوريا في هذا المجال.

وقال إن الهلال الأحمر القطري أطلق خلال الحرب السورية عدة مشاريع لتنفيذ قرى مبنية من الطين الخالص والتبن في محافظة إدلب شمالي سوريا؛ وذلك بهدف تأمين مساكن مناسبة للنازحين.

وأضاف أن البيوت الطينية التي بدأ الهلال بتنفيذها مصممة على طراز حديث ومدروسة بشكل جيد، كما أنها مزودة بجميع الخدمات الضرورية، ومنظمة على غرار القرى الإسمنتية الحديثة.

ولفت إلى أن عدد الشقق في كل قرية طينية من قرى المشروع يتراوح ما بين 300 و500 شقة. وتتكون الشقة من غرفتين وصالون ومنافع مساحة الواحدة منها مابين 25 و50 متراً مربعاً، موضحاً أن القرى زودت أيضاً بساحات ونقاط صحية ومدارس ومساجد وغيرها من الخدمات.

يشار إلى أن نظام بشار الأسد وحلفاءه من الروس والإيرانيين دمروا في حربهم المجنونة على الشعب السوري، التي ما تزال تداعياتها مستمرة منذ نحو سبع سنوات، ملايين المنازل بشكل كلي أو جزئي فوق رؤوس ساكنيها، كما وشرد ما لا يقل عن ستة ملايين سوري داخل سوريا، ومثلهم خارجها.

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

البيوت الطينية..سلاح السوريين لمواجهة الشتاء

هيومن فويس لم يتصور الأربعيني "أبو عبد الرحمن"، الذي كان يعيش قبل نحو ثلاث سنوات في بيت إسمنتي مشيد على الطراز الحديث، أنه سيفضي به الأمر وتضطره الظروف إلى السكن في بيت طيني مشيد على عجل بأحد الحقول البعيدة عن مكان سكنه، متحملاً كل الصعوبات التي تواجه من يعيش في مثل هذه البيوت البدائية. ويقول أبو عبد الرحمن بمرارة: "هذه هي الحياة يا صديقي؛ يوم لك ويوم عليك"، مردفاً "لكل شيء ثمن، وثمن الحرية التي طالبنا بها قتل وتدمير واعتقال وتشرد على أيدي قوات بشار الأسد". وأضاف في حديث لـ"الخليج أونلاين" أنه من سكان إحدى القرى في ريف درعا الأوسط

Send this to a friend