هيومن فويس

يجلس فوزي الحسن، (33 عاماً)، خلف بسطة دخان صغيرة، تتوزع عليها أنواع مختلفة من الدخان المحلي والأجنبي، مرتبة بعناية واضحة، إلى جانبه عكازان حديديان، يستخدمهما في تحركه، بدلاً من ساقيه، اللذين كان قد فقدهما قبل عامين.

ويشير فوزي في حديثه، إلى أنه “فقد ساقيه في أثناء عمله بحقله الزراعي، نتيجة انفجار لغم أرضي من مخلفات قوات نظام الأسد، كانت قد زرعته تلك القوات في الأراضي المجاورة لقطعاتها العسكرية، وذلك قبل رحيلها عنها تحت ضربات الثوار الموجعة”.

ولفت إلى أنه “بدأ يبيع الدخان على بسطته، بعد أن فقد قدرته على العمل الزراعي، حيث أصبحت هذه البسطة المتواضعة مصدر دخله الوحيد، الذي يعول عليه في سد احتياجات أسرته، المكونة من خمسة أفراد، أكبرهم 11 عاماً”.

منظمة الصحة العالمية والمنظمات الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة أكدت في تقرير صدر عنها قبل أيام، أن هناك ثلاثين ألف مصاب كل شهر نتيجة الحرب في سوريا، وأن الحرب خلَّفت مليوناً ونصف المليون مصاب، بإعاقة دائمة، من أصل ثلاثة ملايين مصاب، أصيبوا منذ اندلاع الحرب في سوريا قبل أكثر من ست سنوات.

وطالبت المنظمات المجتمع الدولي بتوسيع نطاق الدعم الذي يقدَّم لتأهيل المصابين وإدماجهم في المجتمع. كما أوضح التقرير أن مليوناً ونصف المليون يعيشون مع إعاقات دائمة، منهم 86 ألفاً أفضت إصاباتهم إلى بتر أطرافهم.

وأشار التقرير إلى أن “الصراع الدائر بسوريا يحتدم باستخدام أسلحة متفجرة في المناطق المأهولة بالسكان”.

الناشط الحقوقي أبو معتز الشامي، أكد أن “الحرب التي تعيشها سوريا منذ نحو سبع سنوات، أفرزت جيشاً كبيراً من ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة، وأن مئات الحالات من مبتوري الأطراف والمصابين باتت مشاهدتهم أمراً مألوفاً في كل المناطق السورية، سواء أكانت تلك الخاضعة لسيطرة المعارضة أم لسيطرة النظام”.

وقال: إن “ما يوجع القلب ويزيده ألماً أن من بين المعاقين عدداً كبيراً من الأطفال والنساء والشيوخ وكبار السن، وهؤلاء مصيبتهم أكبر؛ لأنهم بحاجة لمساعدة دائمة”، لافتاً إلى أن جل الإعاقات “هي نتاج حرب الأسد ضد شعبه، وأن الإعاقات تتنوع ما بين الحركية الجسدية والبصرية والذهنية والنفسية”.

وأضاف، أن “إعادة تأهيل هذا الكم الهائل من ذوي الاحتياجات الخاصة يحتاج إلى جهود كبيرة وموازنات مالية ولوجيستية ضخمة، تعجز عنها حتى الدول الغنية”، مؤكداً أن “التحدي الأكبر الذي ستواجهه سوريا في المستقبل هو كيفية تأمين مصادر رزق لهذا الجيش، الذي أصبح شبه عاجز عن تأمين لقمة عيشه”.

 آثار نفسية لا تقل فظاعة

من جهته، أكد الباحث النفسي نورس العمر أن “تأثير الإعاقة لا يتوقف على فقدان العضو أو بتره؛ بل يتعداه إلى اضطرابات نفسية وسلوكية تسيطر على المعاق وقد تدفعه إلى ارتكاب فعل ضار بحق نفسه أحياناً، كإقدامه على الانتحار مثلاً؛ للتخلص من حالته”.

وزاد، أن “من أهم الاضطرابات النفسية التي ترافق المعاقين أو ذوي الاحتياجات الخاصة، الخوف من المجهول والقلق وعدم الشعور بالأمان والتوتر الدائم، الأمر الذي ينعكس سلباً على أسرة المعاق وعلى كل ما يحيط به”.

محسن الشامي، الأخصائي في تركيب الأطراف الاصطناعية، أكد أن “هناك جهوداً كبيرة تبذلها بعض المنظمات والجهات الداعمة، لكنها تبقى في إطار محدود ولا ترقى إلى الطموح، كما أنها لا تستطيع تغطية الاحتياجات العلاجية للمعاقين كافة، سواء من حيث تأمين الأطراف أو من حيث العلاج النفسي والفيزيائي”.

ولفت في لقاء مع “الخليج أونلاين”، إلى أن “من قُدِّمت الخدمات العلاجية لهم لا يتجاوزون 15% من عدد المتقدمين لتركيب أطراف اصطناعية علوية وسفلية؛ بسبب محدودية الإمكانات”، داعياً “المنظمات الإنسانية والدولية المختصة إلى توسيع دائرة خدماتها في سوريا لتشمل المزيد من المناطق الخارجة عن سلطة قوات نظام الأسد”.

سمير عناد، (28 عاماً)، وهو أحد مبتوري الأطراف من الذين حالفهم الحظ في تركيب طرف اصطناعي، قال: إن “حياته تغيرت رأساً على عقب بعد تركيب طرف اصطناعي”، مشيراً إلى أنه أصبح قادراً على خدمة نفسه بنفسه، بعد أن كان حبيس المنزل وتقوم أسرته على خدمته.

وأكمل، أنه افتتح كشكاً لبيع المواد الغذائية بالقرب من منزله، وبات يعتمد على ما يحصّله منه، في تأمين نفقاته، مبيناً أن ساقه كانت قد بُترت نتيجة قذيفة، أطلقتها قوات الأسد على قريته، سقطت بالقرب من منزله، وتسببت أيضاً في مقتل أخيه وأخته.

في حين عبَّرت الطفلة سلام الحسين، (10 سنوات)، عن سعادتها بتركيب طرف اصطناعي سفلي، موضحة أنها “ستتمكن الآن من الذهاب إلى مدرستها، واللعب مع صديقاتها، بعد أن كانت عاجزة عن فعل ذلك بسبب إصابتها”.

وقالت: إن الكادر الفني المختص في مركز الأطراف الاصطناعية، الذي افتتحته إحدى المنظمات الإنسانية في منطقتها، اهتم بها اهتماماً شديداً وقدم لها كل أشكال العلاج والدعم، لافتة إلى أنها باتت صديقة لكل العاملين فيه؛ بسبب ترددها المستمر على المركز للعلاج، بحسب قولها.

وأضافت أن إصابتها نجمت عن قصف من قِبل قوات النظام على قريتها بقذائف الهاون، وأن شظية حادة دخلت من شباك منزلها وتسببت في تفتيت ساقها؛ الأمر الذي دفع الأطباء إلى بترها.

صعوبات تركيب الأطراف

خبير الأطراف الاصطناعية عيسى الحوراني، أشار إلى أن “بعض المناطق شهدت منذ عام 2012، افتتاح عدة مراكز تركيب أطراف وعلاج فيزيائي ونفسي، تبرعت بتجهيزاتها، وموَّلتها منظمات عربية ودولية، لكن بعض هذه المراكز توقف عن العمل نتيجة تراجع الدعم وعدم توافر الإمكانات المادية لتشغيلها.

ولفت في حديثها إلى أن “هذه المراكز قدمت مئات الخدمات العلاجية لمصابي الحرب السورية، لكن بقيت جهودها قاصرة؛ بسبب تنامي أعداد المصابين وطالبي هذه الخدمة، الذين تجاوزت أعدادهم إمكانات هذه المراكز”، موضحاً أن تكلفة الطرف الاصطناعي تتراوح ما بين 500 و1200 دولار، وأن هذه الأطراف كانت تقدَّم مجاناً للمصابين”، بحسب قوله

رابط المصدر: الخليج أونلاين

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الحرب السورية تفرز جيشا من المعاقين

هيومن فويس يجلس فوزي الحسن، (33 عاماً)، خلف بسطة دخان صغيرة، تتوزع عليها أنواع مختلفة من الدخان المحلي والأجنبي، مرتبة بعناية واضحة، إلى جانبه عكازان حديديان، يستخدمهما في تحركه، بدلاً من ساقيه، اللذين كان قد فقدهما قبل عامين. ويشير فوزي في حديثه، إلى أنه "فقد ساقيه في أثناء عمله بحقله الزراعي، نتيجة انفجار لغم أرضي من مخلفات قوات نظام الأسد، كانت قد زرعته تلك القوات في الأراضي المجاورة لقطعاتها العسكرية، وذلك قبل رحيلها عنها تحت ضربات الثوار الموجعة". ولفت إلى أنه "بدأ يبيع الدخان على بسطته، بعد أن فقد قدرته على العمل الزراعي، حيث أصبحت هذه البسطة المتواضعة مصدر دخله

Send this to a friend