هيومن فويس

كان عمر يركض حاملا كاميرته، يريد أن يصل تماما في الوقت المحدد من أجل التقاط الصورة الأولى للمهجرين من القلمون الغربي إلى مناطق القلمون الشرقي في ريف دمشق.

هناك عند حافة ذاك الشارع ضبط عمر عدسته وتهيأ، وحينها قدح زناد كاميرته فانطبعت صورة لم يكن يعلم أنها ستكون فاتحة لقصة لا يزال يعمل على توثيقها منذ شهور.

كانت صورة طفل جعلت عمر في حالة شرود لما فيها من تفاصيل شكلت كل منها دافعا لحل لغزها، فعاد عمر للبحث عن الطفل مجددا في موطنه الجديد في خيام اللجوء، وحينها صدم عمر بكمّ العدوانية في نفسية الطفل، وبكمّ النقمة تجاه الحياة والناس من حوله، فتبين له أن الطفل وكثيرا من أقرانه يعانون من الحالة نفسها لما عاشوه من قصص الموت تحت قصف قوات النظام.

عند تلك اللحظة ولدت لدى عمر وزملائه الذين يعملون معه في شبكة إخبارية محلية فكرة إنجاز فيلم هو الأول من نوعه في سوريا يوثق المعاناة النفسية جراء الحرب لدى الأطفال، وهو جانب لم ينل العناية الكافية ولم يكن محل اهتمام رغم مرور ست سنوات حرب أتت على الأخضر واليابس، بحسب ما يقول عمر الدمشقي مدير شبكة بردى الإعلامية القائمة على إنجاز الفيلم، في حديثه للجزيرة نت.

الفيلم مثقل بقصص مؤثرة لأطفال سوريا كما يقول المنتجون (الجزيرة)

منجم معاناة
يقول الدمشقي إن الفيلم وثق حتى اللحظة خمسين حالة لأطفال يعانون من مشاكل نفسية حادة جراء الحرب، وفي الفيلم تقف الكاميرا عند حالات الخوف والانطوائية والكراهية والاضطهاد والتلعثم وصعوبة النطق لدى الأطفال التي سببتها مشاهد القصف والدم والدمار والفقد.

ويضيف الدمشقي أن فريق إنتاج الفيلم والعاملين عليه لم يكونوا يعلمون أنهم دخلوا إلى ما يشبه منجم معاناة حقيقيا عندما باشروا البحث في موضوع الفيلم وإجراء مقابلات مع أطفال وأطباء قائمين على حالاتهم.

ويتابع “لقد كنا نوثق ما تقع عليه عدسة الكاميرا فقط، ولم يكن في حسباننا أن وراء كل جرح جرحا آخر في مكان لا تطاله مشارط الأطباء، أنه في نفوس وذاكرة الأطفال الوجدانية”.

ويقول الدمشقي إن الفيلم يعتمد أيضا على ما يقوله المتخصصون في هذا المجال، و”إنه محاولة توثيقية على شكل فيلم مثقل بقصص مؤثرة لأطفال يفترض أنهم يلعبون حاليا، لا مكبلين بمشاكل نفسية لا يعلمون أنهم يعيشونها وأنها وراء بكائهم اللاإرادي وتبولهم اللاإرادي، وصراخهم غير المبرر، وغضبهم وعصبيتهم غير المفهومة”.

الحرب خلفت جراحا ظاهرة على وجوه الأطفال وأخرى لا تصل إليها مشارط الأطباء (الجزيرة)

أطفال المستقبل
يستمر العمل على الفيلم حاليا في مناطق القلمون الشرقي والغوطة الشرقية بريف دمشق، وريف حمص الشمالي، وريف حماة الشمالي، ومحافظة إدلب، وريف حلب الشمالي، وريف حلب الشرقي، ودرعا، وفي مخيمات النزوح على حدود البلاد شمالا.

وأكد جميع المصورين في أسرة الفيلم خلال لقاءات مع الجزيرة نت أنهم واجهوا مشاكل عند توثيق حالات الأطفال، تمثلت في رفض الأهالي تصوير حالات أطفالهم، وقسوة الأهالي مع أطفالهم وضربهم أحيانا جراء عدم استيعابهم أن أطفالهم يعانون من مشاكل نفسية.

وقال أحد المصورين “هناك أطفال أبدوا عدوانية تجاه عملنا ورفضوا التصوير، لكن سنبقى حتى ننهي العمل، فهو رسالة لا بد من إيصالها للعالم ولا بد من إفهام الأطراف المتصارعة في البلاد أن الحرب استهلكت حتى نفوس أطفالنا الذين نعول عليهم أن يكونوا مستقبل البلاد وأن يعيدوا بناءها”.

وقد خلصت دراسة لمؤسسة “أنقذوا الأطفال” الأميركية إلى أن 89% من أطفال سوريا يعانون أشكالا من تدهور الصحة النفسية، أو ما أطلقت عليه الدراسة اسم “الجراح الخفية”. وقالت المؤسسة في تقريرها الصادر في مارس/آذار الماضي “يعاني جيل كامل من الأطفال في سوريا من خطر التعرض لمشاكل في الصحة النفسية مدى الحياة بعد معاناة لما يقرب من سبع سنوات من الحرب”.

المصدر: الجزيرة

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الجراح الخفية لأطفال سوريا

هيومن فويس كان عمر يركض حاملا كاميرته، يريد أن يصل تماما في الوقت المحدد من أجل التقاط الصورة الأولى للمهجرين من القلمون الغربي إلى مناطق القلمون الشرقي في ريف دمشق. هناك عند حافة ذاك الشارع ضبط عمر عدسته وتهيأ، وحينها قدح زناد كاميرته فانطبعت صورة لم يكن يعلم أنها ستكون فاتحة لقصة لا يزال يعمل على توثيقها منذ شهور. كانت صورة طفل جعلت عمر في حالة شرود لما فيها من تفاصيل شكلت كل منها دافعا لحل لغزها، فعاد عمر للبحث عن الطفل مجددا في موطنه الجديد في خيام اللجوء، وحينها صدم عمر بكمّ العدوانية في نفسية الطفل، وبكمّ النقمة تجاه الحياة والناس من حوله، فتبين له

Send this to a friend