هيومن فويس: تامر تركماني

كانت الغرفة ضيقة جدا، وكنت الأقرب إلى الباب لسوء حظي، وكل ما دخل شبيح أو عنصر إلى الغرفة، كان لجسدي الهزيل الحصة الأكبر من الضرب المبرح من ذلك “الكرباج”، ومن شدة الضرب باتت ملابسي تعصر دماء، كلمات باحت بها الفتاة الدمشقية مايا ابنة الواحد والعشرين ربيعا، خلال حديثي معها بعيد خروجها من المعتقل.

قالت مايا ابنة حي جوبر الدمشقي: “كنت أتمنى الموت من أي ضربة، أريد أن انتهي… ساد صمت رهيب، ثم سمعت صوت العناصر يقولون “أهلين معلم” تلالها بثوان فتح ذلك الباب الحديدي الموصد، ثوان ستجعل إحدانا تنتقل من قبر نعيش فيه كأرقام إلى قبر نتحول فيه إلى “جسد”، أخذوا سعاد رفيقة الزنانة، تلك التي لم تبلغ الخامسة عشر”.

تابعت مايا “سحنوا سعاد على الأرض حتى بلغت أقدام رجل طويل عريض، تملكت قوة منحتني من سرقة لمحة من تفاصيل وجهه القذر، كان ضخما وله وجه أسود من الغضب، يرتدي بزة عسكرية، رفع رأس سعاد بيده، ثم نادى أحد عناصره لسحب سعاد إلى المكتب، ودخل هو أيضا ذلك المكتب المشؤوم، ثم قال أحدهم ساخرا “جاييكم الدور” وتلاها بعبارات الكفر والشتم”.

ما عادت عقارب الساعة تتحرك، كل ما هنالك أننا نحن الأرقام الثلاث، ياسمين وعمرها 19 ومريم 22 عام، وأنا، ننتظر موتا من نوع آخر.. كانت فرائصنا ترتعد خوفا، نبكي، نتحدث بنظرات يصعب ترجمتها، لماذا نحن الصغيرات هنا؟ لماذا نسمع كل هذا الكفر والصراخ والشتائم، قاطع هذا الحديث المتخم بالعدمية، السباب والكفر من جديد، فتح ذلك الباب المقيت ثانية، لم ألحق والرعب يغلق عيناي أن أرى ما في يده، ولكنه على ما يبدو وبحسب وقعه على جسدي، كان كبلا كهربائيا غليظا، أجزاء من الثانية وبدأت الدماء تقفز من كل جزء فينا، ثم أغلق الباب، لأدرك أنني لا زلت على قيد الموت.

أبكي وفي داخلي شعور ميت، لا سيما عندما أتأكد من جديد أنني رقم، وأنني أسمع صرخات أرقام أخريات، وبأننا نودع الحياة من بقعة الرذائل، يقاطع من جديد صوت خشن يشبه اهتزاز الدرج الخشبي في بيتي، كلمات حفرت مكانها في سجل ذاكرتي… “صحة معليـــم” ضحكات تطغوا على أنين الموتى..”اليوم عنا شغل راح نكيف، كلن بنات عنا”.

أصابني انهيار على انهيار، ألم ورعب وموت بطيئ، بت أعي تماما أن هناك شيء ينتظرني أصعب من العذاب، وأثقل من ضرب “الكرباج”.

“فتح الباب الحديدي مرة تانية ودخل شبيح جديد، يضرب بقوة أعتى وأظلم، وبتنا على هذا الحال، يتناوب علينا أظلم من في الأرض وأحقر بني البشر”.

صوتها شق الظلام قتل الإحساس داخلي، تخدرت… سعاد تصرخ، ثم انقطع صوت سعاد، وبعدها ببرهة فتح باب المكتب الذي يقابل غرفة احتجازنا، واتجه أحدهم وأصوات الكفر ومن جديد “صحة معليـــم…. على قلبك يا غالي”، يتابع ذلك الصوت “يلا فوت ورجينا شطارتك، أنت والسبع لي معك”.

فتح بابنا الحديدي، بذات اللحظة التي سحلت فيها “سعاد” من غرفة إلى غرفة، كانت عارية، هامدة لا حراك فيها، ودمها يرسم خطوط العرض والشرف على أرض الممر.

هذه المرة كان دور الرقم “ياسمين” بدأت بالصراخ، تماما كذلك الصوت التي يدوي في أرجاء المكان في كل وقت وحين، ومع كل طريدة منا، شعرت بأن جروحها هي التي تصرخ، فأمسك “المعلم” رأسها ونظر إليها وهي تقول “لا تعمل فيني هيك مشان الله اقتلني بس لا تعمل فيني هيك انا يتيمة” تضرعت لله أن يأخذ روحي، بكيت بدموع حرقت وجهي، وصراخ ياسمين يغرز قلبي، واغتصبها بكل برودة ! واخدها العساكر للغرفة الثانية ليغتصبوها أيضا، ولازالت تقوى على الصراخ والعويل، ومن بين كل تلك الأصوات كنت أميز الشتائم والسباب والكفر”.

اكتفت مايا عند هذا الحد من الحديث والبكاء، وعادت لصمتها القاتل …

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

مايا ابنة الـ 21 ربيعا و "المعلم السجان"

هيومن فويس: تامر تركماني كانت الغرفة ضيقة جدا، وكنت الأقرب إلى الباب لسوء حظي، وكل ما دخل شبيح أو عنصر إلى الغرفة، كان لجسدي الهزيل الحصة الأكبر من الضرب المبرح من ذلك "الكرباج"، ومن شدة الضرب باتت ملابسي تعصر دماء، كلمات باحت بها الفتاة الدمشقية مايا ابنة الواحد والعشرين ربيعا، خلال حديثي معها بعيد خروجها من المعتقل. قالت مايا ابنة حي جوبر الدمشقي: "كنت أتمنى الموت من أي ضربة، أريد أن انتهي... ساد صمت رهيب، ثم سمعت صوت العناصر يقولون "أهلين معلم" تلالها بثوان فتح ذلك الباب الحديدي الموصد، ثوان ستجعل إحدانا تنتقل من قبر نعيش فيه كأرقام إلى قبر نتحول

Send this to a friend