هيومن فويس: القدس العربي

أرّخت الثورة السورية في سجلها الذي يناهز عمره قرابة السبع سنوات، آلاف القصص التي حفرت في قلوب أصحابها أخاديد من الأحزان، ودونت مآسي الفراق التي ربما ستدخلها يوماً ما ضمن قافلة أبرز القصص وثنائيات الحب في التراث العربي، فقصة عنترة وعبلة ومجنون ليلى لا تقل بين السوريين أهمية عن قصة ملك ومحمد.

ملك التي احتفلت في عيد زواجها الثالث بكلمات لم تملك غيرها كهدية لحبيبها فقالت «لأن دربَ الحياةِ طويلٌ غامضٌ أمامنا… ولأنّ الأفراحَ فيه لا تنتظرُ الكسالى.. ولأن الأحزانَ فيها لا تستحقّ أن نتعثّرَ وقتاً أطول.. ولأن السخرية من البؤس هي أقصى درجات النضج ..فتعال… تعال نذهبُ إلى مكانٍ بعيد نسخرُ من ظلالنا الطويلة….ونضحكُ على جدّيّةِ العالم».

كلمات دونتها «ملك» لم تدر حينها حجم الأثر الذي ستتركه في نفوس آلاف السوريين ممن تأثروا وتناقلوا قصتها حيث كتبت «لأنني حين قررتُ أن أنزل السوق لأبتاع لك هديّة.. بدأت الطائرة بالقصف وأغلقت الأسواق، ولأن قلمي هو سلاحي وحياتي وموتي وأنني مع كلّ شيءٍ أكتبه يخرج جزءٌ من روحي، ولأن للكلمة وقعاً خاصاً عندي يفوق أكبر هدية، قررت في عيدنا الثالث أن أكتب، فبدأت جرمي الأدبي. .والمجرمُ من فوقي يحلّق».

بالرغم من إصابته التي تعيق أي تواصل، روى «محمد أبو صالح» لـ»القدس العربي» قصته مع زوجته المهندسة ملك قباني، مختصراً حلوها ومرها ببعض العبارات فقال «عاشت معي سنوات الحصار واكلنا معا خبز الشعير وأوراق النباتات، ثم رحلت»، وأضاف: قصتنا انا وزوجتي طويلة، كانت قصة كفاح، لكن المشهد الأخير هو ما لخص حياتي مع ريحانة قلبي وحبيبتي ملك، مساء الثلاثاء حين دقت الساعة مقتربة من لحظات الفراق، عدت إلى البيت، فتحت الباب ومشيت إلى الداخل لم تنتبه ملك إلي فصوت الغسالة كان اعلى، وضعت الأغراض على المجلى فانتبهت لي، واتت بابتسامتها الجميلة..

اتيت؟ لماذا تأخرت .. سؤال بعتب
– «هلأ خلصت شغل»
– «الله يعطيك العافية»
– «عم تغسلي؟»
وتبادلنا الكلام الذي حينما يبدأ لا ينتهي، ليقاطعنا صوت غارة قريبة، قريبة جدًا.

ذهبت لأعرف اين الضربة والتهت هي بغسيلها، وإذ بالطائرة تعود مرة ثانية، كانت ملك خائفة، اتت مسرعة وامسكت بيدي لتدخلني إلى الغرفة الداخلية، بينما كنت أنا أرد على رسالة زوجة عمي (أمها) حيث كانت تطلب منا ان نذهب إلى مدينة دوما حالاً، وان لا ننتظر حتى الصباح، قلت لها لا مشكلة سوف نأتي غداً صباحاً. 

وتابع «صالح» حديثه: كانت خائفة على غير عادتها، كانت كلما غارت الطائرة تهرع إلى الشرفة لتسجل صوت حمم الطائرة، سجلت حينها صوت ثلاث غارات، ومن يسمع صوت المقاطع سيتعجب من ثباتها وهي تسجل وعدم خوفها وهروبها للداخل، ثم سألتها «شبكي ليش خايفة القصف مو علينا» فسحبتني غير آبهة لكلامي ودخلنا إلى الغرفة الداخلية، اشتد صوت الطائرة، كنت خائفاً عليها، ومستغرباً من خوفها…

لحظات كانت الحاسمة في حياتهما، «اشتد صوت لأشعر حينها بضوء أحمر اضاء الغرفة كلها مع انفجار واستشعرت بشيء قد نحرني ثم رأيت الدم ينفر من رقبتي».

وأضاف: كنت أظن أن «ملاكي» بخير وأني تلقيت كل الضربة، بهدوء اجلستها على الأرض ووضعت يدي على رقبتي والردم بدأ يتساقط علينا والغبار ملأ الجو، هرعت متثاقلاً إلى الخارج لأنادي على الجيران ليساعدونا. صرخت وأحسست أني لا أستطيع الصراخ، عدت إلى حبيبتي كانت تسمع صراخي، وكانت تأن بصوت مخنوق يملأه الوجع .. شعرت بان إصابتها قد تكون كبيرة، ناديت عليها .. لم تجب ولم استطع تحريكها، هرعت مجددا إلى الخارج لأرى رجال الدفاع المدني، أصحاب الخوذ البيضاء، قد وصلوا».

صرخت بصوت عالٍ «مرتي جوا مشان الله» كان جسمي قد تغسل بدمي وبدأت اشعر بتعب كامل ودوخة، جاء اثنان، كنت خائفاً الا يجدا ملك من كثرة الغبرة وهي بالغرفة الداخلية، اسعفوني إلى السيارة ولما استلقيت فيها بدأت اشعر بحاجتي إلى النوم، لحظات واحضروا فتاة إلى جانبي وسأل أحدهم «هي مرتك؟؟ نظرت اليها واصابني الرعب وأجبت مسرعا «هي مو مرتي» احسست انهم لم يجدوها، صرت اصرخ «مرتي موهي مرتي جوا مشان الله».

صار المسعفون يلوحون للسائق إشعاراً منهم بضرورة مسير سيارة الإسعاف، وقال أحدهم ان سيارة أخرى سوف تأتي لتسعف ملك، صرت اشعر بنفسي وأنا اتقلب بين الأيادي من سرير إلى نقالة إلى سرير آخر، وكلما رأيت احداً اسأل عن ملك اين هي، والكل كان يجيبني ..انها بخير عليك بنفسك.

شعرت بفرح وقوة، اطمأننت عليها، لكن بدأ قلبي يختنق، أخاف ان يكذبوا، أريد ان أراها، بت أناديهم «بس لحظة خلوني شوفها.. بس لاطمن» لا مجيب لندائي كان الجميع يردد الكلمة ذاتها «هي بخير».

شعرت بشيء تحشرج في صدري، ثم رأيت صديقاً اعلم انه يسعف النساء أيضاً فقلت له، «انت بتعرف زوجتي اذهب واهمس لها أني راضٍ عنها ثم صرخت بصوت عالٍ .. الله يرضى عليكي يا ملك، الله يرضى عليكي ياحبيبتي .. الله يرضى عليكي ياملاكي».
لا اعلم السبب لكن أحسست أني في حاجة لأجدد الرضا عنها، مر اليوم ودخلت إلى غرفة العمليات وكلما سألت عنها قالوا لي انها بخير ولا تشغل نفسك واهتم بنفسك، استيقظت صباحا وكلي قوة .. اريد ان أراها.

اضطر الأصدقاء ان يقولوا للزوج ان ملك قد تم نقلها إلى مدينة دوما، بحجة ان والدها اخذها، ثم برر احدهم بأن ملك تحتاج إلى عناية مركزة، ووعدوه بالاتصال بمشفى دوما والتحري عن حالتها.

وتابع محمد: مضت ساعتان ولم يعد يحملني جسمي، أريد الذهاب إلى دوما لو لم يأخذوني بالسيارة سأذهب مشياً على الأقدام، كنت اشعر بالقوة، واثناء الجدل جاء احد الجيران وسلم علي وقال لي «العمر لك» لم افهم .. عمر من لي؟؟ فقال زوجتك .. نظرت إلى اصدقائي فنظروا إلى الأرض، وسألتهم:

– بدوما استشهدت ؟؟ لا مبارح بعد ساعة من الاصابة
– عندما ناشدتكم لتسعفوها؟؟
– نعم وقتها، ذهبنا وكانت لتوها قد فارقت الحياة
وتابع: أصاب ملك مثلما اصابني تقريباً لكني أصبت في جنبي اليمين بينما هي بجنبها الأيسر، شظايا البلور مزقت جسدي وجسدها، كنت اظن نفسي أحميها من شظايا قد تدخل من الخارج، لكنها حمتني هي من بلور الغرفة، هذا البلور الوحيد المتبقي بالمنزل، لم نفكر بكسره، فهو الفاصل بيننا وبين جارنا بالشقة الثانية.

صمد هذا البلور كل السنوات الماضية وقاوم كل الضربات التي استهدفت الحي، كان آخرها قبل أشهر حينما اصابت قذيفة هاون سطح المنزل المجاور لبيت «محمد وملك» وفتحت حينها السقف، ولم تدع ونافذة في البيت إلا كسرته
إلا هذا .. بقي صامداً ليتشظى بأجسادنا وينهشها.

وصف الطبيب المشرف على «ملك ومحمد» جسديهما بثمار «الصبار» حيث قال: كيفما وضعنا أيدينا على جسديهما كانت توخز بزجاجة ما، وعلق محمد على كلام الطبيب «يدي على رقبتها حمت رقبتها وكانت اصابتي في رقبتي اكبر، لكن يدها على خصري حمت خصري، وفي مكان يدها لم أصب بشيء تمزقت يدها دفاعا عني، لكن نحرها تلقى أقوى الضربات، وكانت الاصابة القاتلة في خصرها وجزعها، فنزفت الكثير وتهتك جسمها، بينما نجوت أنا كما أخبرني المسعف بمعجزة». وكانت تقول ملك انها اضعف من ان تخسر أحداً من أهلها بسبب الحرب، وترجو ربها ان تكون أول من ترحل من العائلة.

 

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

ملك الدمشقية ماتت دون حبيبها وكتبت في عيد زواجهما عن قاتلها

هيومن فويس: القدس العربي أرّخت الثورة السورية في سجلها الذي يناهز عمره قرابة السبع سنوات، آلاف القصص التي حفرت في قلوب أصحابها أخاديد من الأحزان، ودونت مآسي الفراق التي ربما ستدخلها يوماً ما ضمن قافلة أبرز القصص وثنائيات الحب في التراث العربي، فقصة عنترة وعبلة ومجنون ليلى لا تقل بين السوريين أهمية عن قصة ملك ومحمد. ملك التي احتفلت في عيد زواجها الثالث بكلمات لم تملك غيرها كهدية لحبيبها فقالت «لأن دربَ الحياةِ طويلٌ غامضٌ أمامنا… ولأنّ الأفراحَ فيه لا تنتظرُ الكسالى.. ولأن الأحزانَ فيها لا تستحقّ أن نتعثّرَ وقتاً أطول.. ولأن السخرية من البؤس هي أقصى درجات النضج ..فتعال…

Send this to a friend