هيومن فويس: الجزيرة

تنشغل غالية ابنة الـ 11 ربيعا في ترتيب فراشها المؤلف من قطع كرتونية وغطاء قماشي متسخ، وذلك في واحدة من الحدائق الواقعة وسط العاصمة السورية دمشق.

ومع حلول ساعات المساء الأولى، تستلقي الطفلة على ذلك الفراش المرتجل، وحولها بضعة حقائب هي كل ما تبقى للأسرة النازحة من مدينة دير الزور شرقي البلاد منذ ما يقارب ثلاثة أعوام.

وقرب غالية، تجلس والدتها على العشب، وتشعل موقدا صغيرا لتعد إبريقا من الشاي، وهو واحد من المتاع القليل الذي لا تزال العائلة قادرة على الحصول عليه منذ أن اتخذت هذه الحديقة مسكنا في مارس/آذار الماضي.

يقول أبو محمد -وهو اسم مستعار لرب الأسرة- إن هذه الحديقة شكّلت ملاذا لعائلته الهاربة من احتدام المعارك في مدينتهم، ومن غلاء الأسعار في دمشق التي نزحوا إليها آملين أن يجدوا فيها الاستقرار بعد أشهر من النزوح المتكرر في مدن وبلدات عدة “لكن هذه المدينة لم تعد أم الفقير”.

مأوى جماعي

ولدى وصول عائلة أبو محمد لدمشق، توجهت لأحد مراكز الإيواء والإقامة الجماعية والمجهزة لاستقبال العائلات النازحة من مختلف أنحاء البلاد، إلا أن الاكتظاظ واستحالة العثور على غرفة تتسع لعائلته المكونة من سبعة أفراد دفعه للبحث عن منزل للإيجار، وهو ما عثر عليه بالفعل في بلدة جرمانا بريف دمشق.

ويقول إنهم استقروا في منزل بلا أبواب ولا نوافذ، ولا تمديدات كهربائية أو صحية، ومع انعدام الخيارات الأخرى عاشوا فيه قرابة عامين مقابل 15 ألف ليرة سورية (ثلاثين دولارا) شهريا، وكان رب الأسرة يعمل في ورشات البناء لتغطية تكاليف المعيشة وتجهيز المنزل ببعض الأساسيات.

غير أن بداية هذا العام لم تحمل للأسرة أنباء سارة، فطلب صاحب المنزل مضاعفة الأجرة ودفع ستة شهور مقدما متحججا بغلاء الأسعار وانخفاض قيمة الليرة. ومع عجز الأسرة عن الدفع، قرر أبو محمد حمل ما يملكونه من أمتعة والسكن في إحدى الحدائق.

ويقول الرجل الخمسيني بكل أسى “الحدائق تحوّلت لمنزل كبير لعشرات الأسر التي لم يتبق لها خيار سوى افتراش هذه الأرض المجانية والتي لم يطلب أحد بعد أجرة لها. نطبخ ونستحم هنا إن استطعنا، ويجمعنا إحساسنا بالغربة داخل وطننا، واقتسامنا لما نملكه من الطعام والشراب”.

يأس من المستقبل

وتتشابه حكاية أم سالم مع معظم من يقطنون حدائق دمشق، حيث دفعها عجزها عن تأمين مسكن أسرتها إلى اختيار إحدى الحدائق لتكون بمثابة منزل لها ولأطفالها الثلاثة.

وتقول “بعد وفاة زوجي وانتقالنا من ريف حمص إلى دمشق منذ عام لم أكن أملك من النقود سوى ما يكفي قوت يومنا. رأيت الكثير من العائلات التي تفترش الحدائق، فانضممنا لهم ليجمعنا مصير واحد ومستقبل مجهول” مضيفة أنهم يخشون من الأسوأ الذي يمكن أن يأتي.

ورغم حصولها على بعض المساعدات الغذائية من حين لآخر، فإن أم سالم ترى أن الجمعيات الإنسانية العاملة في دمشق تتحمل جزءا كبيرا من معاناتها، مضيفة “حريٌّ بهم أن يوفروا لنا مساكن تغنينا عن هذه المعيشة المذلة، وأن يضغطوا على أصحاب المنازل لمنعهم من استغلالنا”.

ولعلّ أكثر ما يشغل بال السيدة الأربعينية هو مستقبل أطفالها وقدرتها على توفير التعليم الملائم لهم، فمع أنهم يرتادون مدارس حكومية قريبة لكنهم يجدون صعوبة في الدراسة بالحديقة، وتقول “نحن بحاجة لحل دائم ينتشلنا من هذه المعاناة”.

من الجدير بالذكر أن الأمم المتحدة قدّرت في أحدث تقاريرها أعداد النازحين داخل سوريا بأكثر من ستة ملايين شخص، مع معدل نزوح يومي يفوق ستة آلاف شخص، وهو يستمر بالارتفاع يوما بعد آخر.

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

حدائق دمشق..منازل للنازحيين

هيومن فويس: الجزيرة تنشغل غالية ابنة الـ 11 ربيعا في ترتيب فراشها المؤلف من قطع كرتونية وغطاء قماشي متسخ، وذلك في واحدة من الحدائق الواقعة وسط العاصمة السورية دمشق. ومع حلول ساعات المساء الأولى، تستلقي الطفلة على ذلك الفراش المرتجل، وحولها بضعة حقائب هي كل ما تبقى للأسرة النازحة من مدينة دير الزور شرقي البلاد منذ ما يقارب ثلاثة أعوام. وقرب غالية، تجلس والدتها على العشب، وتشعل موقدا صغيرا لتعد إبريقا من الشاي، وهو واحد من المتاع القليل الذي لا تزال العائلة قادرة على الحصول عليه منذ أن اتخذت هذه الحديقة مسكنا في مارس/آذار الماضي. يقول أبو محمد -وهو اسم مستعار لرب الأسرة-

Send this to a friend