هيومن فويس: الروابي

في إحدى الحدائق وسط مدينة “أنطاكية” التركية أنتهى المطاف بأم “عبد الله” وأولادها الصغار ورفاق رحلتها من نساء وأطفال آخرين جمعهم الشقاء، وفرقتهم الطائرات والبراميل المتفجرة والموت الذي يترصد السوريين في كل الدروب، كان التعب والإرهاق قد أخذ منهم كل مأخذ، كانت ثيابهم المتسخة تنبؤ الناظر إليهم إلى صعوبة الرحلة التي أجبروا عليها.

لم تكن تتوقع أم “عبد الله” التي تحملت كل الظروف العصيبة التي مرت بها من انقطاع الكهرباء وانعدام الخدمات الإنسانية كافة والقذائف والغارات الجوية التي لا تتوقف أنها تضطر يوماً وتترك منزلها وقريتها وتصبح في عداد النازحين الذين لا يعرفون أي الدروب يسلكون، ولا في أي الأماكن يكون مستقرهم، لكنها وجدت نفسها اليوم حائرة في أمرها في بلد غريب لا تعرف أحد فيه، ولا تعرف أين تذهب، وأولادها الصغار الذين لا يكفون عن أسألتهم المتواصلة والتي تقف عاجزة أمام الإجابة عن أي منها، ثم تحبس دمعات في عيونها تخفيها عن أبنائها لتقول لهم أحمدوا الله واصبروا فإن الفرج قريب.

ولم يكن النزوح قدر أم “عبد الله” وحسب بل إنها لا تعرف شيء عن زوجها فبعد الهجمة الشرسة التي تعرضت القرية التي كانت تقطنها من قبل القوات الحكومية واستطاعوا السيطرة عليها كان مصير أم “عبد الله” وعشرات العوائل الأخرى أن يفروا إلى الأراضي والجبال القريبة على الحدود التركية هرباً من الموت ثم ينتهي بهم الأمر في مخيم ظنت أم “عبد الله” أنه محطتها الأخيرة، لكن ما لبثت أن حصلت على خيمة واستقرت فيها حتى عادت الطائرات الحربية لتستهدف المخيم من جديد، ولتبدأ مأساة أم “عبد الله” وأبنائها وعشرات العوائل فصول جديدة من المأساة المستمرة.

كان على أم “عبد الله” وعشرات العوائل أن يتجهوا إلى “تركيا” بعد أن تم استهداف مخيمهم على الحدود التركية، ثم في رحلة شاقة وطويلة أمضت فيها وأبنائها خمسة أيام بلياليها يفترشون الصخور والجبال ويلتحفون السماء ويتعرضون لعوامل الطبيعة، ولا يأكلون إلا ما يسد رمقهم، تمكنت وأولادها من الدخول عبر الشريط الحدودي إلى “تركيا” في حالة يرثى لها، ثم قامت سيارة كبيرة بنقلهم إلى مدينة “أنطاكية” وتركتهم هناك.

كل ما تملكه أم “عبد الله” كان رقم هاتف لأحد أقارب زوجها المقيمين في “تركيا” منذ فترة سابقة وبعد أن استطاعت الاتصال به كان عليها أن تنتظر ثلاثة ساعات متواصلة حتى يتمكن  من الوصول إليها وأبنائها لينهي شيء من مأساتهم وتشردهم، ويبقى على أم “عبد الله” أن ترقب خبراً عن زوجها وأخويها الذين فقدت التواصل معهم منذ أن قصف المخيم الذي كانت تقيم فيه.

لم تكن أم “عبد الله” الحالة الوحيدة ولن تكون الأخيرة، فقد خلفت ورائها عشرات العوائل والنساء اللواتي تعاني كل منهن مأساة ما أن تتذكرها أم “عبد الله” حتى تنسى ما بها، فلا تزال مئات العوائل عالقة على الحدود السورية التركية لا يجدون مكان يؤويهم ولا طعام يشبع بطونهم الجائعة، ولكل منهم حكاية ملؤها الألم والشقاء إن علموا لها أولا فلا يعلم نهايتها إلا الله.

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

أم عبد الله صورة من مأساة السوريين

هيومن فويس: الروابي في إحدى الحدائق وسط مدينة “أنطاكية” التركية أنتهى المطاف بأم “عبد الله” وأولادها الصغار ورفاق رحلتها من نساء وأطفال آخرين جمعهم الشقاء، وفرقتهم الطائرات والبراميل المتفجرة والموت الذي يترصد السوريين في كل الدروب، كان التعب والإرهاق قد أخذ منهم كل مأخذ، كانت ثيابهم المتسخة تنبؤ الناظر إليهم إلى صعوبة الرحلة التي أجبروا عليها. لم تكن تتوقع أم “عبد الله” التي تحملت كل الظروف العصيبة التي مرت بها من انقطاع الكهرباء وانعدام الخدمات الإنسانية كافة والقذائف والغارات الجوية التي لا تتوقف أنها تضطر يوماً وتترك منزلها وقريتها وتصبح في عداد النازحين الذين لا يعرفون أي الدروب يسلكون، ولا

Send this to a friend