هيومن فويس

عاد ملف إعادة إعمار سورية  إلى السطح مرة أخرى وسط هدوء المعارك المسلحة في معظم المناطق بالبلاد واستمرار المفاوضات والتسويات بين المتصارعين، إذ تسعى الأطراف المتنازعة إلى اللعب بورقة الإعمار  من أجل تحقيق أكبر مكاسب ممكنة.

وخلال الفترة الأخيرة، جدّد حدثان تحريك المياه الراكدة في هذا الملف منذ وضع المجتمع الدولي شرط تحقيق الحل السياسي كأولوية قبل التمويل  والبدء بفك الحصار وإلغاء العقوبات، إيذاناً بإعادة الإعمار.

الأول أن حكومة بشار الأسد خصصت ضمن موازنة 2019 التي أقرتها أخيراً، 50 مليار ليرة سورية (نحو 100 مليون دولار) للبدء بعملية إعادة الإعمار، وهو ما رآه مراقبون أنه خطوة في طريق تقسيم كعكة الإعمار بدءاً من العام المقبل، على حلفاء  بشار الأسد وبعض الدول العربية التي استعادت ولو جزئيا علاقتها مع النظام السوري.

أما الحدث الثاني، فهو إعلان سفير النظام السوري بطهران، عدنان محمود، أن “دمشق تمنح الأولوية في إعادة إعمار سورية إلى الحلفاء وخاصة إيران”، مشيراً خلال كلمته في ملتقى تنمية التعاون التجاري بين طهران وسورية والذي استضافته غرفة تجارة طهران أخيراً، إلى أن “الذين قدموا الدعم للإرهاب في سورية ودمروا اقتصاد هذا البلد، لن يكون لهم أي موطئ قدم في سورية في هذه المرحلة”.

وهو ما رآه رئيس هيئة التفاوض المعارضة، نصر الحريري، كلاماً للاستهلاك الإعلامي ليس إلا، لأن “الموقف الدولي يرى أنه لا يمكن البدء بإعادة الإعمار إلا بعد تطبيق حل سياسي بسورية”.

ويقول الحريري في تصريحات لـ”العربي الجديد”، إن نظام بشار الأسد هو الذي دمر البنى التحتية في سورية “مدارس، مشاف، جامعات ومنازل ومصانع ومزارع”، وبشكل ممنهج ضمن سياسة عقاب جماعي للمناطق التي ثارت ضده وطالبت بحريتها، في حين أن المناطق الخاضعة لسيطرته يكاد يكون التهديم فيها معدوماً.

وحسب الحريري، يحاول النظام عبر روسيا إقناع العديد من الدول الأوروبية والعربية بإعادة الإعمار وعودة اللاجئين، وأحياناً يستخدمون هذا الملف (اللاجئين)، كصنارة لجذب الأموال، مشيراً إلى أن الروس مسؤولون عن مناطق النفوذ التي يسيطرون عليها، وبالتالي أصبحوا تحت عبء اقتصادي وخدمي كبير، لذا يحاولون البدء بالإعمار في هذه المناطق.

مكافأة الأسد؟

وعن الرأي الدولي كما يستشفه رئيس لجنة التفاوض، يضيف الحريري أن السائد عالمياً

والمنطقي أيضاً ينصب حول كيف يمكن لتلك الدول إعطاء أموال إعادة الإعمار لمن دمر المؤسسات والبيوت وممتلكات السوريين؟ لأنه إن منحت الدول الغنية الأسد الأموال فستكون تلك العملية بمثابة مكافأة لشخص وصفته اللجان الدولية بمجرم حرب.

ويشير رئيس هيئة التفاوض إلى أن أموال إعادة الإعمار إذا ما تسلمها النظام، فسيتم استخدامها سياسياً تجاه جميع من يسكن بالمناطق الخاضعة لسيطرته، وبالتالي سيحقق النظام مكاسب تساعد على استمراره بالسلطة وربما إبعاده عن المساءلة والتحقيق بجرائم القتل والتهديم التي جرت منذ عام 2011.

وأكد أنه لا يمكن البدء بجهود إعادة الإعمار إلا بتحقيق الحل السياسي الحقيقي في سورية وتطبيق بيان جنيف والقرار 2254، وأي مناورة بهذا الموضوع ستكون إطالة لعمر النظام المجرم واستمرارا للعنف.

محاولات روسية وإيرانية للاستحواذ

ولا يتوقف حلفاء النظام السوري، ولا سيما روسيا وإيران، عن التحرك من أجل الاستحواذ على ملف إعادة الإعمار، بل والتعامل على أساس أنهم هم الذين يديرونه وليس سورية.

ودعا مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، غينادي غاتيلوف، بداية الأسبوع الجاري، المجتمع الدولي لمساعدة سورية في عملية إعادة الإعمار، مشددا على الدور الذي تلعبه روسيا في هذا الإطار.

وقال غاتيلوف: “نحن نعتبر أنه لا بد من تنشيط الجهود لمساعدة سورية في دخول مرحلة إعادة الإعمار ما بعد الأزمة، ونحاول إقناع جميع شركائنا بذلك، وخاصة الغربيين”.

ولا تتوقف دمشق عن محاولات التسويق لجهوزية البلاد لإعادة الإعمار، إذ استضافت أخيرا، الدورة الرابعة لـ”معرض إعادة إعمار سورية”، بحضور 270 شركة من 29 دولة، مقارنةً مع 164 شركة من 23 دولة في الدورة السابقة للمعرض.

وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي السوري علي الشامي، لـ”العربي الجديد”، إن “التوجه العام في سورية يؤكد على ضرورة الإقلاع بإعادة الإعمار، ولو على مستويات محددة وبتمويل سوري أو مشترك مع إيران وروسيا، إن اصطدمت العملية بإحجام دولي”.

ويكشف الخبير الاقتصادي من دمشق، أن لجنة إعادة الإعمار الحكومية وافقت أخيراً، على تخصيص ورفد محافظات حلب والرقة ودرعا والحسكة بمبلغ 2 مليار و655 مليون ليرة سورية (الدولار = 438 ليرة)، من أجل أعمال إعادة التأهيل والترحيل وشراء الآليات والمواد اللازمة لإعادة الإعمار.

كما أن لجنة إعادة الإعمار، بحسب الشامي، خصصت لمحافظة حلب مبلغ مليار ليرة من أجل تنفيذ عدد من المشاريع الاستثمارية وإعادة التأهيل، كما أن محافظة درعا التي لحقها تدمير شديد قبل أن يسيطر عليها نظام الأسد والروس إثر تسويات، يقول الاقتصادي السوري إنه تمت الموافقة على تخصيص مبلغ مليار و175 مليون ليرة لها من أجل إعادة تأهيل البنى التحتية المتضررة في المحافظة، متضمنة أعمال صيانة الطرق وأعمال صرف صحي، وغيرها.

رسائل للشركات

واعتبر الشامي أن تلك الأعمال بمثابة “منح ثقة” لمن يريد الاستثمار بسورية، ومحاولات من

نظام الأسد لإرسال رسائل للشركات والدول أن الوضع بات آمناً وبدأت بعض الشركات بإعادة الإعمار… “فتعالوا لنتفق”.

ويرى مراقبون أن روسيا وإيران على الأقل ستبدآن باقتسام المشروعات ذات الأرباح الكبيرة مع دعوة الدول الغنية، ومنها الخليجية، للمساهمة في التمويل.

ويقول مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس، سلام كواكبي: إن الجهود الروسية تكثّف، أخيراً، السعي إلى زجّ الدول الغنية، من الأطلسي للخليج، إضافة إلى المنظمات والحكومات الأوروبية، في مسار ما يسمى عملية “إعادة إعمار سورية”.

ويضيف الكواكبي لـ”العربي الجديد”، أن الترويج في الدول الأوروبية لهذا الملف سيتم على عدة مراحل.

وتختلف التقديرات حول كلفة إعادة الإعمار للمناطق التي دمرت منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011. وسابقاً حدد البنك الدولي خسائر الحرب في سورية بنحو 226 مليار دولار، في حين أصدر اتحاد العمال بسورية (جهة حكومية) أرقاماً تشير إلى نحو 275 مليار دولار، وقالت منظمات دولية إن حجم الخسائر يصل إلى نحو 300 مليار دولار.

ويشكك الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، عابد فضلية، بالأرقام التي صدرت حول كلفة إعادة الإعمار، متسائلاً: هل نحسب كلفة ما تم تدميره وكلفة إعادة تشييده كما كان؟ أم نحسب التعمير برؤية جديدة؟ وطالب فضيلة بتشكيل لجنة لها رؤية متكاملة وشاملة، لاحتساب الكلفة بأرقام تقديرية دقيقة.

وحول ما تخصصه الجهات الحكومية من مبالغ، يضيف الأستاذ بجامعة دمشق في تصريحات صحافية، أن تلك حالة إسعافيه اضطرارية، ومن زاوية أخرى، لا يمكن أن يخصص المبلغ الكامل لإعادة الإعمار، فالعملية تحتاج إلى بضع سنوات.

وأضاف: لا أتفق مع أي جهة كصندوق النقد الدولي في تقدير كلفة إعادة الإعمار، وأعتقد أن الجهات السورية تستطيع أن تقدر بشكل أفضل، لأن الأقمار الصناعية لا يمكنها تقدير الكلفة.العربي الجديد

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

كعكة إعمار سورية..هذه خريطة توزيع المكاسب

هيومن فويس عاد ملف إعادة إعمار سورية  إلى السطح مرة أخرى وسط هدوء المعارك المسلحة في معظم المناطق بالبلاد واستمرار المفاوضات والتسويات بين المتصارعين، إذ تسعى الأطراف المتنازعة إلى اللعب بورقة الإعمار  من أجل تحقيق أكبر مكاسب ممكنة. وخلال الفترة الأخيرة، جدّد حدثان تحريك المياه الراكدة في هذا الملف منذ وضع المجتمع الدولي شرط تحقيق الحل السياسي كأولوية قبل التمويل  والبدء بفك الحصار وإلغاء العقوبات، إيذاناً بإعادة الإعمار. الأول أن حكومة بشار الأسد خصصت ضمن موازنة 2019 التي أقرتها أخيراً، 50 مليار ليرة سورية (نحو 100 مليون دولار) للبدء بعملية إعادة الإعمار، وهو ما رآه مراقبون أنه خطوة في طريق تقسيم كعكة الإعمار بدءاً من العام

Send this to a friend