هيومن فويس: وكالات

ترأس الرئيس سعد الحريري بعد ظهر اليوم في بيت الوسط اجتماعا للمكتب السياسي لتيار المستقبل. وتمحور النقاش خلاله حول مجمل الاوضاع السياسية العامة ولاسيما منها بالظروف المتعلقة بعملية تشكيل الحكومة الجديدة.

وبحسب المعلومات، قال الحريري أمام المكتب السياسي للمستقبل “ليذهبوا إلى الاستشارات النيابية الملزمة، وما زلت ملتزما بتشكيل حكومة اختصاصيين.”

وتكشف مصادر متابعة، إلى أن الحريري يعتبر أن أساس المشكل هو الوزير جبران باسيل الذي لا يريد الخروج من الحكومة لأنه سيتضرر سياسياً، ولديه العديد من الحسابات التي تدفعه إلى الحفاظ على موقعه الحكومي.

ولفت الحريري أمام أعضاء المكتب السياسي إلى أن الإنهيار الإقتصادي قد وقع في لبنان، وأي حكومة ستأتي يجب أن تتولى إدارة هذه الأزمة، لأنه حالياً لا يمكن الحديث عن حلّ هذه الأزمة جذرياً والخروج منها، إنما تخفيف حدّتها والحد منها.

لا تختلف انتفاضة الشعب اللبناني عن الانتفاضات العربية، من وجهة نظر القوى السياسية التقليدية والأنظمة الحاكمة والمواقف الدولية.

حسابات الساسة والدول تختلف عن حسابات الناس، وعن مشاعرهم وأحلامهم وطموحاتهم. المشهد المبهر على امتداد الجغرافيا اللبنانية لا تراه الأحزاب ولا السلطة ولا الدول. وبمجرّد تحرّك الأمواج البشرية تبدأ القوى المهيمنة بحماية مصالحها، وتدخل في الخداع والمناورات للوصول إلى تسويات موائمة لها. وما يتعرّض له اللبنانيون في انتفاضتهم هو نفسه ما تعرضت له الشعوب العربية، وإن بغياب العنف.

يتم الانتفاضة

بعيداً عن آمال الناس، تتسارع حسابات السياسة الخبيثة إلى توظيف في كل ما يجري لصالحها. فيتم العمل على الفرز السريع بين وطنيين وعملاء للسفارات، بين أناس عاديين، وآخرين تابعين لأحزاب وقوى مناوئة. هكذا، حذّر حزب الله سريعاً المتظاهرين من استخدامهم من قبل السفارات، وفق المنطق التقليدي الذي يحتمي به، ووّجه السهام إلى قوى سياسية متضررة من التسوية، سعت إلى إثارة الناس في الشوارع. إنها اللعبة السياسية ذاتها التي تعمل على توفير مقومات الصمود لشركاء السلطة، الذين يجدون أنفسهم مضطرين للتكافل فيما بينهم على الوضع القائم.

لم يكن لدى اللبنانيين المنتفضين أي دعم حقيقي. وبالواقعية السياسية، لا يمكن لأي حركة شعبية أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تحظَ بدعم دولي. هذه المرّة، الموقف الدولي سعى إلى إجهاض الانتفاضة اللبنانية، من موقف وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، إلى حسابات دول أخرى، ربطاً بمواقف أوروبية أرادت الحفاظ على الاستقرار والتركيبة المستحكمة، من دون أي تغيير إنما فقط في سبيل تحسين الأداء.

إشهار الموقف الأميركي كان استهدافاً للانتفاضة اللبنانية. استهداف عرف حزب الله كيف يتلقفه ليقلب الموازين لصالحه. وبعد أسبوع من الارتباك داخل بيئته، استعاد عضده وشد عصب جمهوره. الأمر الذي فعله أيضاً رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الجمهورية مع وزير الخارجية. وحاول أن يفعله أيضاً رئيس الحكومة سعد الحريري، بعد تقديمه لاستقالته واستثماره بالشارع، لتحسين شروطه وتوفير ظروف أفضل لعودته إلى الحكومة.

بناء على هذه الحسابات، دخلت الانتفاضة اللبنانية في منعطف آخر، يرتبط بالسياسات الإقليمية والدولية. لم يعبر عنها بومبيو وحده، بل كان قد سبقه إليها مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي، إذ اعتبر أن ما يجري في لبنان يستهدف حلفاء إيران. وهذا ما أكده بومبيو فيما بعد. فتم تدويل الأزمة، ليرتبط بحسابات “الأمم”، من أمن إسرائيل، إلى ترسيم الحدود والنفط، والبحث عن تسويات ضمن هذه المعادلة، التي لا تنفصل عن حسابات الاستقرار الواجب الحفاظ عليه في ظل وجود اللاجئين السوريين.

على طريقة رامي مخلوف

تحوِّل القوى السياسية اللبنانية والدولية أي مطلب شعبي إلى مادة للبازار السياسي. فلبنان لا يختلف عن سوريا أو اليمن أو العراق أو غيرها. لذلك كان الرهان منذ اليوم الأول على الوقت وملل الناس وإخراجها من الشوارع. وكل ما يجري من مناورات حكومية في الكواليس حول تشكيل حكومة جديدة تحاكي تطلعات اللبنانيين ليس إلا في سبيل كسب الوقت. كلام رئيس الجمهورية كان خير الدلائل على آلية تفكير السلطة. وليس صدفة دفاعه الشديد عن حزب الله وإعتباره أنه لم يطلق رصاصة على إسرائيل منذ العام 2006. وكأنه يقول إن حزب الله هو ضامن الأمن والاستقرار. وإذا تغيرت المعادلة فإن الجبهة الجنوبية ستكون مهددة بالاشتعال، هي نفسها معادلة رامي مخلوف بعيد اندلاع الثورة السورية: أمن إسرائيل من أمن سوريا.

وليس تفصيلاً أن يثير رئيس مجلس النواب نبيه بري ملف ترسيم الحدود والتنقيب عن النفط مع الموفد الفرنسي، في إشارة واضحة إلى أقلمة الأزمة وارتباطها بحسابات الدول، بينما حزب الله أعلن الخصومة مع الانتفاضة، لاعتباره أنها مؤامرة أميركية لا بد من مواجهتها والصمود بوجهها والانتصار عليها بإعادة إنتاج التركيبة ذاتها.

“الأمر لي”
وليد جنبلاط وسمير جعجع حاولا الاستفادة مما يجري لتحسين شروطهما.وعاد جنبلاط وقرأ ما يجري بهدوء. ففضل عدم الالتحاق بالحراك، لأن حساباته كان توحي له أن حزب الله لن يتنازل بالسلم عن ما رفض التنازل عنه بالحرب. وهو يعلم أن الأميركيين يتخلون عن حلفائهم أو أصدقائهم لحظة إبرام الاتفاق مع إيران أو مع حزب الله.

الرئيس سعد الحريري أيضاً حريص على التسوية والسلطة والتركيبة، لا يريد الخروج من رئاسة الحكومة. ولم يكن يريد الاستقالة إلا بعد تكثيف الضغوط. حاول حزب الله تأخيرها لعشرة أيام، وبعد استقالته عتب الحزب عليه وتمسك بعودته. وهو يعلم أن الحريري راغب بالعودة. بدأ البحث عن إجهاض التظاهرات الشعبية. وحاول الحريري تحسين موقعه باستخدام الشارع، إلا أن حزب الله أوصله إلى فقدان أي حيلة، ولم يعد لديه خيار إلا الرجوع عن كل شروطه مقابل العودة إلى رئاسة حكومة تم تشكيلها قبل تكليفه. وهذا يوضح مدى استضعافه.

لم يعرف الحريري كيف يربح، ولم يعرف كيف يخسر، أولا كيف يدبّر الخسارة. بقي أسير المركز وأسير التسوية، وليس لديه غير الاستثمار بضعفه فقط، أولاً لاستعطاف الشارع، وثانياً ترويج نظرية حماية البلد واستقراره واقتصاده. فلم يعد قادراً على العودة. ورحيله عن الحكومة يعتبره نكسة له.

انطلاقاً من الجدل الدائر منذ أيام، بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحرّ، حول من يتحمّل مسؤولية إحراق طبخة تسمية محمد الصفدي رئيساً للحكومة الجديدة، والذي حوّله الطرفان حقلاً للرماية المتبادلة، فإن الرئيس سعد الحريري وجمهوره يعتقدون أنه حقق إنجازاً كبيراً في إيقاع حزب الله بفخ الصفدي، وكانت مناورة ناجحة لإحراقه، ليبقى الحريري هو الخيار الأوحد والأقوى لرئاسة الحكومة. كما يظنون أن الحريري أثبت أن لا إمكانية لحزب الله وميشال عون اختيار أي سنّي غيره لرئاسة الحكومة. وهذه نقطة قوته التي يتمسك بها، على أساس أن حزب الله وحركة أمل ورئيس الجمهورية لا يريدون أحداً سواه.

ما بعد الصفدي

لنفترض أن هذا التقييم دقيق، وأثبت الحريري من خلاله براعة سياسية. لكنه من جهة ثانية أوقع نفسه في فخ آخر، نظراً للتعهدات التي قدّمها عند إعلانه قبوله ودعمه للصفدي بتشكيل الحكومة. فقد أعلن أنه سيسميه في الاستشارات، وسيمنح حكومته الثقة وسيجد طريقة ليتمثل بالحكومة. لكن حكومة الصفدي المفترضة كانت صفتها تكنوسياسية، وستتمثل فيها الأحزاب.

والتمس الحريري أيضاً أن باسيل مصرّ على البقاء في الحكومة لا الخروج منها. والحريري وافق حينها على ذلك. أما بعد سقوط الصفدي، والاتجاه إلى إعادة البحث في تكليف الحريري، فبالتأكيد سيرفض حزب الله وحركة أمل ورئيس الجمهورية شروطه، وسيعيدونه إلى حيث وصل معهم في تفاهمه على دعم الصفدي. إذ لماذا يرضى المشاركة بحكومة الصفدي التكنوسياسية، وعندما يأتي هو لتشكيل حكومته يصرّ على حكومة تكنوقراط بلا ممثلي أحزاب؟ هذه نقطة سيستخدمها حزب الله في مفاوضاته مع الحريري.

طبعاً، كل هذه الحسابات السياسية، بعيدة كل البعد عن مطالب أغلبية اللبنانيين. ويكفي مراقبة حرب البيانات بين الحريري وباسيل وتسريباتهما، لندرك في أي انفصال عن المواطنين يعيشون.

نقطة الصفر

حالياً، يحاول الحريري التمرد على واقع تكرس منذ ثلاث سنوات، يتحمّل هو بنفسه العبء الأكبر من المسؤولية عنه. ونزعة التمرد هذه دفعت بعض خصومه إلى وصفه أنه: “دخل إلى التسوية رهينة لمصالح، وتنازل عن كل شيء مقابلها. وحاول الخروج منها ولم يستطع لأنه سيبقى فيها رهينة لفضائحه”. هذا الكلام الاتهامي لشركاء الحريري في التسوية، يوحي بتهديد من قبلهم تجاهه. فإذا لم يرضخ لما يريدون، فسيضطرون إلى كشف ملفاته وصفقاته.

فيما عادت الأمور إلى نقطة الصفر، وستحتاج إلى وقت طويل للوصول إلى تفاهم، ستبرز شروط جديدة في المفاوضات وما يليها من اتفاقات. وحزب الله وحلفاؤه يتصرفون على أن الحريري يريد العودة إلى رئاسة الحكومة، تفادياً للأضرار الكثيرة التي ستصيبه. والحزب بدوره يتمسك بالحريري أيضاً لأسباب وعوامل متعددة. أولها، أن البلد دخل مرحلة الانهيار ولا بد للحريري أن يتحمل المسؤولية ويكون في الواجهة، لا أن يرمي الكرة في ملعبهم لتنفجر بهم وحدهم. وثانيها، الحاجة إلى الحريري نظراً لمشروعيته السنّية وعلاقاته الدولية، كي لا يقع البلد في عزلة تامة.

استعادة الملفات الأساسية

الجديد في ما جرى هو خروج الحريري عن صمته وتسمية الأمور بأسمائها. لكن العبرة تبقى في ثباته على هذا الموقف. فهو عملياً “بق بحصة” معاناته مع التيار الوطني الحرّ وممارساته وألاعيبه، أو “محاولاته الدائمة تسجيل النقاط” وفق ما وصفها بيان الحريري. وبمجرد الإعلان عن هذا الموقف يكون سياسياً ومنطقياً أنهى التسوية الرئاسية. أيضاً، العبرة تبقى بالممارسة، إذ ليست المرة الأولى التي يصل فيها الحريري إلى حدّ الاختناق والانفجار، ثم يعود أدراجه من حيث أتى تجديداً للتسوية.

بالنسبة إلى حزب الله، فإن المأزق أبعد بكثير من هذه التفاصيل التي يغرق فيها كل من باسيل والحريري. ويعتبر الحزب أن الحريري لا يهدف لاستعادة شعبيته فقط، يريد استعادة ملفات كثيرة، كانت مسحوبة من يده. يريد تشكيل حكومة قادرة على الانسجام معه، لا مع باسيل وثلثه المعطل، والحاكم بأمره فيها. حكومة تعمل على تطبيق مندرجات مؤتمر سيدر للحصول على المساعدات والقروض، بعيداً عن الحسابات السياسية ومحصورة بالاقتصاد، من دون أي عرقلة من الآخرين، أي باسيل تحديداً. والأهم، هو ما أعلنه الحريري خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية قبل فترة، عن استعداده للإمساك بملف ترسيم الحدود والتنقيب عن النفط، وجوبه حينها بالرفض المطلق من قبل الرئيس نبيه بري وحزب الله، اللذين أكدا أن هذا الملف من مسؤولية رئيس مجلس النواب، رغم أن رئيس الحكومة توافق مع الأميركيين على أن يدير هو هذه المفاوضات، للوصول إلى حلّ.

عض الأصابع

هذه الشروط يعتبرها الحريري ضرورية له للعودة. وحصوله عليها سيمثل الخطوة الإنقاذية الحقيقية للوضع المالي والاقتصادي الآخذ بالانهيار، باعتبار أن الوعود الدولية لتقديم المساعدات المالية للبنان وإنعاش اقتصاده وسوقه المالي يرتبط بتطبيق هذه الشروط.

طبعاً يراهن الحريري على الوقت وحجم الضغط الذي تعانيه كل القوى، ليتمكن من استعادة زمام المبادرة والحصول على تنازلات بما خص شروطه، إنما حزب الله في هكذا حالات، معروف عنه أنه لا يتراجع ويتشبث أكثر ولا يقدّم أي تنازل، فوفق ما قال نصر الله سابقاً إنه الأقوى والقادر على الصمود أكثر من الجميع، وينظر إلى ما يجري بوصفه مؤامرة أميركية تريد أخذ منه سلماً ما عجزت عنه حرباً. ومن الشروط التي يفرضها الحزب على الحريري، أن ليس بإمكانه تكرار تجربة إقالة حكومته في 2011 عندما غادر لبنان، بل عليه أن يتحمل كامل مسؤولياته في تصريف الأعمال.

بالمجمل، الحسابات السياسة عالقة في زواريبها وأهل السلطة يخوضون حروب عض الأصابع، فيما اللبنانيون في مكان آخر يزداد بعداً، والانهيار يزداد عمقاً.

المصدر: موقع المدن

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

حزب الله يبدأ حربه ضد "الحريري".. وباسيل "بشار لبنان".. فمن هو رامي مخلوفها؟

هيومن فويس: وكالات ترأس الرئيس سعد الحريري بعد ظهر اليوم في بيت الوسط اجتماعا للمكتب السياسي لتيار المستقبل. وتمحور النقاش خلاله حول مجمل الاوضاع السياسية العامة ولاسيما منها بالظروف المتعلقة بعملية تشكيل الحكومة الجديدة. وبحسب المعلومات، قال الحريري أمام المكتب السياسي للمستقبل "ليذهبوا إلى الاستشارات النيابية الملزمة، وما زلت ملتزما بتشكيل حكومة اختصاصيين." وتكشف مصادر متابعة، إلى أن الحريري يعتبر أن أساس المشكل هو الوزير جبران باسيل الذي لا يريد الخروج من الحكومة لأنه سيتضرر سياسياً، ولديه العديد من الحسابات التي تدفعه إلى الحفاظ على موقعه الحكومي. ولفت الحريري أمام أعضاء المكتب السياسي إلى أن الإنهيار الإقتصادي قد وقع في

Send this to a friend