هيومن فويس: متابعات

إنّ المرأة تُشكّل العامل الأبرز في المُجتمع، ناهيك أن مُجتمعنا العربي خاصةً أصبح يعيشُ حالةً من التدهور الأخلاقي والقيمي. فقد كانت حياة المرأة وسط كل هذا التدهور الأخلاقي والتزعزع القيمي تُعاني من عدّة صعوبات. حياة مفروشة بالأشواك محفوفة بالمحن، إذ أن جميع التحديات التي تتعرّضُ لها والقُوى التي تتربّصُ بها كثيرة ولا تتوقفُ على جميع الأصعدة ولعلّ من أبرزها “جرائم الاغتصاب”، هذه الجريمة التي تُشكل العامل الأبرز والأهم حتى صارت بمثابة الوباء الذي يكاد يفتكُ بحياة المرأة ولعل المجتمع لمن العوامل التي تُسهام في هذا التهديد. فكيف ينظرُ المجتمع العربي الإسلامي إلى المرأة المُغتصَبة؟!

 

ينظُر المُجتمع العربي بشكلٍ عام إلى المرأة المغتصَبة بطريقة سلبية، بل تُلاحقها نظرات ازدراء وخوف كأنّها السبب في حصولها على هذا اللّقب المُؤلم لها ولكرامتها. كما أن المُجتمع النسوي الشاذ يقوم بتصنيف المرأة المُغتصبة على أنّها السبب وراء ما يحدث لها ويُصنفها على أنها (عاهرة، متبرجة، غير محترمة، متكشفة…) والعديد من النعوت التي تُبرر للفاعل فعلته الشنيعة. نعوتٌ مثلها كمثل النار تنفي خُبثها كما ينفي الكير خبث الحديد. ويُمكن القول إن المرأة يتم اغتصبها عزباء كانت أو متزوجة، صغيرة أو كبيرة، والذين يُمارسون هذا الفعل الذي -ترفضه جميع الشرائع السماوية- هم معتدون من كل الأعمار ومن مُختلف الطبقات الاجتماعية. فعلى سبيل المثال شهدت تونس سنة 2018 عملية اغتصاب جماعي لطفلة لم تتجاوز 15 عامًا حسب ما نقلته وسائل إعلام محلية، اهتز على وقعها المجتمع التونسي. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد؛ ففي نفس السنة تعرضت عجوز مسنة تبلغ من العمر 71 سنة بولاية نابل التونسية للاغتصاب. ومن خلال هاتين الحالتين نفهم أن المُعتدي لا يفرق بين صغيرٍ ولا كبير.

وبالرغم من أن التشريع التونسي تصدى لهذه الظاهرة بمختلف أنواعها من جرائم التحرش والمواقعة غصبًا.. فإن هذا لم يمنع عمليات الاغتصاب، بل لم يَحُدّ منها. فقد أكد رئيس قسم الطب الشرعي بمستشفى شارل نيكول ورئيس وحدة الإنجاد منصف حمدون أن عدد ضحايا الاعتداء الجنسي فاق خلال سنة واحدة 800 حالة، في الفترة الممتدة بين أبريل 2016 وأبريل 2017. ووفقًا لهُ فإن 65٪ من حالات الاغتصاب المسجلة طالت أطفالا دون سن الـ 18 سنة و80 بالمائة منهم من الإناث، وشملت جميع الحالات؛ من ذلك الاغتصاب وشبهة الاغتصاب والاعتداء بالفاحشة، بحسب مصادر قدمتها قناة نسمة التونسية. إن مُجتمعنا العربي والإسلامي على وجه التحديد يعاني الكثير من المشكلات المُتعلقة بالمرأة المغتصبة، حيث تعتبر المرأة الحلقة الأضعف والمُهددة دومًا بالعنف والتحرش بجميع أنواعه، زد على ذلك نظرة المجتمع القاسية التي كُلها اتهامات والتي بدورها تبرر للمغتصب فعلته.

فإلى أي مدى يحمي القانون المرأة المغتصبة؟

لعلّ الاعتداءات الجنسية من أكثر القضايا التي تتطلّب تدخل التشريع في مُعالجتها، حيث نجد أن المجتمعات الإنسانية لطالما تعاملت معها بسلبية لدرجة جعلت من تلك الانتهاكات ممارسات عادية في بعض الأوساط. وإن كان من الصعب تمييز جريمة جنسية عن أخرى على اعتبار أن كل الممارسات التي ينعدم فيها عنصر الرّضا هي اعتداءات وحشية ولكن تبقى جريمة الاغتصاب من أبشع الجرائم التي عرفتها البشرية؛ لأنها تمثل انتهاكًا لحرمة الجسد الإنساني، وتعتدي على الكرامة دون رحمة. ولئن اتفقت اللغة على تعريف الاغتصاب بأنه أخذ الشيء بالقوة ظُلمًا وكُرها.. يبقى التعريف القانوني والفقهي محل جدال. ولنبدأ بالتشريع التونسي الذي لم تحظَ جريمة الاغتصاب فيه بتعريف قانوني واضح، بل اكتفى الفصل 227 الوارد بالجزء الثاني من المجلة الجزائية حول الاعتداء على الأشخاص والواردة تحت مُسمى “الاعتداء بما يُنافي الحياء” بالتنصيص على العقوبات المُقررة ضد مرتكبيها.

إلا أنه واستنادًا للفصل المذكور أعلاه يُمكن تعريف جريمة الاغتصاب حسب الأستاذ الأحمدي وهو أستاذ جامعي في كلية الحقوق أنه “مواقعة المرأة بدون رضاها مع العلم بذلك”. كما علينا أن نُشير أيضًا إلى أن القانون المُتعلق بالاغتصاب هو قانون يخص الاعتداء الجنسي أو الاختطاف وما إلى ذلك… ففي حال تزوج الجاني من ضحيّته يُصبح هذا القانون نفسه وسيلة قانونية يتجنب من خلالها المغتصب العقاب والمُلاحقة وتسقُط عنه التهمة. وإذا ما توسعنا أيضًا في كيفية عدم حماية القانون لحق المرأة المغتصبة في “تونس” نموذجًا، نجد أن الضحية تقع بين أمرين لا ثالث لهما: ففي حال خضعت المرأة وتزوجت بُمغتصبها فهي تتزوج كُرهًا وخوفًا من العائلة والمجتمع. والخوف من العار الذي سيُلاحقها، ثم نجد عوامل أخرى تتمثل في العائلة، في حال كانت عائلتها متشددة بحيث تُجبرها على الزواج. وإذا رفضت الضحية الزواج يتم قتلها تحت مسمى “غسل الشرف” أو تعنيفها ثم نبذها من الوسط العائلي، ويتم نبذها من المجتمع الذي سينظرُ لها نظرة قاسية، كأنها مرض مزمن. ومن ناحية أخرى علينا التنويه أن أهمية القانون الذي يخص جريمة الاغتصاب تتجاوز القانون التونسي، فالقانون الدولي اهتم بها أيضًا بل اعتبرها من جرائم حرب. نتحدث إذا عن أفعال خطيرة لا تقل وحشية عن باقي الانتهاكات، في المقابل يجعل لها القانون التونسي عقوبات أخف وأقل لَأمرٌ يدفعنا أن نطرح السؤال الآتي:

كيف تحمي القوانين العربية الأخرى المرأة المغتصبة، وإلى أي مدى يحميها؟

كلمحة صغيرة سأقدمها حول القانون العربي الذي يخص قضية الاغتصاب. بالبحث نجد أن مصر في عام 1999 قد ألغت قانون إعفاء المغتصب من عقوبته في حال زواجه من الضحية، فقد حدد الباب الرابع من قانون العقوبات وتحديدا في المادة 267 على عقوبة هتك العرض، وفيه “من واقع أنثى بغير رضاها يُعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد، ويعاقب الفاعل بالإعدام في حال كانت الضحية لم تبلغ سن الثامنة عشرة”. كما أننا نجد دولًا تكتفي بسجن المغتصب كلبنان. ولكننا نجد في القانون الأردني أنه لم يكتفِ بإعفاء المغتصب من العقوبة في حال تم الزواج من الضحية، بل اشترط أن يكون الزواج مدّته خمسة سنوات، لكن لاحقًا ومنذ عدة شهور تمكّنت الأردن من إلغاء القانون وهذا انتصار كبير للنساء الأردنيات. وبحسب اطلاعي على بعض الشهادات العربية حول موضوع العقوبات، فالأغلبية يرون أن القانون العربي لا يُنصف أبدًا المرأة المغتصبة، بل هو قانون ظاهري فقط، فما هو رأي الدين في جريمة الاغتصاب؟

يقول الداعية “مصطفى البدري”: المغتصب لا يخلو من حالتين؛ الأولى، أن يستعمل السلاح لتهديد المرأة. والثانية أن يكتفي باستعمال القوة البدنية للوصول لغايته. أما الأول فيقام عليه حد الحرابة الوارد في قوله تعالى “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْيُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِيالْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ”. وأما الثاني فيقام عليه حد الزنا باتفاق العلماء (إذا قامت البنية على ذلك) وعند المالكية والشافعية يضاف على الحد مهر المرأة المغتصبة وليس على المرأة شيئٌ أبدًا؛ لا لوم ولا عتاب ولا توبيخ، طالما ظهر منها ما يدل على رفضها ومقاومتها؛ عِلمًا بأنها إذا قُتِلتْ حال ذلك.. تكون بمنزلة الشهداء. والاغتصاب جريمة منكرة في كل الشرائع السماوية والقوانين الأرضية، وليس في شريعتنا أن زواج المغتصب يرفع عنه العقوبة، إنما ذلك عند منتكسي الفطرة عديمي المروءة.

وكي نشمل جميع الحالات، علينا أن لا ننسى حالة أخرى لا تقل أهمية عن بقية الحالات وليس لنا أن نغض عنها الطرف، ألا وهي “مضاجعة الزوج لزوجته بغير رضاها”. ففي تونس ينص الفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية الجديد المنقح بالقانون عدد 74 لسنة 1993 المؤرخ في جويلية 1993 على ضرورة قيام كل من الزوج والزوجة بالواجبات الزوجية حسب ما يقتضيه العرف والعادة بما في ذلك الواجبات الجنسية. وهُنا علينا أن نطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن اعتبار مقتضيات الفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية تسويغًا قانونيًا لإجبار الزوجة على المضاجعة باستعمال القوة؟ في حين يلخص “مصطفى البدري” الرأي الفقهي قائلًا: عقد الزواج يقتضي تمكين المرأة زوجها من نفسها متى احتاج إليها، كما يقتضي بالضبط إنفاق الزوج على زوجته، وكما أباح الشرع للمرأة أن تأخذ من مال زوجها بغير علمه إذا بخل بالنفقة عليها.. أباح كذلك للرجل مجامعة زوجته إذا امتنعت عنه بغير عذر مقبول. والأصل الضابط لذلك (أمر النفقة والجماع) هو العرف، كما في قوله تعالى: “ولَهُنَّ مثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بالمعروف”.

المصدر: الجزيرة نت

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

"المراة المغتصبة" بين الدين والمجتمع والقوانين

هيومن فويس: متابعات إنّ المرأة تُشكّل العامل الأبرز في المُجتمع، ناهيك أن مُجتمعنا العربي خاصةً أصبح يعيشُ حالةً من التدهور الأخلاقي والقيمي. فقد كانت حياة المرأة وسط كل هذا التدهور الأخلاقي والتزعزع القيمي تُعاني من عدّة صعوبات. حياة مفروشة بالأشواك محفوفة بالمحن، إذ أن جميع التحديات التي تتعرّضُ لها والقُوى التي تتربّصُ بها كثيرة ولا تتوقفُ على جميع الأصعدة ولعلّ من أبرزها "جرائم الاغتصاب"، هذه الجريمة التي تُشكل العامل الأبرز والأهم حتى صارت بمثابة الوباء الذي يكاد يفتكُ بحياة المرأة ولعل المجتمع لمن العوامل التي تُسهام في هذا التهديد. فكيف ينظرُ المجتمع العربي الإسلامي إلى المرأة المُغتصَبة؟!   ينظُر المُجتمع

Send this to a friend