هيومن فويس: متابعات

في إطلالته التلفزيونية الأخيرة، قبل أربعة أيام، قدّم الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله شرحاً مسهباً للوضع السوري، يسمح به الوقت المطوّل للقاء والمعدّ سلفاً بحيث يقول الضيف ما يريد قوله مع حفاوة وثناء متواصلين من المستضيف. أثناء تطرقه للوضع السوري، كان نصرالله أحياناً يضع القرار في يد ما يسميها القيادة السورية، بينما يفضح مجمل حديثه غيابها ووجود القرار الفعلي في يده أصالة عن نفسه وميليشيات حزبه، وأصالة عن المرشد الإيراني وتوابعه من فيلق القدس وسواه.

وظيفة تلك المساحة المزعومة بينه وبين القرار هي التملص من أسئلة مطروحة في الشارع، ويُضطر المذيع إلى طرحها، عن سبب عدم الرد على الغارات الإسرائيلية المتكررة على مواقع إيرانية أو لحزب الله في سوريا. هنا يصبح القرار سورياً بعدم الرد، مع تفسيره وتبريره بأن القيادة السورية ترى الأولوية حالياً لقتال ما تسميه “الجماعات الإرهابية”، وأيضاً الحديث عن استكمال تدريبات مقاتلي الأسد على منظومة الدفاع الجوي S300. وإذ يحضر الحديث الشكلي عن قتال الحزب في سوريا وفق ما تطلبه قيادة قوات الأسد فإن جملة مختصرة مكررة من نوع “حيث يجب أن نكون نكون” تتكفل بنسب القرار إلى مصدره الصحيح، إذ لا يتخيل عاقل أن بشار الأسد هو الذي يحدد للإيرانيين وميليشياتهم الحدود التي يتحركون ضمنها، وفي السياق نفسه يجزم نصرالله بأن الإيرانيين باقون في سوريا، وهذه رسالة واضحة لمصدر القرار ولأولئك الذين يراهنون على ضغط روسي لتحجيم النفوذ الإيراني، ولا يُستبعد أن تكون موجّهة لموسكو أيضاً.

في التفاصيل أيضاً، يوصّف نصرالله معركة إدلب الحالية بما يشبه معركة اكتساب مواقع، فهي كما يقول ليست معركة تحرير، بخلاف ما يدأب على وصفها به إعلام الأسد أو بعض من مسؤوليه، وبخلاف الصمت الروسي الذي يتركها في إطار من الغموض. وبناء على الوضع المعلّق لإدلب، والوضع المعلّق شرق الفرات تحت النفوذ الأمريكي، لا يرى أفقاً للحديث عن انسحاب ميليشياته من سوريا، بل يتوعد بالعودة السهلة لما انسحب منها إذا استدعت الحاجة. القراءة الدقيقة لذلك هي أن طهران باقية إلى أن ينسحب الآخرون، وبعد انسحابهم تقرر الحجم الكافي لوجودها العسكري، أي بعد ضمان بقاء نفوذها الذي تريد.

كرر نصرالله ذلك الحديث عن مؤامرة كونية ضد الأسد، وعن التصدي لها وإفشالها بحيث أن العودة إلى الوراء لم تعد ممكنة. وللحق فعل ذلك بأسلوب أفضل مما يفعله بشار الأسد أو أي من تابعيه، ولو تخيلنا الأسئلة ذاتها موجَّهة لبشار الأسد فإننا “عطفاً على خطاباته ولقاءاته الإعلامية” ندرك الفارق الشاسع بين الاثنين، وهو فارق لا تختصره ركاكة بشار اللغوية، بل يختصره وضعه كشاغل لكرسي الرئاسة من دون أن يحظى من صلاحياته سوى بقدرته على قتل السوريين، ومن دون أن يكون صاحب القرارات الكبرى، إذا كان مسموحاً له الاطلاع عليها كلها.

ليس مديحاً لنصرالله وذماً لبشار أن نقارن بين من يعرف ويقرر، ومن لا يعرف ويستهويه الكلام ليظهر كعارف وصاحب سلطة. وإذا مضينا في المقارنة أبعد، لا يصعب القول أن نصرالله يظهر كأسد جديد، بأن يشغل المكانة التي كانت تُنسب للأسد، فهو يتحدث بلهجة صاحب السلطة في سوريا ولبنان بما يذكّرنا بـ”أزهى” أيام الوصاية السورية وسيطرتها على البلدين، وهو يتحدث كزعيم لما يُسمى محور الممانعة “الشق العربي منه تحديداً”، وهذه الزعامة كانت منسوبة للأسد الأب من قبل. تحصيلاً لكل هذه الاعتبارات يجيب نصرالله باقتضاب وإيجاب على سؤال عما إذا يقابل بشار الأسد، ولا يتوقف عند تلك اللقاءات غير المعلنة، ولا يضيف أي شرح أو أية عبارة تُقال على سبيل اللياقة الدبلوماسية.

من وجهة نظر سورية بحتة، قد نقول أن نصرالله حلقة من احتلال مركّب، ينطق باسم واحد منهما تأكيداً على بقائه أو وعيداً به. ما يجعله شديد الثقة هو ذلك العمل الدؤوب لصناعة ميليشيات محلية رديفة، بما فيها ميليشيات تتبع شكلياً لقوات الأسد، ومهمة تفكيكها من قبل موسكو محفوفة بالمخاطر التي سترتد عليها. أولاً هذا ليس بالوقت المناسب لتفعل موسكو ذلك وهي لم تسترجع بعد كافة المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد، وثانياً سيكون الوقت قد فات عندما تُستعاد تلك السيطرة لأن الغارات الإسرائيلية وحدها لا تكفي لتحجيم طهران أو ترحيلها، وحينها ستلعب موسكو بالنار إذا دخلت في تلك المواجهة.

فائض الثقة الذي يتحدث به نصرالله يستند في جزء منه على معطيات واقعية، وتحديداً على تلك القدرة على إيقاع الأذى ببعض الخصوم، وهو يتحدث عن المستقبل بلهجة من يملكه. إلا أن فائض الثقة هذا يذكّرنا بالأسدية من حيث ادعائها امتلاك المستقبل، وحتى تحويله إلى شعار “الأسد إلى الأبد”، وقد رأينا ونرى نهاية الأبد الأسدي، ولو أنه لم يُدفن وما يزال في غرفة العناية المشددة لحلفائه. وهم الاستفادة من الدرس الأسدي، بمعنى الظن بامتلاك قدرات أعلى على التخطيط والتحكم فضلاً عن نشوة النصر على السوريين غير كافيين لصنع أبد جديد، لا لمفاجأة ستحصل سريعاً وإنما لأن زمن الأبد قد انقضى، إذا كان له من وجود حقاً.

مشكلة نصرالله أنه يتحدث باسم الأزل والأبد معاً، ففوق وهم امتلاك المستقبل والانتصار فيه يدفع بذلك اليقين الديني، على غرار كافة القادة الإسلاميين. وهو على غرارهم جميعاً يباهي بقدرته على إيقاع الأذى بغير احتساب للأذى الذي يوقعه به الخصوم حتى إذا كان أشد مما يتسبب به. هذا هو حاله وهو يتوجه بخطابه لإسرائيل، وحاله عندما يتحدث كزعيم لمنطقة يدرك أنها ملغومة بمتلهفين للتخلص منه ومما يمثله. لنتجاوز في هذا السياق سؤالاً للمذيع يقول فيه: لو وقعت الحرب لا سمح الله. ويجاريه نصرالله في استبعاد ذلك الاحتمال الذي لا يتمناه، وكأنه لا يتمنى النصر الإلهي الموعود! لقد كان من المصائب الكبرى للثورة السورية أنها وقعت بين أبد الاستبداد والأزل الذي يزعم الإسلاميين تمثيله، وهذا يصح أيضاً على التشيع الإيراني الذي وقف ضد الثورة قبل فورة نظيره السني. ربما يكون هذا هو الدرس الأهم للسوريين، الدرس الذي يُستحسن أن يفكر فيه نصرالله ملياً، ومن ثم التفكير على نحو مغاير في قوله أن العودة إلى الوراء غير ممكنة.

المصدر: صحيفة المدن

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

نصر الله.. أسد جديد!

هيومن فويس: متابعات في إطلالته التلفزيونية الأخيرة، قبل أربعة أيام، قدّم الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله شرحاً مسهباً للوضع السوري، يسمح به الوقت المطوّل للقاء والمعدّ سلفاً بحيث يقول الضيف ما يريد قوله مع حفاوة وثناء متواصلين من المستضيف. أثناء تطرقه للوضع السوري، كان نصرالله أحياناً يضع القرار في يد ما يسميها القيادة السورية، بينما يفضح مجمل حديثه غيابها ووجود القرار الفعلي في يده أصالة عن نفسه وميليشيات حزبه، وأصالة عن المرشد الإيراني وتوابعه من فيلق القدس وسواه. وظيفة تلك المساحة المزعومة بينه وبين القرار هي التملص من أسئلة مطروحة في الشارع، ويُضطر المذيع إلى طرحها، عن سبب عدم

Send this to a friend