هيومن فويس

على الرغم من تحولها إلى شبه مدينة؛ حيث أطلال البيوت والمباني المهدمة هي الصورة السائدة في الموصل الواقعة شمالي العراق، لكن جهات متنفذة تصادر ممتلكات تابعة للمدينة، ما يزيد من معاناة سكانها.

فالموصل تحولت بفعل المعارك التي دارت بين قوات الجيش ومقاتلي تنظيم الدولة، إلى مدينة مهدَّمة، لا سيما في جانبها الأيمن، وتقول تقارير عالمية إنها بحاجة لعشرات المليارات من الدولارات لإعادة بنائها.

ومنذ تحريرها بالكامل من سيطرة تنظيم الدولة، في يوليو 2017، ما زالت جثث قتلى من السكان المدنيين وعناصر التنظيم، تحت أنقاض البنايات المهدمة.

لكن عدداً كبيراً من سكان المدينة الذين نزحوا بفعل انطلاق المعارك، أو قبلها، هرباً من حكم التنظيم، عادوا ليسكنوا في منازلهم التي يحتاج أغلبها لتأهيل، أو إعادة بناء، لكنهم لا يملكون المال الكافي لهذا العمل.

السكان أعادوا الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في هذه المدينة بجهود ذاتية مع دعم حكومي محدود، وهو ما يتأكد من خلال حملات تطوعية عديدة لنشطاء موصليين.

وفي حين كان يتوجب أن تتلقى المدينة الدعم لرفع مخلفات المعارك منها، ولإعادة تأهيلها، تشاهَد فيها مساحات واسعة من الأراضي وأنشطة اقتصادية متنوعة وفرص استثمارية، أصبحت تحت تصرُّف فصائل من الحشد الشعبي، التي تستغل هذه الأنشطة لمصلحتها.

مليشيا الحشد الشعبي، التي تأسست بفتوى المرجع الديني الشيعي علي السيستاني صيف 2014، لمقاتلة تنظيم الدولة، تُعتبر بين سكان الموصل قوة مرعبة؛ فالوقوف بوجهها، أو معارضتها، مخاطرة كبيرة بالنسبة للسكان؛ إذ فرضت سطوتها من خلال الاعتقالات بحجة الانتماء إلى تنظيم الدولة، وهذا ما يخشاه السكان، ما يدعوهم للسكوت.

وهو أيضاً ما يمنع أياً من المسؤولين المدنيين في المحافظة، والقادة الأمنيين من الحديث في هذا الموضوع علناً؛ فالغطاء القانوني الذي مُنح لعمل الحشد الشعبي زاد من هيمنته على مؤسسات الدولة والشارع أيضاً، إضافة إلى سلطته عليها بفعل السلاح الذي يحمله وقوة الأحزاب السياسية والمرجعيات الدينية التي يعمل تحت غطائها.

موظف في بلدية الموصل، طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً من تعرضه للاعتقال من قبل الحشد الشعبي، قال لـ”الخليج أونلاين”، إن “عدة فصائل من الحشد تقاسمت أكثر من عشرة مواقع مميزة، هي مناطق تجارية تابعة للبلدية في المدينة القديمة وسط الموصل، منها بناية كانت مجمعاً تجارياً كبيراً ومرآب لوقوف لسيارات من عدة طوابق”.

وأضاف:”إنهم يحصلون على أي شيء يريدونه بسهولة. لكنهم أيضاً لا يعملون بصفتهم كمليشيا الحشد الشعبي، بل من خلال أشخاص عاديين او رجال أعمال”.

المصدر أشار إلى أن “في التخطيط الإداري لمدينة الموصل توجد هناك مساحات من الأراضي مخصصة للخدمات، تقام عليها مستقبلاً مدارس أو مستشفيات او حدائق، لكن العديد منها بيعت بأسعار زهيدة لأشخاص مدعومين من قبل الحشد الشعبي”.

– قرار على الورق فقط

تزايد السيطرة على أراضٍ مخصصة للخدمات وبيعها بعقود حكومية قانونية دفعا مجلس محافظة نينوى إلى تشريع قرار يوقف توزيع الأراضي أو تحويل جنس عقارها، في إجراء غير مباشر من قِبله.

يقول رئيس لجنة الخدمات في مجلس محافظة الموصل عبد الرحمن الوكاع: “بعد تزايد عملية تحويل جنس الأرض داخل مدينة الموصل، وتوزيعها، وعمليات البناء التي جرت بعد تحرير المدينة من سيطرة داعش، قرر مجلس محافظة نينوى إيقاف التحويل؛ حفاظاً على التخطيط العمراني للمدينة، ولتنظيم تصميم البنى التحتية وتنفيذها”.

– المليشيات تجمع حديد الخردة

مئات الآلاف من أطنان الحديد الخردة، وهي مخلفات السيارات والمنازل والمخازن والمصانع والمكائن التي تضررت بفعل الحرب في الموصل، وضعت فصائل من الحشد الشعبي اليد عليها، منذ انتهاء المعارك.

وتعمل المليشيات، في وضح النهار وأمام مرأى السكان وأعضاء الحكومة المحلية، على نقلها إلى خارج المحافظة، وبيعها لمعامل صهر الحديد.

هذا ما تأكد من خلال تقصّي مراسل “الخليج أونلاين” في الموصل، نقلاً عن أشخاص مقربين من الحشد الشعبي، أكدوا أن الأموال الواردة من بيع مخلفات الحديد تعود لمكاتب خاصة بالمليشيا.

ويجري ذلك في وقت توجد فيه إجراءات صارمة تجاه المواطنين تمنعهم من نقل أي قطعة أثاث داخل الموصل دون موافقات رسمية؛ بحجة الحفاظ على ممتلكات المواطنين والدولة.

وتقول المصادر إن المليشيات حصلت على كتب رسمية من جهات حكومية في بغداد منذ زمن رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، تسمح لهم بنقل الحديد إلى خارج المحافظة.

– على خُطا داعش

الحشد الشعبي، بحسب مواطنين من أصحاب رؤوس الأموال، “يسير على خُطا داعش”، ويبتزهم في أعمالهم.

“الحال لم يختلف كثيراً عند المقارنة بين حكم “داعش” وحكم مليشيا الحشد الشعبي، يقول أحد رجال الأعمال لـ”الخليج أونلاين”، طالباً عدم الكشف عن اسمه.

وأضاف: “كنا -نحن المقاولين- ندفع الإتاوات للتنظيمات المتطرفة المسلحة، ومنها داعش والقاعدة، لأن المخالف يتم خطفه أو قتله. اليوم ندفع للحشد الشعبي، لأن المخالف يُعتقل أو يحارَب في رزقه”.

– منع مع وقف التنفيذ

في شهر أغسطس الماضي، وفي إجراءات بدت أنها تحاول الحد من سطوة مليشيا الحشد الشعبي، تم إقرار غلق جميع المكاتب السياسية والاقتصادية لفصائل الحشد في العراق، وتحويلها إلى الجهات القضائية، إضافة إلى إخلاء مدينة الموصل من أي قوة عسكرية تابعة لها.

القرار جاء في وثيقة وقّعها نائب رئيس هيئة الحشد أبو مهدي المهندس، جاء فيها: “لوحظ في الآونة الأخيرة قيام بعض من يدّعي انتسابه إلى هيئة الحشد الشعبي بفتح مكاتب ومزاولة أعمال سياسية واقتصادية مشروعة وغير مشروعة”.

واضافت الوثيقة: “الهيئة قوة عسكرية وأمنية تخضع للقوانين العسكرية النافذة، على أساس قانون هيئة الحشد، ولا تمارس أي عمل سياسي أو اقتصادي. وعليه، فإن أي شخص أو جهة تقوم بهذا العمل فهي خارج هيئة الحشد الشعبي”.

ودعت الوثيقة قادة قواطع العمليات ومديرية الأمن إلى تحديد المكاتب السياسية والاقتصادية في قواطع مسؤولياتهم وغلقها وتحويلها إلى الجهات القضائية”، مشددة على قادة المناطق وآمري الألوية بمنع استخدام اسم أو سلاح أو عجلات أو إمكانات “الحشد”.

وحذرت من أن أي جهة تابعة للحشد الشعبي، تمارس أي عمل سياسي أو اقتصادي لا علاقة له بالهيئة، سيتم التعامل معها انضباطياً وقضائياً.

وعلى الرغم من صدور هذا القرار، فإنه تكشَّف مع مرور الوقت أنه قرار مع وقف التنفيذ!الخليج أونلاين

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الحشد يقضم مدينة "الموصل"

هيومن فويس على الرغم من تحولها إلى شبه مدينة؛ حيث أطلال البيوت والمباني المهدمة هي الصورة السائدة في الموصل الواقعة شمالي العراق، لكن جهات متنفذة تصادر ممتلكات تابعة للمدينة، ما يزيد من معاناة سكانها. فالموصل تحولت بفعل المعارك التي دارت بين قوات الجيش ومقاتلي تنظيم الدولة، إلى مدينة مهدَّمة، لا سيما في جانبها الأيمن، وتقول تقارير عالمية إنها بحاجة لعشرات المليارات من الدولارات لإعادة بنائها. ومنذ تحريرها بالكامل من سيطرة تنظيم الدولة، في يوليو 2017، ما زالت جثث قتلى من السكان المدنيين وعناصر التنظيم، تحت أنقاض البنايات المهدمة. لكن عدداً كبيراً من سكان المدينة الذين نزحوا بفعل انطلاق المعارك، أو

Send this to a friend