هيومن فويس: فاروق القاسم

يُحكى أن أحدهم ضاقت به سبل العيش وقرر أن يهيم على وجهه في بلاد الله الواسعة.. فترك بيته وأهله و سار طويلاً إلى أن وصل إلى قرية بعيدة استقبله أحد الأجواد رحب به و أكرمه وعرض أن يعمل لديه.. و فعلاً عاش عنده فترة من الزمن يرعى الإبل ويقوم بعدة أعمال استطاع أن يجمع الكثير من المال.. مضت عدة سنوات اشتاق فيها الرجل لبيته وعائلته وتاقت نفسه إلى بلاده فعزم على العودة..

ودع صاحب البيت الذي عمل عنده ، فأكرمه أشد الكرم وأعطاه عدداً من الإبل ، ودعى له بالخير والسلامة.. سار الرجل في طريق العودة مسافة لابأس بها إلى أن وصل إلى منطقة وجد فيها شيخاً جالساً على قارعة الطريق ليس عنده سوى خيمة منصوبة بجانبه.. اقترب منه و سأله عن حاله ، و لماذا هو لوحده في هذا المكان الخالي ، فقال له: أنا أعمل في التجارة..
وما هي تجارتك وليس معك بضاعة؟
– أنا أبيع النصائح …
– تبيع النصائح ..! وبكم النصيحة؟!
-كل نصيحة ببعير.. فوافق على أن يشتري منه أول نصيحة وأعطاه بعيراً .. فقال له الشيخ: إذا طلع سهيل لا تأمن السيل! فقال الرجل في نفسه: مالي ولهذه النصيحة ؟! وعندما وجد أنها لا تنفعه، طلب نصيحة أخرى وأعطاه بعيرا آخر، قال الشيخ: أبو عيون برق و أسنان فرق لا تأمن له.. وتأمل صاحبنا هذه النصيحة أيضاً ولم يجد فيها أي فائدة فقال ربما النصيحة الثالثة تكون أفضل فأعطاه بعيرا ثالثاً.. قال الشيخ: نام على الندم ، ولا تنام على الدم.. ولم تكن النصيحة الثالثة بأفضل من سابقتيها.. فترك الرجل ذلك الشيخ وساق مامعه من إبل وسار في طريقه عدة أيام .

نسي خلالها النصائح من كثرة الحر وشدة التعب. وفي يوم أدركه المساء عند قوم قد نصبوا خيامهم ومضاربهم في قاع واد كبير ، فتعشى عندهم ، واستلقى لينام وهو ينظر إلى السماء ويتأمل النجوم فيها ، وإذا به يلمح نجم سهيل.. فقفز مذعورا.. فقد تذكر نصيحة الشيخ فأيقظ زعيم القوم وأخبره بأن هناك سيل قادم ويجب عليهم مغادرة بيوتهم.. لكن نصيحته قوبلت بالاستهزاء.

فما كان منه إلا أن تركهم وهو يقول: والله لقد اشتريت هذه النصيحة ببعير و لن أنام في هذا الوادي وقرر أن يبيت على مكان مرتفع فأخذ بعيره و نام على تلة مرتفعة بجانب الوادي.. وفي أواخر الليل جاء السيل وحصد كل شيء أمامه ولم تبق سوى بعض المواشي.. ساق الرجل ما تبقى من المواشي وأضافها إلى مواشيه وسار في طريقه عدة أيام ، وصل بعدها إلى بيت رجل رحب به صاحب البيت وكان رجلاً نحيفا خفيف الحركة ، وأخذ يزيد في الترحيب به فنظر إليه وإذا به ذو عيون برق وأسنان فرق.

فأوجس منه خيفة فهو كما وصفه الشيخ تماماً.. تظاهر بأنه يريد أن ينام خارجا مع مواشيه و جر فراشه إلى مكان بعيد بعض الشيء عن ذي العيون البرق ، ولكنه لم يستطع النوم فوضع كمية من الحجارة مكانه في الفراش تحت اللحاف وانتحى مكاناً غير بعيد يراقب ، حتى وجده يقترب من مكان نومه على رؤوس أصابعه و أخذ سيفه وهوى به على الفراش يضربه بشدة ظناً منه أنه ضيفه..

لكن الضيف كان يقف وراءه وهو يقول: لقد اشتريت والله النصيحة ببعير ثم ضربه بسيفه فقتله وساق ماشيته وغاب في أعماق الصحراء. وبعد مسيرة عدة أيام أخر وصل إلى بيته في ساعات الليل فوجد بيته على حاله وعندما دخله فوجئ بشاب طويل الشعر بهي الطلعة ينام في فراشه بجانب زوجته.. فاغتاظ أشد الغيظ ووضع يده على حسامه وأراد أن يهوي به على رؤوس الاثنين..

وفجأة تذكر النصيحة الثالثة نام على الندم ولا تنام على الدم.. فخرج من بيته و انتظر شروق الشمس ليسوق أغنامه عازما على الرحيل فإذا قومه قد عرفوه وأخذوا يرحبون به ويهللون.. سمعت زوجته صوته فخرجت مسرعة تحتضنه ومعها الشاب وما إن وقع نظره على الشاب حتى قالت له: لقد غبت عنا طويلاً فقد أصبح ابنك رجلاً.. حمد الله وشكره على أنه لم يقتلهما.. وقال بينه وبين نفسه: والله إن كل نصيحة كانت أفضل من أحسن بعير

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

سابقاً النصيحة بـ "جمل" واليوم "فضيحة"

هيومن فويس: فاروق القاسم يُحكى أن أحدهم ضاقت به سبل العيش وقرر أن يهيم على وجهه في بلاد الله الواسعة.. فترك بيته وأهله و سار طويلاً إلى أن وصل إلى قرية بعيدة استقبله أحد الأجواد رحب به و أكرمه وعرض أن يعمل لديه.. و فعلاً عاش عنده فترة من الزمن يرعى الإبل ويقوم بعدة أعمال استطاع أن يجمع الكثير من المال.. مضت عدة سنوات اشتاق فيها الرجل لبيته وعائلته وتاقت نفسه إلى بلاده فعزم على العودة.. ودع صاحب البيت الذي عمل عنده ، فأكرمه أشد الكرم وأعطاه عدداً من الإبل ، ودعى له بالخير والسلامة.. سار الرجل في طريق العودة

Send this to a friend