هيومن فويس: أحمد عاصي

لا يكاد الناظر إلى المشهد في سوريا أن يرى شيء وذلك لكثرة الضباب الذي يخيم على التفاصيل الصغيرة والكبيرة ولأن ما وصل الواقع إليه كان حصيلة من التجارب المحكمة التي تقودها القوى العظمى التي بات واضحا أنها تسعى جادة لإعادة رسم الخارطة السياسية للمنطقة بعد أن كادت خيوط اللعبة تتفلت من يدها بفعل عوامل التغير الكثيرة التي بدرت في المنطقة في فترة زمنية متقاربة والتي من أهمها ظهور قوى إقليمية ودول لم تكن ترى على الخارطة من جهة، ومن جهة أخرى انتفاضة الشعوب وما رافقها من تصدع في بنية العديد من الأنظمة التي مضى على بنائها أعوام طويلة حتى خيل إلى من أسسها وأحكم بناءها أن الزمن لم يعد قادر على النيل منها.

 ومما يغشي النظر أيضا التجارب الفاشلة التي جرتها حركات التحرر وجرّت إليها على حدّ سواء في سبيل مواجهة ما بات الجميع مقتنعا به وهو المؤامرة والمخطط الدولي فكان محل اجماع من كل الأطياف الفاعلة في سوريا أن مخططاً دولياً يطبّق ويجب محاربته، ولكن فات الجميع أن يفكروا ولو لبرهة لمعرفة كنه هذا المخطط والوقوف على أبعاده وتفاصيله وأسبابه القريبة والبعيدة ومعرفة آلية مواجهته والحد من آثاره، فكانت النتيجة ما صار إليه الحال في سوريا وفي بلدان المنطقة الأخرى.

سوريا اليوم مستعمرة تتصارع فيها قوى كثيرة وكل من هذه القوى له مصالح ومخططات يسعى جاهداً لأن يحصل من خلالها على أهدافه ومكتسباته، ولعل تركيا واحدة من هذه الدول التي باتت سوريا في وضعها الراهن تشكل خطراً كبيراً بالنسبة لها من جهة، ومنحة لا يستهان بها من جهة أخرى ولو أردنا أن ننظر إلى حجم الحراك التركي في الملف السوري لوجدنا أنه يقصر كثيرا عن المتوقع، بل ولعل العديد ممن كان يعول على تركيا في أن تكون الخيار الأخير الذي سينقذ ما تبقى من سوريا وشعبها يعتبر أن تركيا الآن في أضعف حالاتها وهي الخاسر الأول وصاحبة الدور الأضعف وأنها تخلت عن سوريا وعن الشعب والثورة السورية على حد سواء.

وقد يبدو صحيحا هذا التوقع في بعض جزئياته وربما تركيا الناشئة التي تسعى لأن تضع لها قدم على الخارطة السياسية في المنطقة لم تقم بدورها المطلوب على الوجه الأكمل، وربما تصدق كل التنبؤات التي قيلت وتقال حيال موقف تركيا من المشهد السوري، لكن بالمقابل فهل يمكن أن يغفل المنتقد لتركيا دورها الدولي والإقليمي ونموها الاقتصادي والاجتماعي وازدهارها الذي يكبر وينمو مع مرور الأيام؟ وبالتالي خروجها من دائرة الارتهان لصالح الدول الكبرى التي تعبث في المنطقة حيث تشاء وتحولها من دولة مهمشة فاقدة للهوية التاريخية والدينية إلى دولة ذات توجه واضح ومشروع ثابت الأركان يمكن أن يكون نواة لنهضة المنطقة ورأس حربة في حضارة مضى على رقودها أكثر من 100 عام وما جره ذلك على تركيا من ضغوط دولية وعداء بات واضحا من معظم الدول العظمى في العالم.

لو نظرنا إلى ما حققته تركيا في الأعوام العشرة الأخيرة لوجدنا أن تركيا لا يمكن لها التخلي عن سوريا ولا يمكن لها أن تقف موقف المتفرج مما يحصل في سوريا لأسباب عديدة أهمها أن البعد الأساسي للمشروع التركي قائم على فكرة استعادة ترتيب المنطقة على محور جوهري وهو المشروع الإسلامي الذي كان يقود العالم في فترة من الفترات والذي مع فقدانه فقد العالم الأمن والاستقرار وتحولت فيه المنطقة إلى ساحة للصراعات الدموية التي تقوم على أساس عرقي وطائفي ومذهبي وأن سوريا وتركيا أصل هذا الصراع وذلك بسبب التركيبة المجتمعية التي يتداخل فيها الشعب التركي والسوري والتي تبدأ في كل الطوائف من سوريا وتنتهي في تركيا أو العكس وبالتحديد الأكراد والعرب والأتراك.

ولا يمكن أن يوضع حد لهذا الصراع إن لم تعاد فيه الأمور إلى أصلها الأول الذي استطاع المشروع الإسلامي خلاله أن يدمج هذا المجتمع المتعدد الأعراق والمذاهب في مجتمع واحد يعمل فيه الجميع لمصلحة واحدة مشتركة، والجهة الوحيدة اليوم التي تبدو قادرة على إعادة تلك الحلقة المفقودة هي تركيا التي استطاعت أن تنهي مراحل كثيرة في هذا المشروع لتصل إلى المرحلة السورية التي تعتبر من أخطر المراحل التي تمر على تركيا، وذلك لتبعية معظم المكونات السورية إلى جهات دولية تناصب تركيا العداء وينعكس صدى عدائها على تركيا بشكل آو بآخر.

ولعل الناظر أيضا إلى تركيا من الداخل يدرك تماما أن ما تحققه تركيا في سبيل استعادة تاريخ المنطقة وهويتها الثقافية والفكرية والدينية هو حقيقة واقعة وأهم صورها تتجلى في أن تركيا أصبحت الملاذ الوحيد لكل المضطهدين من أبناء الأمة الإسلامية من غربها إلى شرقها فلم تعد تركيا تخلو من عدد كبير من أبناء المناطق التي تعاني من حروب وصراعات عسكرية ولا سيما الأشخاص الذي يلتقون بشكل أو بآخر مع المشروع التركي الذي يسعى إلى تقريب المسافات بين الدول والشعوب الإسلامية، ويعمل بشكل واضح على استعادة تركيا لتكون مركزا فاعلا للعالم الإسلامي فكيف يمكن لتركيا التي استطاعت أن تحقق كل ما حققته اليوم أن تكون غافلة عما يحصل في سوريا التي تربطها بينها حدود تقرب من 1000 كيلو متر.

ليس لائقا بالعرف السياسي والدبلوماسي لدولة مثل تركيا استطاعت أن تقف بوجه العديد من العواصف العاتية التي كانت قادرة على اقتلاع أعظم البلاد أن تكون عاجزة عن معرفة الأهداف الحقيقة التي تلعبها الدول العظمى في المنطقة، وأن تكون ضحية للمخطط الدولي الذي عجز عن مواجهتها من الداخل فيحقق مأربه منها في الخارج، لكن تركيا بقيت وحيدة في مواجهة المجتمع الدولي الذي بات يستشعر تماما خطورة الدور التركي اليوم وما يمكن أن يصل إليه في حال استمرت تركيا على ذات الخطوات واستطاعت أن تجمع شتات المسلمين وأن تكون النواة التي يدور العالم الإسلامي في فلكها.

 

سوريا اليوم تمثل بالنسبة لتركيا مرحلة من أهم وأخطر المراحل التي تمر على المشروع التركي ولا شك أن تركيا تدرك تماما أنها تضع يدها في يد أشد أعدائها لتتدارك عدوا آخر فتركيا اليوم قادرة على أن تحدد أعداءها وأصدقاءها بشكل جيد وليس في رأيي أن حل المشكلة السورية واقعا على تركيا بشكل مباشر وإن كانت تتحمل النصيب الأكبر منه، ولكن يكفي أن تخرج تركيا منتصرة لذاتها وأن تحقق ما يمكن أن يحافظ على استمرار مشروعها من سوريا فتكون بذلك استطاعت أن تنتقل إلى المرحلة الثانية التي تضمن بها إعادة رسم الخارطة السياسية للمنطقة بالتشارك مع قوة تمثل توجه الأكثرية العظمى والتي يحرص المجتمع على تحويلها إلى أقلية بما يتبعه من سياسة القتل والتهجير التي لم تتوقف منذ أكثر من خمسة عشر عاما حتى الآن والتي بددت قوة المنطقة وزادت في تشرذمها وأضعفت من تماسكها وجعلت من أبنائها وقودا لنار تحرق المنطقة بما فيها.  

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

ليس المطلوب من تركيا أن تحرر سوريا!

هيومن فويس: أحمد عاصي لا يكاد الناظر إلى المشهد في سوريا أن يرى شيء وذلك لكثرة الضباب الذي يخيم على التفاصيل الصغيرة والكبيرة ولأن ما وصل الواقع إليه كان حصيلة من التجارب المحكمة التي تقودها القوى العظمى التي بات واضحا أنها تسعى جادة لإعادة رسم الخارطة السياسية للمنطقة بعد أن كادت خيوط اللعبة تتفلت من يدها بفعل عوامل التغير الكثيرة التي بدرت في المنطقة في فترة زمنية متقاربة والتي من أهمها ظهور قوى إقليمية ودول لم تكن ترى على الخارطة من جهة، ومن جهة أخرى انتفاضة الشعوب وما رافقها من تصدع في بنية العديد من الأنظمة التي مضى على بنائها

Send this to a friend