هيومن فويس: خليفة الخليفة

عندما أشاهد زملائي الذين جلست معهم في مقعد واحد، وأصدقائي الذين أمضي معظم أوقاتي معهم نتجول في حدائق الجامعات، والمدرجات الواسعة ونحن نتبادل القصص المضحكة لإمضاء الوقت…. أتذكر رائحة قهوة الصباح معهم، وأوراق المحاضرات المبعثرة على طاولة كفتريا كلية الأعلام…

كانت لحظات حاسمة قبل الامتحان وكانت وجوهنا حائرة من أي صفحة سيأتي السؤال الحاسم للنجاح، تلك أجمل لحظات حياتي بمرها، وشقاوتها…. بحزننا عند السقوط بمادة ما.

لم أكن من المتفوقين أو العشرة الأوائل الذين يلتهمون المحاضرات والكتب كأنها وجبة شهية للتناول، كنت كسواد الطلاب الذين يستمتعون بلحظاتهم ويرسمون الضحكة على وجوه أصدقائهم.

عندما أشاهدهم وهم يرتدون ذلك الثوب الأسود ويضعون تلك القبعات كمظلة تحميهم من أمطار اليأس والهم -كما يخيل لي….وتلك الضحكات التي نسفت معها سنين التعب، والجد، والدراسة حينها أكتئب للحظة من اللحظات وأنا أتخيل نفسي بينهم…. أتلقى مباركة الأصحاب والأهل، لتتويجي تلك السنين المرة ومراحلها الابتدائية البريئة ومراهقة الثانوية ومصروفي المضحك عندما أقارنه بمصروف أصحابي الأثرياء….

نعم حققت طموحي بدخولي كلية الأعلام طموحي الذي ما برحت أسرتي يتهامزون عليه لأني لم أكن ادرس جيدا خلال شهادتي الثانوية كما يظنون… عندما أشاهدهم يطلقون تلك القبعات السوداء في السماء يخيل لي أنها حمامات بيض تحمل معها رسائل فرح… تنثرها في الفضاء كنجوم يتسامر حبيبان وهما ينظران اليها ومحفزاً لكل طالب يسعى لأن يعيش هذه اللحظة . لست حزيناً أنني لم أكن بينهم أفرح مثلهم، ولم أندم على انقطاعي عن الدراسة في الجامعة ومغادرتي لها منتصف عام ٢٠١٢ لأني لم أستطع أن أجمع بين الظلم والقهر من جهة ونور العلم والابداع من جهة أخرى كانوا (عناصر النظام) يظللون نور العلم بجرائمهم واستبدادهم لجميع الطلاب.

فحين تكون من سكان محافظات ادلب، حماه ،درعا… ..أو أي مدينة شهدت حراكاً سلمياً ضد الاستبداد والاجرام فهذه جريمة نكراء يضيقون عليك بها ما أوسعه الله.

أتذكر بالتفاصيل المملة أخر أسبوع لي في جامعة الإعلام كأنه شريط فيديو يعرض أمام عيناي… وخاصة عندما كنت مستيقظا للساعة الثانية بعد منتصف الليل حين وردني من أحد الأصدقاء خبر عن أستشهاد شخص من قريتي يسمى “حسن الخليفة”… صعقت من هذا الخبر المشؤوم، فهنالك أخي يسمى حسن الخليفة وأبن عمي أيضاً.

ولكن سرعان ما علمت أن الشهيد هو صهري نعم انه زوج أختي وأبن عمي وأخي الكبير الذي لم تلده أمي (المهندس الميكانيكي) الذي أنشق كضابط برتبة ملازم رفض توجيه مدافع الجنود لصدور المتظاهرين منذ بداية الثورة…

كان لا يبرح بتشجيعي على أن أسعى لما أطمح اليه… ..وصلني خبر استشهاده ولا يوجد بجيبه أكثر من ورقة نقدية من فئة الخمس مائة ليرة سورية، مع العلم أنه كان من أول الضباط المنشقين عن صفوف قوات النظام وأول من أدخل شحناتِ أسلحةٍ للداخل السوري ليوصله لعناصر الجيش السوري الحر لكي يحموا مدنهم وقراهم من مداهمات قوات النظام وشبيحته…… وأذكر عندما تأكد خبر أستشهاده.

صعدت الى الطابق الخامس لوحدتي السكنية وجلست بجانب خزانات المياه، لا أعلم ماذا أصنع ودموعي تنسكب بلا أي صوت، خوفاً من عناصر الأمن المنتشرين في الشقات السكنية بين الطلاب…. مسحت دموعي سريعاً كنت لا أريد أن يشعر أحد بأي شيء، عدت الى غرفتي وحملت كتاباً وقلماً عريض الخط… وذهبت إلى غرفة المطالعة وهناك أخرجت حقدي وآلمي وملأت مقاعد الغرفة جميعها والجدران الواسعة بعبارات ضد للنظام…

لا أذكر ما خطته يداي بالتفصيل غير عبارة (يلعن روحك ياحافظ يلعن روحك) تلك العبارة التي نرددها خلال المظاهرات السلمية، وذلك بعد أن تأكدت من أن كميرات المراقبة كانت مغلقة، فهذا الوقت لا يوجد أي أحد لتراقبه… خرجت من تلك القاعة بسرعة لكي لا يشاهدني أحد وبقيت مستيقظاً حتى الصباح.

كان رأسي يؤلمني وكنت أرتعش خوفاً، وأقول ماذا لو كانت تلك الكمرات اللعينة تعمل…. ويتخيل لذهني عشرات السيناريوهات التي ستحل بي لو أكتشفوا من هو الفاعل…

تلك التخيلات قاطعتها صوت سياراتٍ مسرعة وأصوات شتائم في مدخل الوحدة التي كنت أقطن فيها… فورا انتقلت لنافذة المطبخ المطل على مدخل وحدتي السكنية وشاهدت العشرات من رجال الأمن وهم يصرخون: أحضروا بخاخات لنمسح هذه الكتابات، وعباراتٍ بذيئة-أتحفظ عن ذكرها هنا…

حينها أدركت عدم قدرتي على التأقلم مع الأحداث المتسارعة، وخاصةً أني تعرضت لأكثر من مرة لحالات ضرب وأعتقال بسبب بعض النشاطات التي كنت أقوم بها وأوضاع القرية التي كانت تسوء وفي أي لحظة قد يصلني خبراً عن أستشهاد أخ آخر…. خاصة أن أقربائي وأصدقائي كثر كانوا يقاتلون في صفوف عناصر الجيش السوري الحر….

نعم تخليت عن أكمال حلمي ومستقبلي وكنت اذكر هذه الكلمات: “من ترك شيئا لله عوضه الله خيراً منه. لا أعلم هل عوضني الله خيراً من ذلك أو لا ولكن ما أعلمه أني بخير وأن الله لا يأتي إلا بالخير لعباده، ويمكن ان أكمل مابدأت به رغم الألم وما آلت إليه ثورتنا من خذلان القريب قبل البعيد…

ويعزيني أيضاً أن هناك الآلاف من الطلاب الشرفاءالذين أعرضوا عن أكمال طريقهم في الدراسة والعلم لهدف محدد وهو الحرية والكرامة والإنتهاء من الظلم والإستبداد.

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

حلم لم يكتمل..

هيومن فويس: خليفة الخليفة عندما أشاهد زملائي الذين جلست معهم في مقعد واحد، وأصدقائي الذين أمضي معظم أوقاتي معهم نتجول في حدائق الجامعات، والمدرجات الواسعة ونحن نتبادل القصص المضحكة لإمضاء الوقت…. أتذكر رائحة قهوة الصباح معهم، وأوراق المحاضرات المبعثرة على طاولة كفتريا كلية الأعلام… كانت لحظات حاسمة قبل الامتحان وكانت وجوهنا حائرة من أي صفحة سيأتي السؤال الحاسم للنجاح، تلك أجمل لحظات حياتي بمرها، وشقاوتها…. بحزننا عند السقوط بمادة ما. لم أكن من المتفوقين أو العشرة الأوائل الذين يلتهمون المحاضرات والكتب كأنها وجبة شهية للتناول، كنت كسواد الطلاب الذين يستمتعون بلحظاتهم ويرسمون الضحكة على وجوه أصدقائهم. عندما أشاهدهم وهم يرتدون

Send this to a friend