هيومن فويس: ريحان غضباني

لشدة سذاجتنا اعتقدنا ان قيود الاستعمار قد فكت منذ زمن بعيد، بيد أن ما يشير الى واقعنا الحالي يرجح القول على اننا لازلنا دمى بيد الغرب لا اكثر، يتلاعبون بنا كيفما ارادوا.

تحرشهم الدائم بنا لم يقتصر على التدخل في الشؤون الخارجية و الداخلية فحسب، بل وصل حد تقسيمنا كقوالب حلوى غير صالحة حتى للاكل.

ألقوا بنا في سراديب ضيقة جعلونا من خلالها أسرى أوهامنا، نسير في ذات الطريق و لا مخرج لنا منه، كفئران التجارب التي تركض في دوائر مغلقة و سريعة، لاهي قادرة على مغادرتها و لا التوقف عن الركض ، هذه الدائرة سموها “إرهابا وتطرف “، و هذا التزواج المربك بين الارهاب و التطرف لا يتيح لنا سوى الانشغال بالركض و الركض و الركض داخل هذه الدوائر خوفا من الوقوع ، لكننا لا نعلم ان في ركضنا هذا وقوع افقي.

ريحان غضباني، كاتبة تونسية

ان انقذنا اجسادنا من التهاوي فاننا لن ننقذ عقولها من التلاشي، وها نحن الى يومنا هذا نركض دون ادراك منا اننا قد اوقعناه منذ زمن بعيد، رغم ان لا خلاص لنا الا به لانه السبيل الوحيد للوعي و الصحوة.

يعي الغرب تماما ان الحرب لن تنهك الشعوب بسهولة تامة، يعلم جيدا ان ما من امة ذاقت الامرين من استعمار ظالم الا و اشتدى ازرها لمحاربته و النكل به خارج حدودها ولنا في الدول الاوروبية عبرة ، وعليه اختاروا لنا استعمارا اخر،حريقا دائم الاشتعال في الوطن العربي، حريق لا انهار المحبة تطفئه و لا بحار الحمية تنهكه ، انه الانقسام الداخلي ، محرقتنا الاخيرة.

فالقول بغياب العقل والوعي لدى الشعوب العربية وجيها من جهة كونه واقعا اعتادته عبر تاريخها مع ان هذا المقال لا يروم الانزلاق نحو دراسة تاريخ هذه الامة بقدر ما يهدف الى بيان كونه تاريخا قوامه الاساسي الاختلاف و الانقسامات الجغراسياسية التي خلفها الاستعمار و ثأر قديم لا يموت بين الشعية و السنة جعلهم كالخرفان التي تتناطح على حفنة عشب لا تسمن و لا تغني من جوع، فمصيبة اليوم هي وليدة الامس لا اكثر.

ان انقسامنا هذا ، حتى وان لم يكن بإرادتنا منذ البداية ، لا يخفي انه اذ ما سلمنا بواقعنا واخترنا التناطح عوض التكامل و الانغلاق في شكل فرق على طائفتنا و التقوقع حولها و جعلها هويتنا الاسمى متجنبين كل ما هو مختلف عنا فاننا بهذه الحال لن نتجاوز ابدا ركب الحضارة الانسانية.

بل ان هويتها المذهبية ذاتها ستذبل ذات يوم من شدة الاستنزاف ، فهذا الانغلاق العربي خير دليل على سؤء عاقبة كل من يلتف بزي الماضي و يدفن رأسه في التراب كنعام حتى لا يواجه حقيقة دماره ، وكانت النتيجة ان ادى انغلاقنا في مشاكل طائفية الى تجاوز التاريخ لنا و ضياع عروبتنا ذاتها لاننا أهملنا صوت العقل و الفلسفة والشعر ولم نلقي بالا لدعوة “القباني” حين قال:” اخرجوا من السراديب…فالناس يجهلونكم داخلين السراديب…الناس يحسبونكم نوعا من الذئاب” !

وعليه لما نلقي باللائمة على الغرب الذي استغل فينا هذا الضعف جراء الاستعمار و هذه الاحقاد الدفينة بين كلا الطائفتين ليؤدلجها خدمة لمآربه الأثمة و يغتصب أفكارنا و يزلزل هويتنا الشخصية و الوطنية و القومية فأوقعنا في سراديب الالتهاء بالموضة و اللباس والفن الهابط عن مشاغل الوطن وهمومه.

هذا التيه العربي قد ادى الى تقوس قاماتنا التي نخرها سوس الطائفية و جعلنا ضائعين وسط الزحام ،غرباء داخل اوطننا ، تحكمنا ثنائية النسف و الإفناء ، الخير و الشر ، لكن لا يجب ان نستسلم لفاجعتنا ، لاننا متى تمحصنا في دراسة تاريخ الحظارات وجدنا أغلبها قامت في خضم مخاطر أجنبية تتهددها.

فما كان لقرطاج مثلا أن تصنع مجدها الا بفضل التهديد الروماني المحدق بها، وكذلك نحن، ليس لنا الا التنبه الى الخطر الذي يمثله الغرب وأعوانه بالنسبة لنا ، ولم لا ندخل معه في صراع ” الكرامة” حتى نظفر منه بالاعتراف بنا كذوات تستحق الأفضل و نفتك منه أحقيتنا بالوجود فكم من ولادة استلزمت إجهاضا ، افلا يحق لنا أن نغلق القول بان قران النسف و الإفناء على سنة اختلاف الطوائف وحده يحول مشروع الغرب الهادم الى واقع بالقوة ووجود بالفعل!.

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

التيه العربي تقويس لهامات الشعوب

هيومن فويس: ريحان غضباني لشدة سذاجتنا اعتقدنا ان قيود الاستعمار قد فكت منذ زمن بعيد، بيد أن ما يشير الى واقعنا الحالي يرجح القول على اننا لازلنا دمى بيد الغرب لا اكثر، يتلاعبون بنا كيفما ارادوا. تحرشهم الدائم بنا لم يقتصر على التدخل في الشؤون الخارجية و الداخلية فحسب، بل وصل حد تقسيمنا كقوالب حلوى غير صالحة حتى للاكل. ألقوا بنا في سراديب ضيقة جعلونا من خلالها أسرى أوهامنا، نسير في ذات الطريق و لا مخرج لنا منه، كفئران التجارب التي تركض في دوائر مغلقة و سريعة، لاهي قادرة على مغادرتها و لا التوقف عن الركض ، هذه الدائرة سموها

Send this to a friend