هيومن فويس: خليل المقداد

“ارفعوا أيديكم عن سورية”. و”أوقفوا التدخل في سورية واتركوا الشعب السوري يقرر مصيره بنفسه”.”التدخل في سورية لن يوقف قتل الناس بل يقتلهم”. “باسم الإنسانية نرفض قبول الفاشية الأمريكية”. تحت هذه الشعارات نزل عشرات المتظاهرين إلى الشوارع في بعض المدن الأمريكية والبريطانية والكندية والبوليفية وحتى في مدن عربية رغم محدوديتها، كالعاصمة التونسية تونس والأردنية عمان وبني وليد في ليبيا. وكأن العالم النائم كان بحاجة لهزة توقظه من سباته الذي استمر لأكثر من ستة أعوام، عانى خلالها الشعب السوري ويلات الحرب والدمار والتهجير.

“حتى أنت يا بروتوس” لسان حال الشعب السوري وهو يقرأ بيان حركة الشعب التونسية التي أعلنت إدانتها للضربة الأمريكية، حيث جاء فيه: “إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على شن هذا العدوان يتنّزل في سياق اصطفافها الدائم إلى جانب الكيان الصهيوني”. وهذا بلا شك كلام حق أريد به باطل، فصحيح أن الولايات المتحدة هي الداعم الأكبر للكيان الصهيوني، إلا أن نظام عائلة الأسد الذي باع سورية وقتل وشرد الملايين من أبنائها هو العميل الأكبر لهذا الكيان.

عند الحديث عن المظاهرات المناوئة للضربة الأمريكية التي استهدفت مطار الشعيرات في ريف حمص، فلابد لنا من تفكيك المشهد، ومعرفة الدوافع الحقيقية التي تقف خلف هذه الظاهرة، فلكل من هذه الجماعات سببه الخاص الذي دفعه للتظاهر ضد الضربة.

يمكننا تفهم الدوافع الرئيسة لمعارضي الضربة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبريطانيا، فالمنظمات التي دعت للتظاهر هي بالأساس جماعات مناهضة للحروب وسبق لها أن تظاهرت ضد الحرب الأمريكية على العراق، وهي تنطلق من مبدأ ما آلت إليه الحرب على العراق وما خلفته من واقع مأساوي، وما تسببت به من خسائر بشرية ومالية للولايات المتحدة، لكنها وفي الحالة السورية تخلط الأوراق.

في العراق جهدت الولايات المتحدة وبريطانيا لإثبات فرضية وجود أسلحة دمار شامل، لكنها فشلت رغم اختلاق العديد من الروايات الكاذبة، في حين أن الوضع في سورية واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، وقد سبق لنظام الأسد أن استخدم السلاح الكيميائي في الغوطة، عام 2013 ما تسبب بمقتل أكثر من 1400 مدني، وهو لم يتوقف يوماً عن إستخدام الفوسفور الأبيض والنابالم وغاز الكلور القاتل، ثم أكملت روسيا الجريمة باستخدام الأسلحة المدمرة ضد المدنيين كالقنابل الفراغية وتلك المضادة التحصينات من زنة 1500 كغ إضافة للعنقودية والفوسفورية، لكننا ومع هذا فلم نسمع صوت هذه المنظمات ولم نشاهد أنصارها يتظاهرون ضد نظام الأسد، فلماذا إذن ارتفعت الأصوات بعد الضربة الأمريكية؟

لعل الدافع الرئيس خلف هذه الاحتجاجات يكمن في التشابه بين حرب بوش على العراق، وما يمكن اعتباره مؤشراً على بداية حرب ضد نظام الأسد، وهنا مكمن الخلط الذي وقعت فيه هذه الجماعات والمنظمات، التي تعتقد أن الضربات الأمريكية ربما تورط الولايات المتحدة في مواجهة ضد روسيا، أو حرب برية ضد نظام الأسد وحلفائه تستنزف دولهم بشرياً ومالياً، وتورطها في مستنقع قد يصعب الخروج منه.

لعله من نافل القول، الإشارة هنا لصمت هذه الجماعات والمنظمات عن التدخل الأمريكي بحجة الحرب على الإرهاب في أكثر من دولة، وخاصة في سورية والعراق حيث يقتل المئات من المدنيين العزل باسم الحرب على الإرهاب، الأمر الذي يضع أكثر من إشارة استفهام على موقفها الرافض للضربة الأمريكية ضد نظام الأسد، فهل التدخل لصالح الأنظمة مسموح، بينما هو مرفوض ضدها؟!

ما يؤكد هذا التوجه هو تصريحات القائمين على تنظيم المظاهرات، وما رفع فيها من شعارات ولافتات في أمريكا وبريطانيا على حد سواء، ففي بريطانيا مثلا سنجد أن “ائتلاف أوقفوا الحرب”، قد تأسس في إيلول \\ سبتمبر 2001 بعد أحداث 11 سبتمبر وإعلان جورج دبليو بوش “الحرب على الارهاب”، وكان هدف الائتلاف حينها منع وإنهاء الحروب في أفغانستان والعراق وليبيا وغيرها.

أما في الولايات المتحدة فقد نظم “تحالف الجواب ضد الحرب والعنصرية” الذي تشكل عقب حادثة البرجين وهو أكبر تحالف أمريكي، نظم مظاهرات شارك فيها بضع مئات من الأشخاص في حوالي 20 مدينة أمريكية أهمها نيويورك وواشنطن وشيكاغو وبنسلفانيا، وفي أماكن حيوية مثل “ساحة الإتحاد” وأمام “برج ترامب” و”شارع مارتن لوثر كنغ”، ورفعوا لافتات ترفض “الحرب” وتطالب بصرف التريليونات على احتياجات الناس مثل الوظائف والسكن والرعاية الصحية والحقوق الإنجابية والرعاية بدل صرفها على الحروب الخارجية.

المفارقة هي أن العديد من الجهات انخرطت في الاعتراض على الضربة الأمريكية، فالديموقراطيون يهمهم تصاعد حدة الاحتجاجات ضد ترامب وبأي وسيلة ممكنة، وإن من باب العداء لترامب والمناكفة السياسية معه، في حين استغل الأمريكيون السود فرصة المظاهرات، لرفع لافتات تدعو لوقف التمييز العنصري ضد الملونين، حيث رفعوا لافتات تقول: “أوقفوا الحروب ضد الأسود والبنى”.

الإحتجاجات كانت فرصة لتحرك عناصر ولوبيات الضغط، التابعة لإيران ونظام الأسد ودخولها على الخط، فكان حضورهم لافتاً وبصماتهم واضحة في التغطية التي قامت بها وسائل الإعلام وخاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا، سواء من خلال التصريحات أو المشاركة في المظاهرات وتغطيتها والترويج لها، وهو ما يعيد الأذهان بنا إلى دور مؤسسات العلاقات العامة الغربية في تلميع صورة بشار الأسد وتصويره كمدافع عن الغرب ضد الجماعات الإرهابية.

من المنظمات التي دخلت على خط الإحتجاجات، منظمة تدعى جمعية الإرادة السورية، المقربة من بشار الجعفري والتي تأسست في العام 2015 على يد علويين ومسيحيين، ومهمتها الترويج لنظام الأسد وإن بطريقة مغلفة بغلاف الوطنية والحرص على وحدة أبناء الوطن وسلامة أراضيه وجيشه، وهذا مثال على اللوبيات الداعمة لإجرام الأسد والمروجة له.

وهنا لابد من الإشارة لما بثته قناة إخبارية الأسد، وذكرت أنه تقرير لأطباء سويديين يتهم مؤسسة “الخوذ البيضاء” بقتل الأطفال، عن طريق حقنهم بالأدرينالين في القلب، ومن ثم تصويرهم على أنهم ضحايا القصف بالسارين، وهو ما يتنافى مع أبسط أخلاق وقواعد المهنة، فالخوذ البيضاء مؤسسة مهنية إنسانية مدعومة دولياً، مهمتها إسعاف وإنقاذ المصابين وانتشالهم من تحت الأنقاض التي يخلفها قصف طائرات روسيا والأسد الهمجي على المدنيين، ولا علاقة لها بعسكرة أو حرب أو فصائل مسلحة.

لئن كان تحرك لوبيات النظام وإيران ومشاركتهم في الإحتجاج على الضربة الأمريكية رغم محدوديتها مفهوما، إلا أن الغير مفهوم هو تأييد بعض الجهات العربية كصحيفة الشروق التونسية، وترويجها بشكل لا أخلاقي لرواية النظام القائلة بأن الطائرات قصفت مستودعا للمعارضة يحتوي على أسلحة كيميائية، ليتبعها بعض المحسوبين على التيار الليبرالي القومي “حركة الشعب” بمظاهرة تأييد لمجرم العصر، هذا التيار الذي اتخذت منه إيران مطية لتسويق مشاريعها في المنطقة العربية.

بعيدا عن الإحتجاجات على الضربة الأمريكية لمطار الشعيرات، فسنلاحظ أنه وبحسب الجيش الأمريكي فقد تم قصف المطار بتسعة وخمسون صاروخ توماهوك، لم تسفر سوى عن مقتل ستة عناصر، في حين أن كافة الصور التي بثت من المطار بعد الضربة لا تظهر الكثير من الدمار في حظائر الطائرات، أو برج المراقبة داخل المطار، الذي عاد للخدمة بعد يوم واحد من استهدافه.

من المفارقات العجيبة أن قنبلة أمريكية أو صاروخ توماهوك واحد يقتل العشرات من المدنيين في الموصل أو الرقة أو الطبقة أو دير الزور، بينما لم تقتل 59 صاروخ توماهوك سوى 6 من عناصر النظام، والسبب في ذلك أن الإدارة الأمريكية أبلغت الروس مسبقا بمكان وموعد العملية، وهذا مؤشر على عدم جدية ترامب في القيام بما من شأنه إسقاط الأسد أو معاقبته على جريمته النكراء بحق المدنيين العزل.

“ارفعوا أيديكم عن سورية” هي شعار الاحتجاجات التي نظمها “تحالف ويندسور للسلام” في كندا، التي أيد رئيس وزرائها “جاستن ترودو” الضربة الأمريكية، لكن تبقى المفارقة أننا لم نسمع من هذه المنظمات ولو كلمة إدانة أو تحرك رمزي ضد تدخل إيران وروسيا، ولا مطالبة بخروج الجيوش والميليشيات الشيعية من سورية، فهذه منظمات يهمها بالدرجة الأولى ألا تتورط دولها في نزاعات وحروب خارجية جديدة، على غرار ما حدث في العراق وأفغانستان، لكنها وفي المقابل ليست مهتمة بوقف القتل في سورية.

رغم التكلفة المالية الكبيرة لها “حوالي 93 مليون دولار” والضجة الإعلامية الكبيرة التي حظيت بها الضربة الأمريكية لمطار الشعيرات العسكري، الذي انطلق منه الهجوم على خان شيخون، إلا أنها بقيت محدودة واستعراضية حتى في توقيتها، حيث نفذت الضربة أثناء تناول ترامب للطعام مع نظيره الصيني، وهي ولا شك ستبقى كذلك مالم تتبعها خطوات أخرى وسريعة، وما يخشى منه فعلاً أن تكون هذه الضربة مجرد عقوبة لنظام الأسد على عدم تسليم كامل سلاحه الكيميائي، أو وسيلة لهروب ترامب من أزماته الداخلية وفضائح العلاقة مع روسيا التي تلاحقه وأركان إدارته، أو ربما وسيلة لتعزيز شعبيته المتآكلة داخلياً بينما هي ذر الرماد في عيون العرب والسوريين.

المصدر: أورينت نت

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

عندما استيقظ العالم فخلط بين سوريا والعراق

هيومن فويس: خليل المقداد "ارفعوا أيديكم عن سورية". و"أوقفوا التدخل في سورية واتركوا الشعب السوري يقرر مصيره بنفسه"."التدخل في سورية لن يوقف قتل الناس بل يقتلهم". "باسم الإنسانية نرفض قبول الفاشية الأمريكية". تحت هذه الشعارات نزل عشرات المتظاهرين إلى الشوارع في بعض المدن الأمريكية والبريطانية والكندية والبوليفية وحتى في مدن عربية رغم محدوديتها، كالعاصمة التونسية تونس والأردنية عمان وبني وليد في ليبيا. وكأن العالم النائم كان بحاجة لهزة توقظه من سباته الذي استمر لأكثر من ستة أعوام، عانى خلالها الشعب السوري ويلات الحرب والدمار والتهجير. "حتى أنت يا بروتوس" لسان حال الشعب السوري وهو يقرأ بيان حركة الشعب التونسية التي

Send this to a friend