هيومن فويس

لا أخفيكم سراً أنني أصبحت في الآونة الأخيرة أشعر بالرعب كلما فكرت بتقديم حلقة عن الثورة السورية بسبب ندرة الضيوف الجيدين الذين يمكن أن يقنعوا مناصري الثورة، فما بالك أن يقنعوا مؤيدي النظام.

صحيح أن هناك الكثير من الأصوات الإعلامية، لكن العبرة ليست أبداً في الكم، بل في الكيف، وقلما خرجت سعيداً من حلقة تعالج الثورة السورية، ففي أغلب الأحيان أخرج محبطاً من الأداء الهزيل للمدافعين عن الثورة، لا أنكر أن السوريين جميعاً لم يستطيعوا على مدى أربعة عقود من حكم آل الأسد أن يفتحوا أفواههم إلا عند طبيب الأسنان، لكن السنوات الست الأخيرة من عمر الثورة من المفترض أنها حررت الكثيرين، وجعلتهم ليس فقط طلقاء سياسياً، بل محترفين إعلامياً أيضاً.

لكن الحقيقة أن القادرين على المنافحة عن الثورة بلغة وبلاغة وأرقام وحقائق ومعلومات على الشاشات قلة قليلة للغاية، ومن المعيب أن نكررهم على التلفزيونات، فهذا يحرقهم إعلامياً من جهة، ويعطي انطباعاً أسوأ عن الثورة ذاتها.
لا تغرنكم العنتريات الفيسبوكية، فلطالما امتلأت صفحات الفيسبوك بمئات النشطاء الإعلاميين، لكن ليس كل من كتب على مواقع التواصل منشورات جميلة قادراً أن يظهر على وسائل الإعلام بنفس القوة.

شتان بين بوست فيسبوكي ومشاركة تلفزيونية أمام الملايين على الهواء مباشرة، لا شك أن هناك إعلاميين سوريين يكتبون بشكل رائع في فيسبوك وتويتر، لكن أين المتحدثون البارعون على الشاشات الذين يمكن أن يشعلوا الشارع بمجرد ظهورهم لساعة على الهواء في برنامج تلفزيوني؟ لا شك أنهم موجودون، لكن بعدد أصابع اليدين إن لم يكن أقل.

ونحن هنا لا ننتقص أبداً من قدر المبدعين على وسائل التواصل، فهم يدافعون بطريقتهم الخاصة، ويؤثرون تأثيراً عظيماً، وليس بالضرورة كل كاتب جيد أن يكون متحدثاً جيداً، والعكس صحيح.

ولطالما قرأنا كتباً رائعة لمفكرين وباحثين وكتاب مشهورين، لكن عندما شاهدناهم على الشاشات أصبنا بصدمة كبرى، وقد حدث ذلك معي مرات ومرات، فقد كنت أبحث ليل نهار عن هذا الكاتب أو المفكر العظيم كي يظهر معي على الشاشة، وعندما ظهر في البرنامج تمنيت لو ظللت أسمع بالمعيدي ولم أره.

سأحاول في السطور القليلة القادمة أن ألخص أساسيات اللعبة التلفزيونية لمن يريد أن يطور أداءه الإعلامي ويتوقف عن الأداء العشوائي، إن أول أساس يجب أن يمتلكه المتحدث الجيد هو اللغة الجيدة، فاللغة أداة تأثير وإقناع وتوصيل.
وهي تعطي صاحبها هيبة وبرستيجاً خاصاً، ولطالما تأثرنا بلغة المتحدثين حتى لو كان المضمون ضعيفاً، فما بالك عندما يكون ثرياً.

إن لمن البيان لسحراً بعبارة أخرى، فإن اللغة الجميلة تسحر الألباب، فأين الذين يسحرون المشاهدين والمستمعين بلغتهم الرائعة؟ وقد أظهرت دراسة دكتوراه جديدة من خلال بحث ميداني وعملي أن الأشخاص الذين يتحدثون على الشاشات بلغة عربية فصحى هم أكثر قدرة على الإقناع والتأثير والتوصيل حتى في أوساط العامة الذين لا يميزون الفعل من الفاعل أو الجار من المجرور.، بعبارة أخرى، حتى الجمهور العام يتأثر أكثر بكثير بالمتحدثين بلغة عربية قوية.

أما الأساس الثاني، فهو الثقافة والمعرفة والاطلاع والإلمام. وغالباً ما يتميز المتحدث الجيد عن غيره على الشاشات بثقافته العالية وتحضيره الجيد. إن أسوأ المتحدثين هم المغرورون الذين يظهرون على التلفزيونات دون تحضير جيد معتمدين على معلوماتهم القديمة، مهما كنت مثقفاً ومطلعاً يجب أن تقوم بالتحضير الجيد لكل ظهور جديد على الفضائيات.

ودائماً أستشهد أثناء دورات التدريب التي أقدمها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً في معهد الجزيرة للإعلام وغيره من المعاهد العربية والدولية أن بعض المتحدثين في الغرب يأخذ إجازة من العمل لمدة يومين لكي يحضّر لمقابلة طولها دقيقتان. طبعاً لا نطلب من متحدثينا أن يغيبوا عن عملهم لأيام، بل على الأقل لا بد أن يحضّروا جيداً قبل الظهور الإعلامي. ضعوا في أذهانكم دائماً أن الفشل في التحضير لأي شيء هو تحضير للفشل.

وأخيراً نأتي إلى الأساس الثالث والأخير، ألا وهي طريقة التوصيل أو ما يسمى بالانجليزية: “delivery system”
ونعني بذلك حركة الجسد والصوت والإلقاء والاستعراض، لا قيمة للغة الجيدة والثقافة الواسعة إذا لم يتمكن المتحدث من توصيلها بلغة جسد وصوت بارع.

بعبارة أخرى، ليس المهم أن تقول شيئاً، بل الأهم كيف تقوله. إن المتحدثين الخشبيين المتخشبين الأكاديميين يأخذون علامة الصفر على الشاشة، فالناس تهرب عادة من المحاضرات والدروس التعليمية في المدارس والجامعات، فما بالك أن يشاهدوها على الشاشات.

إن الأداء التلفزيوني يحتاج إلى الحركة والاستعراض والاستغلال الجيد للغة الجسد والوجه والعيون والصوت، ويجب أن يكون هناك لكل مقام مقال، فلا يمكن الحديث عن عمليات التعذيب مثلاً بلغة جسد ميتة وصوت هادئ سخيف، وكأنك تتحدث عن شرب الماء.
ولا تنسوا أن الحديث ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الكلمة، والصوت، والحركة. فالكلمة تأخذ سبعة بالمائة فقط من الأهمية، والصوت ثمانية وثلاثين بالمائة، والحركة خمسة وخمسين بالمائة، وذلك حسب أحدث الدراسات الإعلامية الأمريكية.

وتؤكد الدراسات أن الأشخاص الذين يتحدثون بحركة جسد ووجه وعيون بارعة غالباً ما يكونون أكثر تأثيراً وإقناعاً. ومن جهتي أعتقد أن الكلمة جداً مهمة في الحديث، لكن يجب أن ترافقها حركة جسد مناسبة وإلا فقدت الكلمة تأثيرها. ولا ننسى أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان إذا تحدث تلوّن صوته، واحمر وجهه كأنه منذر حرب. العبرة إذاً في الحيوية. ولا قيمة لمتحدث تعوزه الحيوية والحماس، فلا يمكن أن تقنع أحداً بشي لا تبدو أنت مقتنعاً أو متحمساً له.

هل فكرت الهيئات السياسية المنبثقة عن الثورة السورية ذات يوم بتدريب كوادر إعلامية خاصة حسب المعايير الإعلامية الحديثة للظهور على الشاشات، أم إنها تعمل بميدأ: يا ربي تجي بعينو؟

المصدر: أورينت نت: د. فيصل القاسم

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

أيها المدافعون عن الثورة تعلموا أبجديات الإعلام

هيومن فويس لا أخفيكم سراً أنني أصبحت في الآونة الأخيرة أشعر بالرعب كلما فكرت بتقديم حلقة عن الثورة السورية بسبب ندرة الضيوف الجيدين الذين يمكن أن يقنعوا مناصري الثورة، فما بالك أن يقنعوا مؤيدي النظام. صحيح أن هناك الكثير من الأصوات الإعلامية، لكن العبرة ليست أبداً في الكم، بل في الكيف، وقلما خرجت سعيداً من حلقة تعالج الثورة السورية، ففي أغلب الأحيان أخرج محبطاً من الأداء الهزيل للمدافعين عن الثورة، لا أنكر أن السوريين جميعاً لم يستطيعوا على مدى أربعة عقود من حكم آل الأسد أن يفتحوا أفواههم إلا عند طبيب الأسنان، لكن السنوات الست الأخيرة من عمر الثورة من

Send this to a friend