هيومن فويس: خليل المقداد

في نقاش مع مجموعة من النخب السورية، أواخر العام 2011، سألني أحدهم عن توقعاتي بشأن المدة التي ستحتاجها الثورة لإسقاط النظام، كان ردي مباشراً ومقتضباً وكالآتي: “في حال وقفت معنا الدول الكبرى أو سمحت لنا بإسقاطه، فإننا قد نحتاج لستة أشهر”، ثم سألني آخر وإذا لم يحدث هذا، فأجبت ربما سيحتاج الأمر لسنين.

عند التصدي لقضايا مصيرية فان الواجب يحتم علينا التحدث بصراحة ووضع الإصبع على الجرح، وأنا لم أبالغ حينها، فقد كان المشهد واضحاً لكل ذي عين بصيرة، تصريحات أمريكية جوفاء عن فقدان الأسد لشرعية حكمه، دون إتخاذ أي إجراء عملي رادع يكف يده عن قتل وإعتقال وقمع المتظاهرين السلميين، لقد كان المشهد قاتماً جداً، لم تطلق حينها رصاصة واحدة دفاعاً عن النفس، كان المتظاهرون يحملون الزهور ويرفعون شعارات تؤكد على وحدة السوريين بكافة أطيافهم الدينية والعرقية، في المقابل كان تجاوب تلك الأطياف بارداً ولا يرتقي لمستوى الحدث، رغم أن المطالب إنحصرت في الديموقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، التي يمكن إعتبارها حقوقاً أساسية لأي مجتمع، ومن المفترض أنها تجمع ولا تفرق، لم يكن هناك أي شعارات طائفية.

قد يستغرب البعض السبب في عدم تجاوب (الأقليات) مع الثورة، رغم سلميتها، لكن يمكن إرجاع السبب في ذلك لعدة أمور أهمها: سلسلة التحالفات الدينية والمالية والإقتصادية التي عقدها النظام والتي منعت تشكل حالة عصيان مدني، سيطرة النظام المطلقة على مراكز صنع القرار لدى الأقليات والفعاليات المجتمعية وربط مصالحها به، القبضة الحديدية للنظام والقمع الذي مارسته أجهزته الأمنية، بحق كل من شكت في إنتمائه للثورة أو دعمها، وتركيزه على فعاليات المجتمع المدني، إضافة لتأخر إلتحاق عدد من المدن الرئيسية بالثورة كدمشق وحلب، ما تسبب في خسارة زخم كان يمكن أن يهز أركان الحكم فيسرع سقوطه.

مع نهاية العام 2011 كانت الثورة قد بدأت تتحول لثورة مسلحة دفاعاً عن النفس في وجه الإجرام والقمع الذي مارسه النظام بحق السوريين، فقد كان يقتل ويسرب مشاهد القتل والتعذيب تخويفا وترهيبا، وكان يعتقل حتى أقرباء الشخص المطلوب كي يسلم نفسه، كان الإبتزاز على أشده، فانتهكت الأعراض والحرمات، الأمر الذي فاقم نقمة الشعب الثائر وغضبه، خاصة بعد أن أيقن أن العالم قد تركه وحيداً في مواجهة أعتى نظام إجرامي عرفه التاريخ، حينها بدأ السوريين يطالبون العرب والمسلمين بنجدته.

مرت الشهور الأولى دون أن تتمكن المعارضة التي تهافتت على تركيا من كل حدب وصوب، من إنتاج كيان سياسي يمثل الثورة، ولم تستطع أن ترقى لمستوى ما يبذله الشعب الثائر من تضحيات، ولم تلتفت لصبره وإصراره، فالاستقطاب كان على أشده والصراع بين الطامحين لتمثيل الثورة كان في أبشع صوره، في نهاية المطاف نجحت جماعة الإخوان المسلمين، رويداً رويداً في إحكام قبضتها على كل ماله علاقة بالثورة، التي تم إلباسها العباءة الدينية ولأول مرة.

في هذا الوقت كان تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين أرسل أولى مجموعاته المقاتلة إلى سورية فانتشرت في طول البلاد وعرضها وبدأت رحلة البحث عن حواضن شعبية تؤمن لها انطلاقتها، فنجحت في أماكن وفشلت في أخرى، كان الجهاديون يتدفقون إلى سورية بكل يسر وسهولة، وكان تهريب السلاح يتم عبر الحدود الأردنية واللبنانية والعراقية، ويصل بعضه كمساعدات من ثوار ليبيا عبر تركيا، النظام نفسه شارك في هذه التجارة. لقد كانت الخطة تقتضي تحويل الثورة إلى مسلحة وإعطائها الصفة الدينية، وصولا إلى شيطنتها وإلصاق تهمة الإرهاب بها، ما يسهل عملية القضاء عليها.

بعض الجهات لم تستخدم ما حصلت عليه من سلاح، بل كانت تخزنه وتشتري ولاء الكتائب المسلحة بانتظار سقوط النظام!

في العام 2012 أخذت المعارك تشتد، وبدأت بصمات الجماعات الجهادية (جبهة النصرة) تظهر على الساحة من خلال العمليات الإستشهادية والتفجيرات التي تنفذها، ومع هذا تحاشى النظام إستهداف مراكز ومستودعات هذه المجموعات بشكل مباشر وقوي، كان يريد لها أن تقوى ويشتد عودها وصولاً إلى استثمار ظهورها على الساحة السورية، فقد أدى عدم استهدافه لها لإعطاء الإنطباع داخلياً بأن هذه الجماعات هي صنيعة النظام، في حين أنه كان يحرص على تضخيم حجم هذه الجماعات أمام الخارج، لقد وصل الأمر حداً أن جبهة النصرة كانت تحصل على حصتها من الدعم العسكري الذي تقدمه المجالس العسكرية ولاحقاً هيئة الأركان وغرف العمليات لكتائب الجيش الحر خاصة في الجبهة الجنوبية.

مع نهاية العام 2012 كان نظام الأسد يترنح وبات آيلا للسقوط في أية لحظة، وهذا باعتراف الجنرال الإيراني المقتول في سورية “حسين همداني” في مذكراته، وهو ما ساعد إيران على إحكام قبضتها بشكل نهائي على مقاليد الحكم في سورية، من خلال الميليشيات التي صنَّعتها إيران وزجت بها في الحرب على الشعب السوري، نظام الأسد لم يكن لديه ما يخسره فسلم الأمر لإيران وحزب الله.

لقد نجحت القوى الإقليمية والدولية في إستدراج جبهة النصرة بعيداً عن قيادتها العراقية، ما أدى لإحداث وقيعة بينهما في العام 2013، تطورت لحرب إستنزاف طاحنة فتحت الباب أمام إقتتال فصائلي وتدخل إقليمي ودولي، استقطب فصائل الجيش الحر، وبات يرسم لها أهدافها ويتحكم بقرارها، من خلال غرفتا الموم في تركيا والموك في الأردن، وهو أدى لحرف بوصلة هذ الفصائل عن هدفها المتمثل بإسقاط النظام.

في العراق كانت الصورة لا تقل قتامة ودموية عن سورية، فقد نجحت ممارسات مالكي إيران القمعية والطائفية، بحشر سنة العراق في الزاوية ودفعهم لحضن تنظيم القاعدة، خاصة بعد فض الاعتصامات المدنية السلمية بقوة السلاح، لتشكل فصائل المقاومة العراقية مع تنظيم القاعدة ما بات يعرف لاحقا باسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” بعد أن نجحت في استخلاص الموصل من يد الجيش العراقي ذو الصبغة الشيعية الذي ذاق الموصليون الأمرين على يديه.

تشكل التحالف الدولي على عجل وخلال أسابيع قليلة من سيطرة تحالف المقاومة مع تنظيم “الدولة الإسلامية” على الموصل بتاريخ 10\\6\\2014 وتهديدها لإقليم كردستان العراق، والخشية من الزحف على بغداد، لتأخذ الحرب في المنطقة طابعها الأممي، الذي أفرزه تمدد التنظيم في سورية والعراق ومناطق أخرى عديدة من أسيا وإفريقيا وحتى القوقاز، حيث قام بحملات دعائية لإستقطاب الراغبين في الجهاد، ليبدأ هؤلاء بالتقاطر على المنطقة جماعاتٍ وأفراد.

لقد كان للتمدد السريع الذي أحرزه التنظيم في سورية والعراق فعل السحر على شريحة واسعة من الشباب المسلم حول العالم.

تمدد التنظيم وتحوُّله لدولة مركزية في سورية والعراق ونجاحه في تمويل نفسه ذاتيا من خلال النفط والتجارة والرسوم، وإتخاذه شعار “باقية وتتمدد”، شكل مصدر رعب ليس فقط لدول المنطقة والغرب، بل وحتى للفصائل السورية التي رأت فيه تهديداً وجودياً عليها، لكنها ومع ذلك فشلت في إيجاد جسم عسكري ثوري واحد يضم شتات شعثها، فبقيت مشرذمة متفرقة يأكل فيها القوي الضعيف، لتزداد معاناتها مع دخول بعض فصائلها في صراع مع جبهة النصرة التي أنهت وجود عدد منها، كـ “حركة حزم”، و”جبهة ثوار سورية” و”ألوية الأنصار” و”جبهة حق المقاتلة”.

صحيح أن أصدقاء الشعب السوري كانوا في معظمهم اعداءً للشعب، إلا أن شراء تنظيم الدولة المجاني لعداء العالم من خلال مشاهد الذبح ووسائل الإعدام الغريبة، سهلت عملية الحشد ضده، في حين أن إنشقاق جبهة النصرة عنه ساهم بشكل او بآخر بتعزيز تطرفه وعدوانيته تجاه الفصائل التي توحدت على قتاله.

لقد كان واضحا ومنذ البداية، عدم وجود رغبة دولية بتوحيد المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري، لأن ذلك سيعني بالمحصلة إسقاط منظومة الحكم التي نجحت في تحصين نفسها من خلال سلسلة تفاهمات مع الكيان الصهيوني الذي كان له الفضل في حمايتها، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، سنجد أن المحاصصة وتعدد الولاءات والإرتهان تماما للدعم الخارجي، جميعها عوامل لعبت دوراً كبيراً في تكريس التشرذم.

صودر قرار المعارضة، وأصبحت عاجزة عن فرض نفسها كممثل ثوري، ولم تعد قادرة على تحقيق أي من مطالب الثورة المتمثلة بإسقاط منظومة الحكم الأسدي، بل على العكس من ذلك أصبحت أداة لشرعنة وجوده من خلال تسويات سياسة مذله، فرضت العدو المحتل روسيا وإيران كوسطاء ضامنون للهدن والتسويات٬ ورعاة لما يجري من مفاوضات عبثية لم تنجح حتى في إطلاق سراح معتقل، ولا فك حصار عن منطقة حي محاصر.

لقد كان للدور الهدام الذي ماسه ما يسمى “ائتلاف الثورة والمعارضة” أثراً كبيراً في الحال التي وصلنا إليها، ففشل في النهوض بدوره المفترض وانحصرت أهداف أعضائه على جني المكاسب والاستئثار بالسلطة، فترة رئاسة الجربا كانت الأسوأ كونه جير الدعم المقدم للائتلاف لمصالح ومآرب شخصية تمثلت في شراء الولاءات وتشكيل كيان مسلح تابع له إضافة لإنشاء حزب خاص به “سوريا الغد” عدا عن تحالفه مع وحدات صالح مسلم، تحالفه مع الروس ومغازلته للكيان الصهيوني.

لقد فَرَّطت المعارضة بمطلب إسقاط النظام، وبات جُلُ همها ينحصر بمجرد التوصل لتسوية معه.

التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية أواخر الشهر التاسع من العام 2015، شكل إحدى أهم محطات تفكيك الثورة السورية، ونسف ما تحقق من إنجازات السنتين الأوليين من عمر الثورة، فقد أثر سلباً وبشكل كبير على سير العمليات العسكرية، وأخرج نظام الأسد من غرفة الإنعاش٬ وأدخل فيها فصائل المعارضة بدلاً عنه٬ فقد انعدمت خياراتها بشكل شبه تام، حتى إن بعضها بات محسوباً على روسيا، التي لازال البعض يعتبرها وسيطا وضامناً، يلبي دعواتها للحوار كلياً أو جزئيا كما حدث في أستانا 3.

التهجير كان هو السمة الطاغية على المشهد خلال العام المنصرم 2016 وبدايات العام الحالي 2017، حيث أصبحت الباصات الخضراء أبرز عناوين المرحلة، وبات التهجير مرتبطاً إرتباطاً مباشراً بالمفاوضات، التي كنا نخسر منطقة أو مدينة بعد كل جولة منها، فخسرنا حلب أهم وأكبر حواضن الثورة السورية، ليلحق بها حي الوعر الحمصي، الذي تزامن تهجير سكانه مع ذكرى انطلاق الثورة السورية٬ ويالها من مفارقة مؤلمة.

عملية درع الفرات التي أتت عقب التقارب التركي – الروسي، كانت أيضاً محطة هامة في تاريخ ثورتنا، فقد رسمت ملامح مرحلة جديدة، عنوانها تدخل تركي بموافقة روسية – أمريكية، لكنه تدخل بحدود مرسومه، هدفه ضمان الأمن القومي التركي٬ وتأمين إقامة مناطق آمنة في حال إقتضت الضرورة وتم التوافق عليها دولياً٬ وصحيح أن درع الفرات نجحت في ضرب مشروع الدولة الكردية، إلا أنها لم تستطع تجاوز مدينة الباب باتجاه مدينتي منبج والرقة. لكنها أسست وبرعاية روسية لتنسيق عسكري عملياتي مع نظام الأسد، وإن بصورة محدودة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، الذي تم إخراجه من الباب بدعم جوي روسي أمريكي.

الإقتتال الفصائلي كان محطة على طريق تفكيك الثورة، كونه من أكثر الفصول دموية وإيلاماً، فكل فصيل كان يسعى لفرض أجندته ورؤيته على الثورة وشعبها، ولم يجعلوا من إسقاط النظام أولوية توحدهم، وهو ما يمكن اعتباره استهتارا بدماء وتضحيات السوريين.

سيطرة أجهزة المخابرات الإقليمية والدولية على قرار الفصائل، حرم الجبهات من فتح معارك أو إرسال مؤازرات يمكنها تشتيت واستنزاف قوة العدو، فكانت كل جبهة تخوض معاركها لوحدها وبشكل منفصل عن بقية الجبهات، فحتى في أصعب الأوقات وأشدها كانت بعض الفصائل، تكتفي بإطلاق بضعة قذائف أو تعلن عن فتح معركة وهمية، نصرة لهذه المنطقة أو تلك لكنها في الحقيقة كانت رفعاً للعتب وذراً للرماد في العيون، فخسرنا المحرر من الأرض وتعمق الشرخ وانعدمت الثقة بين المعارضة والشعب الثائر.

من غير المتوقع أن تنتهي الأزمة قريباً، بل على العكس من ذلك فإن الوضع يزداد تعقيدا يوما بعد يوم، فحتى نجاح معركة دمشق التي أعلنت عنها بعض الفصائل في إحداث إختراق ما، لن يكتب لها النجاح مالم تتحرك بقية الجبهات لتشارك في المعركة الكبرى، التي لا غنى عنها في حال أرادت الفصائل فعلا إسقاط النظام، فهي الحل الوحيد لتوفير الوقت والدماء والدمار المستمر منذ ستة أعوام.

المصدر: أورينت نت

جميع الآراء تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

في ذكراها السادسة محطات هامة في مخطط تفكيك الثورة السورية

هيومن فويس: خليل المقداد في نقاش مع مجموعة من النخب السورية، أواخر العام 2011، سألني أحدهم عن توقعاتي بشأن المدة التي ستحتاجها الثورة لإسقاط النظام، كان ردي مباشراً ومقتضباً وكالآتي: "في حال وقفت معنا الدول الكبرى أو سمحت لنا بإسقاطه، فإننا قد نحتاج لستة أشهر"، ثم سألني آخر وإذا لم يحدث هذا، فأجبت ربما سيحتاج الأمر لسنين. عند التصدي لقضايا مصيرية فان الواجب يحتم علينا التحدث بصراحة ووضع الإصبع على الجرح، وأنا لم أبالغ حينها، فقد كان المشهد واضحاً لكل ذي عين بصيرة، تصريحات أمريكية جوفاء عن فقدان الأسد لشرعية حكمه، دون إتخاذ أي إجراء عملي رادع يكف يده عن

Send this to a friend