هيومن فويس: نجيب أبو الفخر

لم يعد بإمكان أحد أن ينكر التعقيد الذي وصلت إليه الحالة السورية بسبب تداخل مصالح الدول المؤثرة فيها بعد أن تشعبت وتمددت إقليميا ودوليا ، فباتت مقايضة المواقف الدولية في سوريا عابرة لقارات أخرى حيث تتم توليفات المصالح الدولية المتضاربة لحساب أو على حساب المصالح الدولية في سوريا ، ليست المصالح في شبه جزيرة القرم أولها ، كما لم يكن الإتفاق النووي الإيراني آخرها ، كما لن ينتهي الأمر عند ملف اليمن أو ليبيا أو حتى السودان الذي يستعد لرفع العقوبات عنه في الأشهر القادمة.

منذ أعوام كان جميع السوريين يتنكّرون لفاعلية المصالح الدولية في الشأن السوري فلا النظام يعترف بفاعلية الدور الإيراني والروسي لمصلحته واللذان باتا يتصرفان بالملف السوري تصرّف الصاحب وليس الداعم، ولا ممثلي المعارضة يعترفون بأي دور دولي يتحكم في تحركاتهم وقراراتهم وحتى في معاركهم ..

إلا أن كل هذا الإنكار، لم يعد ممكنا اليوم، لأن حرارة المصالح الدولية، قد صهرت كل غلاف يخفي حقيقة ما تحتها وبات اللعب على المكشوف هو القانون الذي يتحكم بالمعادلات كلها اليوم.

ورغم أن بعض الدول لا تزال تلجأ إلى المواربة في بعض التفاصيل، إلا أن القواعد بشكل عام باتت واضحة للعيان، ولن يغيّر إنكار المصالح في النتيجة من شيء..  الشيء الوحيد الذي لم ولن يتغيّر، هو أن الوطن السوري وحده الذي يدمّر، والسوريّون هم الذين يُقتلون ويشّردون، ويدفعون الثمن الأغلى لكل تأخير في الحلول، ويخسرون آلاف الأرواح والأحلام بين كل انتظار لجلسة مباحثات، وجلسة أخرى، فالوقت في التقويم السوري عدّاده من أرواح بريئة وكثير من الخراب على كل المستويات.

منذ بدايات الثورة في عام 2011 ، كان رد النظام على المطالب الشعبية ، قاسيا ، بل ومفرطاً في العنف والقسوة ، ورفع لأجل تأكيد إمعانه في تعمّد الحلول العسكرية شعاره المشهور ( الأسد أو نحرق البلد ) ، هذا الشعار الذي كنّا جميعا نظنّه مبالغةً في الإنشاء وتخويفٍ من ما هو قادم ، فالزمن في ذلك اليوم ، كان يبدو لنا أنه زمن مغاير ، وخصوصا أن القذافي كمثال ، واجه عاقبة وخيمة من المجتمع الدولي نتيجة دخوله في الرد العنفي على مظاهرات بنغازي.

وكانت الجهود الدولية تبدو جدية في التعامل مع علي عبد الله صالح في اليمن ، ولم نرى قبل ذلك  في رحيل زين العابدين بن علي في تونس وتنحي حسني مبارك في مصر ، إلا مقدماتٍ منطقية لتغيير شامل في أنظمة المنطقة العربية الشمولية برمتها !! لكننا لم نتوقع أبدا أن يصل التغيير إلى حدود سوريا ليقف عندها ، ولم نكن نتوقّع أبدا ، ثقل المصالح الإقليمية والدولية في المنطقة وتقاطعها مع مصالح حكام عرب كُثُر.

في وقف تمدد ثورات الربيع العربي بأي ثمن ، لكي لا تطال عروش من شعروا بتطاير شرر إرادة التغيير العربية إلى داخل حدود دولهم آنذاك ، بالمختصر ، نحن لم ننجح في قراءة احتمالات أن تغييرا مفاجئا قد طرأ على ريح التغيير بذاتها ، حتى أصبح الشعار الذي رفعه النظام عاليا مهددا بحرق البلد ، هو منهج العمل الوحيد الذي اعتمده على امتداد الأرض السورية في وجه كل من رفع صوته مناديا بالحريّة ، وأصبحت التصريحات الدولية النارية التي وقفت في وقت سابق في وجه طغيان القذافي ، مجرد بروتوكولات كلامية ، تُقال في كل مناسبة ، ولا تتعدى البرستيج السياسي لمعظم قادة العالم . ومع تفاقم القسوة في تعامل النظام مع المدن الثائرة ليصل إلى القصف الجوي والصاروخي لأحياء مأهولة برمتها ، بدأت تُسمع من ضمن عبارات التخدير الدولي لكل من ناصر الثورة السورية عبارة – حظر الطيران –  لتصبح مادة كلامية تطالب بها المعارضة في تصريحاتها وتلميحاتها ويدعمها المجتمع الدولي في تصريحاته فقط ويحيلها للدراسة فيما يثابر النظام على قصفه الممنهج للمناطق السكنية المأهولة بالسوريين ، فيدمر عشرات المساكن فوق رؤوس سكانها ، بذريعة وجود عدة مسلحين بينها . وعلى هذا المنوال جرى تدمير المدن السورية الثائرة أشهرا طويلة من انتظارتحقيق مشروع ( الحظر الجوي) في السماء السوريّة .

من مشروع حظر الطيران إلى مشروع المناطق الآمنة :

كانت تركيا التي احتوت أكبر موجة نزوح سورية بلغت في ذروتها الثلاثة ملايين ونصف مليون سوري ، من أول الدول التي طالبت بإنشاء مناطق آمنة للسوريين ، خصوصا أنها تلمّست بشدة عجز المجتمع الدولي عن إنتاج قرار موحد يفرض حظرا للطيران في السماء السوريّة.

وأدركت أن هناك أطراف دولية من الذين يملكون حق الفيتو يعرقلون باستمرار أي عنوان قد يساهم في تقييد يد النظام في وجه خصومه وخصوصا بعد أن تنامت موجات الإرهاب في سوريا ، التي باتت مقصدا لكل المتشددين التكفيريين في العالم الإسلامي.

لدرجة أنها أصبحت ذريعة قوية يملكها أنصار النظام في وجه كل خصومه ، حتى لو كانوا على حق ، لهذا طرحت تركيا مشروع المناطق الآمنة كعنوان لا يحمل استعداءا سياسيا لأحد ، لكنه يخفف من معاناة السوريين المدنيين الذين تم تهجيرهم من منازلهم ، ويخفف بالتالي من ضغط موجات النزوح واللجوء داخل سوريا وإلى خارجها.

ودعمت هذا المشروع ديبلوماسيا في كل المحافل الدولية ، وخصوصا تلك المتعلقة بمناقشات أزمة اللاجئين السوريين ، لكن المجتمع الدولي ، كان متراخيا في التعامل الجدي مع هذا المشروع ، ربما لأن معظم الدول يعرف أن الفيتو ينتظر في مجلس الأمن ، وربما لأنها متخوفة جدا من المساهمة بأي طريقة من الطرق بتوفير بيئة آمنة قد تستخدم لاحقا لتفريخ الإرهاب أو مساعدة الإرهابيين على إعادة تنظيم صفوفهم داخل مثل هذه المناطق !! وعدا عن ذلك ، وهذا سبب مهم لا يمكن التنكّر له أبدا ولا التقليل من شأنه ، أن معظم السوريين الذين وصلوا إلى جنّات بلاد اللجوء ، كانوا يتخوفون من تحقيق فكرة المناطق الآمنة في سوريا حتى لا تكون سببا في إعادة إرسالهم إليها وترك بلاد النعيم في الغرب المرفّه.

لهذا فقد قام بعضهم بتنظيم الحملات والندوات لمحاربة فكرة المناطق الآمنة والتركيز على مخاطرها دوليا وإقليميا ومحليا، لدفع المجتمعات في الدول التي يعيشون فيها لتبني رفضهم لها والضغط بالتالي على حكوماتهم لممارسة هذا الرفض، وربما لا نجافي العدالة إذا قلنا أن معظم هذه الأنشطة التي قام بها هذا البعض من اللاجئين كانت مسيسة ومدعومة من أجندة النظام وحلفاءه أنفسهم.

وبالنتيجة فقد استمر تزايد ذرائع المجتمع الدولي .. وبقيت تركيا وحدها تطالب وتدعم هذا المشروع مع بعض الأصوات الحليفة ، إلا أن المشروع لم يرَ النور أبدا حتى تاريخه .

ما الذي تغيّر لتطفو المناطق الآمنة من جديد كمشروع على السطح :

على الصعيد الإقليمي كان للتقارب الروسي – التركي  كبير الأثر في إنعاش مشروع المناطق الآمنة ، فتركيا لديها الكثير من الأوراق الضاغطة في سوريا وبالمقابل لديها الكثير من المخاوف على أمنها الإقليمي والقومي خصوصا بما يتعلق بملف حزب العمال الكردستاني وحلفاءه ، والذي يتم تسويقه إعلاميا على أنه مخاوف من ملف الأكراد !! خلافا للواقع ، لأن تركيا ليست لديها أية مشكلة مع الأكراد ، فأكثر من ُخمس عدد سكانها منهم وهم موجودون في أهم مفاصل الدولة التركية الحالية ، مشكلتها فقط مع مشروع حزب العمال الكردستاني الإنفصالي ومنتجاته وحلفاءه ، ومن جهة ثانية هناك تداخل ديمغرافي تركي سوري متبادل بين ثلاثة مكونات أساسية:

التركمان والعلويين والأكراد وهذا التداخل يفرض عليها التعامل بحذر شديد مع الملف السوري والتحسّب لكل المخاطر المحتملة في حال انفلت أي عقال من مكانه ، وهو ذات التحسّب الذي دفع تركيا للحصول على أوراق ضاغطة في الملف السوري ، وهي ذات الأوراق التي تحتاج روسيا لها في مشروعها القائم على استعادة ضبط سوريا مجددا ، إلا أن كل ذلك وحده لا يشكل المصالح الوحيدة بين البلدين.

وربما من دقيق القول أن مشروع خط غاز السيل التركي من روسيا وحده يضاهي كل مصالح البلدين مجتمعة في سوريا ، ومع هذا فإن ارتفاع مستوى التفاهم والتنسيق في سوريا بين تركيا وروسيا سيساعد في ضبط أي مشروع للمستقبل السوري نظرا لما تتمتع به كل من البلدين من نفوذ فاعل في الملف السوري بكل تناقضاته.

من هنا تماما ، ونتيجة لهذه التفاهمات بدأ مشروع درع الفرات والذي يعتبر المشروع التمهيدي لإنشاء أول منطقة آمنة في سوريا ، ومع أنه بدأ على يد فصائل المعارضة المعتدلة إلا أن أحدا لا يمكنه إنكار الدور التركي الحيوي الداعم لتقدمه ونجاحه وتثبيته أيضا ، وبهذا يمكننا القول بشكل حاسم أن تركيا قد دخلت عملية درع الفرات من بوابة تنسيقها مع الروس وليس من أية بوابة دولية أخرى ، حتى البوابّة الأمريكية ذاتها  .

على الصعيد العالمي فإن لِصعود دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية الأثر الأساسي في عودة ظهور ملف المناطق الآمنة في سوريا على سطح الملفات المعنية بمعالجة القضية السورية ، وإن كان طرح ترامب لها ليس قريبا من معالجة الأزمة السورية بحد ذاتها بقدر ما هو متعلق بمقترحاته للحلول التنفيذية لأزمة اللاجئين ذاتها في سوريا وغيرها و منعكساتها على العالم المتمدن أجمع ، فإنه إن كان جديا فعلا ، فيجب أن لا يتم إهمال مناقشته بمسؤولية عالية من قِبَلِ السوريين أنفسهم أولا ومن ثم مع شركائهم وداعميهم لكي لا يكون سلبيات هذا المشروع أكثر من إيجابياته ، وكي لا يكون مشروعا يراعي كل مصالح دول العالم ولا يعود بالنفع أبدا على السوريين .

ترامب شئنا أم أبينا هو رئيس جديد منتخب بأغلبية ساحقة  للولايات المتحدة بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، جديد شكلا ومضمونا وسياسة وأصلا ومستوى ولغةً ونهجا ، هو رجل أعمال وليس رجل سياسة ، وبالتالي هو أكثر العارفين من أين تؤكل الكتف ، وقد تبنى شعارا لا يحتمل التأويل : لكي تعود أمريكا عظيمة ! ولكي يثبت هذا الشعار هو بحاجة لتفعيل السلوك الأمريكي الذي يصب بهذا الاتجاه في كل تفصيل يواجهه ، ويثبت جدارته بحمل هذا الشعار ، وهو بالتالي ولأجل ذلك قد لا يأبه لأي فيتو في مجلس الأمن ، وقد لا يعنيه مجلس الأمن برمته ، لأنه يتحدث اليوم من مكتبه ويتخذ قراراته ويوعز لمسؤوليه بالبدء بالتنفيذ على المستوى الدولي حتى دون أن يذكر كلمة واحدة تتعلق بالمؤسسات الدولية برمتها.

لكل هذا وسبق فإن غالبية زعماء العالم وخصوصا النافذين في الملفات السورية يتحاشون التصادم مع رغبات ترامب وربما من العملي أن نذكر في موضوع المناطق الآمنة الذي نبحث فيه أن تصريحات ترامب وطلباته لمسؤوليه لدراسة مقترحات حول انشاء المناطق الآمنة في سوريا خلال تسعين يوما، كانت كافية لفتح سيل التصريحات الدولية المرحبة بالمشروع حتى أن روسيا نفسها رفعت تحفّظها عنه بعد أن اشترطت موافقة النظام في سوريا.

وطبعا هي تضمن موافقته مسبقا، على النحو الذي حدث حين ألزمته باتفاقها مع تركيا لعدم التعرض بالمطلق لعمليات مشروع درع الفرات.

بالمختصر فإن ترامب لا يأبه لأحد وقد رأينا خلال كل الحملات العالمية التي وقفت ضده بسبب موقفه من اللاجئين كيف أنه تجاوز كل ذلك بعبارتين قالهما علنا للشعب الأمريكي ، : إن على الدول التي تتهكم علينا لأننا لا نريد استقبال المزيد من  اللاجئين أن تفتح أبوابها لهم وخصوصا الدول العربية الغنية القريبة منهم ، والعبارة الثانية : لا يحق لأحد انتخبني لأجل هدف أن تعود أمريكا عظيمة أن يطالبني بوضع المزيد من الإلتزامات على كاهل أمريكا ، وخصوصا تلك التي لا تعود بالنفع على الشعب الأمريكي مباشرة.

.. هاتان العبارتان  تصدرتا كل وسائل الإعلام الأمريكي لتقلب كل التحريضات ضده لمصلحته ولهذا فهو يعرف ما يفعل ومستمر بذلك لطالما بقي رئيسا حيّا .

ماهية مشروع المناطق الآمنة:

يقوم مشروع المناطق الآمنة على نقطتين : الأولى هي إشراك جميع القوى الإقليمية وخصوصا الدول المتأثرة بموجات اللجوء السوري في تحمّل مسؤولية متابعة الحل الجزئي لأنها المستفيد الأول من تخفيف الضغط عنها ، والثانية هي:  تخصيص جزء من مساحة سوريا محدود المساحة وواضح الحدود على أن يكون ذو تماس واسع مع حدود دولة مجاورة لتحييده عن النزاع المسلّح في سوريا بكل أشكاله ، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية ومستلزمات الحياة البشرية إليه ، على أن يقع تحت إدارة مدنية وإشراف مباشر وحماية مباشرة من الدولة المجاورة له ومراقبة دولية  لفترة مؤقتة تمتد من سبعة إلى عشرة أعوام قابلة للتجديد حسب واقع الحال في الدولة ككل .

من هذا التعريف يمكن لنا أن نستشف النقاط الخلافية الأساسية حول المناطق الآمنة :

فيما عدا مسألة السيادة على الأرض ، هل ستعتبر المناطق الآمنة محمية أممية أم تابعة لسيادة الدولة الحامية والمشرفة ؟ وهي مسائل يحلها القانون الدولي إلا أن هناك نقاطا تتعلق بإدارة هذه المناطق

 أولها :  إتساع المساحة المخصصة كمنطقة آمنة بحد ذاته ، وثانيها : النقاط الحدودية ضمن سوريا ، ومع الدولة المجاورة ، هل ستأخذ شكل معابر حدودية رسمية ؟ هل ستتضمن نقاط ومراكز جمركية ؟ ما طبيعة عمل حرس الحدود في محيطها ، هل ذو طبيعة عسكرية أو نقاط مراقبة أو مخافر شرطية ؟ وثالثها : من هي الجهة المدنية التي ستدير العمل على هذه المناطق ؟ الحكومة المؤقتة المنبثقة عن الإئتلاف ؟ أم مجالس محلية منتخبة من أهالي المدن والبلدات الواقعة ضمنها ؟ تحت إشراف دولي ؟ ورابعها : إلى أي قانون ستخضع المناطق الآمنة : القانون السوري؟ أو قانون الدولة المشرفة ؟ وخامسها : من هي الجهة التي ستتولى الأمن داخل المنطقة الآمنة ؟ : الجيش الحر؟ أم شرطة تابعة للحكومة المؤقتة ؟ أم شرطة تابعة للدولة المشرفة ؟ وسادسها : هل ستكون المناطق الآمنة منزوعة السلاح تماما حتى لا تعطي ذريعة لأي طرف بشن هجوم عليها بحجة الرد على مصادر نارية ، أم أن السلاح الفردي فقط مسموح فيها ؟

وسابعها : ما حكم الوقائع والحالات التي تحدث على أرضها كالولادات والوفيات والحوادث ؟ أين سيتم تسجيلها ، وما القواعد التي ستحكمها وما هي قوة الوثائق الصادرة منها  وحدود صلاحياتها ؟ كجوازات السفر مثلا وشهادات التعليم وعقود الزواج وغيرها  ؟  كل هذه النقاط وغيرها هي نقاط خلافية إشكالية عند كل جلسة جدية لمناقشة طبيعة المناطق الآمنة . وربما لو عرفنا أن أقوى ورقة على الطاولة حاليا هي التي تحمل جوابا لكل هذه التساؤلات ، والمعنونة بأن المناطق الآمنة ستكون مقرا للحكومة السورية المؤقتة المنبثقة عن الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة  التي ستباشر أعمالها منها ، لأدركنا جزءا من الجواب.

لكنه سيفتح أمامنا سيلا من الأسئلة الأخرى حول صلاحية إجراءات الحكومة المؤقتة بحد ذاتها وصلاحياتها دوليا وهي التي لم تحقق حتى اليوم خطوات عملية واضحة في أهم مشاكل السوريين مثل الوثائق الرسمية بأنواعها ، كما أن السؤال الأبرز هو هل ستقوى الحكومة المؤقتة على فرض قوانين مدنية تحكم علاقات الأفراد في ضوء انتشار المحاكم الشرعية المسنودة من قوى دولية لا يستهان بنفوذها وتأثيرها ؟ كلها وأكثر أسئلة ستثور بقوة في المرحلة الزمنية القادمة وستكون محورا للصراع الدولي عليها بكل تأكيد .

لماذا النظام مستثنى من إدارة المناطق الآمنة ؟ :

صدر عن وزير خارجية النظام وليد المعلم كما يصدر بشكل مستمر تصريحات من مسؤولين يمثلون النظام تفيد بأن المناطق الآمنة مرفوضة شكلا ومضمونا ، وتعتبر تعدّيا على السيادة السوريّة ، وفي المقابل يدعون السوريين في الخارج للعودة مع تعهدهم بتوفير الحياة الكريمة لهم في المناطق الآمنة الحالية . !!

إن الجميع يعرف أن النظام يوفر بعضا من الأمان في المناطق التي تقع تحت سيطرته لسبب واحد ، هو أن غالبية سكانها من المحايدين أو من الموالين له ، وبالتالي هي مناطق نفوذ مطلق بالنسبة له ، والجميع يعلم كيف تعامل النظام مع المناطق المعارضة له بالحرق والتدمير الممنهج والتهجير المتعمد.

فسلوكه تجاه المناطق التي يقطنها معارضوه ليس بحاجة لأدلة أو تعهدات لأنه مكشوف للقاصي والداني بأنه يعاملهم معاملة أشد الأعداء وليس لديه من لغة معهم إلا لغة القتل والاعتقال والتدمير والتهجير ، ومن هنا فإن أهلية النظام لإدارة مناطق معظم سكانها من معارضيه معدومة تماما بالأدلة التي تسببت بتهجير ملايين السوريين سابقا ، لذا فإن أهلية النظام خارج همّ الإثبات والمسألة تتعلق بالقواعد الأخلاقية أولا وأخيرا إذا لا يصح أخلاقيا أن يدير النظام الذي تسبب بقتل عدد كبير من أبناء المستفيدين من إنشاء المناطق الآمنة وتسبب بتهجيرهم لسنوات ، أن يعود هو ليرعى مصالحهم لأي سبب كان ، وأن يدّعي السهر على أمنهم وهو الذي قبل فترة قد قضّ مضاجهم ليلا نهارا واستلب أحلامهم وأمانيهم .

ومن جهة ثانية لإن النظام اليوم عاجز عن توفير أدنى أسباب العيش الكريم لمن تبقى من السوريين تحت سيطرته ، فلا دخل معقول ولا كهرباء ولا تدفئة ولا حتى أمان كامل ، فمن أين له أن يتعهد بتوفير الحياة الكريمة لمن خرجوا من سوريا مهجرين وعرفوا بشكل عملي كيف تعامل الدول المتحضرة شعوبها وتفتّحت عيونهم على حقوق لهم وواجبات على الدولة تنفذها على أرضية العدالة والاحترام لا على أساس الإكراه وفرض النفوذ والمحسوبيات .

ومن جهة ثالثة وبالمنطق العقلي ، فإن معظم المستفيدين من المناطق الآمنة مستقبلا هم ممن تحمّلوا كل الظروف التي سبقت من أجل إحداث التغيير الفعلي في سوريا وإسقاط نظام الإستبداد ، ومن غير العادل أبدا أن يتم استثمار الضغوط الدولية لإعادة كل هؤلاء قسرا لتحت سيطرة وتحكم النظام الذي لا يعترفون أصلا بشرعيته .

وأخيرا وليس آخرا : فإن كل ادعاءات النظام الإعلامية امام مناصريه لا تعنينا بشيء كمتابعين عن كثب لكل تطورات القضية السورية وبالتالي نحن أكثر العارفين أن النظام لا يملك من قراره شيء وأن كل الأمر من جهته بات منوطا بالإرادة الروسية ولطالما أن الإرادة الروسية تتجه للموافقة على المناطق الآمنة فلا عبرة أبدا لتصريحات كل رموز النظام . وهذا ما حدث قبل البدء بعمليات درع الفرات في الشمال وما سيتكرر في كل المناطق ولن يملك النظام أن يحرك ساكنا لأنه موافق بالمطلق على كل ما يتفق ويوافق عليه الروس وبأحسن حالاته يكتفي بالشجب والتنديد كعادته .

المناطق الآمنة المقترحة حتى اليوم :

إن ما هو محسوم حتى اليوم أن تتوفر ثلاث مناطق آمنة تحت إدارة وإشراف ثلاثة قوى دولية وهي تركيا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية ، بحيث تكون المنطقة الآمنة التي تقع شمال حلب إلى الشرق تحت الإشراف التركي بينما يعتبر الساحل السوري إضافة لغربي حمص متضمنا حماة والغاب وحلب  حتى حدود ادلب هي منطقة آمنة تحت إشراف روسي ، وأن تكون المنطقة الجنوبية غربي درعا على امتداد الحدود مع اسرائيل وحتى القنيطرة هي منطقة آمنة تحت إشراف أمريكي وإدارة أردنية . بينما هناك ثلاث مناطق أخرى مقترحة حاليا ، لكنها لم تحسم بعد بالإضافة إلى مقترحات بتوسيع مساحة المنطقة الآمنة في الجنوب سنأتي على ذكرها بعد قليل .

 وأولى المناطق المقترحة وغير المحسومة حتى الآن هي المناطق الخاضعة اليوم لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية في الجزيرة السورية لتكون منطقة آمنة تحت الإشراف الأمريكي ، على أن يتم ذلك قبل إنجاز عمليات تحرير الرقة ودير الزور من قوات داعش لتتمكن من احتواء كل موجات النزوح المتوقعة إليها  ، وهذا المقترح يصطدم بموافقة تركية غير محققة بسبب مخاوف تركيا من تمدد نفوذ قوات تابعة لحزب العمال الكردستاني ، وموافقة روسية معلقة حتى الآن .

أما ثاني المناطق الآمنة المقترحة فهي الممتدة من الحدود العراقية – بعد تحرير الموصل من داعش – باتجاه الرقة لتصل شمالا لنفوذ قوات سوريا الديمقراطية دون أن يكون للأخيرة أي صلاحيات بإدارتها أو حمايتها حيث تقع حمايتها تحت مسؤولية قوات مشكلة من العشائر العربية هناك بالإضافة لإشراف دولي وهي تقع أيضا تحت الإشراف الأمريكي المباشر .

بينما تطالب لبنان بأن تطلق يدها بإنشاء منطقة آمنة ثالثة للسوريين بمساحة ألف كيلو متر على ظهر سلسلة جبال القلمون لتقوم بنقل مخيمات السوريين من أرضها إلى تلك المناطق مقابل أن تشرف هي عليها وعلى حمايتها وتأمينها . ولم يتم حتى الآن حسم الموافقة عليها من عدمه وبالتالي لم يتم تحديد الدولة الكبيرة التي قد تكون صاحبة حق الإشراف عليها ، أهي روسيا أو الولايات المتحدة .

ولو عدنا للحديث عن المناطق الآمنة المحسومة دوليا فيجب أن نبدأ بالحديث عن المنطقة الآمنة التي ستقع تحت الإشراف التركي ، والتي باتت قاب قوسين أو أدنى من استكمال السيطرة عليها من قبل قوات عملية درع الفرات المدعومة تركياً ، وبالتالي هي المرجحة أن تكون أولى المناطق الآمنة التجريبية دون منازع وخصوصا أن هناك الكثير من العائلات السورية قد عادت من تركيا  إلى جرابلس منذ طرد داعش منها الأمر الذي ُيفَسر أنها كمنطقة آمنة قد دخلت حيز التنفيذ حتى لو يتم تبنيها رسميا بعد ولو لم يتم ضبطها بالشكل اللازم والكافي قانونيا وأمنيا بعد.

ومن المهم في هذا السياق أن نذكر أنها ليست المرة الأولى التي يشرف فيها الأتراك على مناطق داخل سوريا ، إذ أن ذلك لم ينقطع ولو ليوم منذ عام 1920 تقريبا حيث عقدت معاهدة بين تركيا وفرنسا تتعلق بحق تركيا بالإشراف على الأرض الموجود عليها ضريح الجد الأول للعثمانيين سليمان شاه في الرقة ولم تتغير هذه المعاهدة حتى في زمن تعاقب حكومات متوالية على سوريا ، وحتى عندما نقلت تركيا مكان ضريح سليمان شاه بسبب سد الفرات اول مرة وسد تشرين ثاني مرة بقيت هذه المعاهدة سارية المفعول وبقي الضريح تحت حماية تركية مباشرة ومرفوع عليه العلم التركي ويعتبر من ضمن امتدادات السيادة التركية ، ومع أن الأمران مختلفان جملة وتفصيلا من جهة ان حق حماية الضريح وتأمينه مختلف تماما عن الإشراف على المدن المأهولة ، إلا أن ذريعة النظام بالتعدي على السيادة هي ذريعة واهية وخصوصا أنه لم يعترض أبدا على اتفاقية أبرمتها فرنسا مع تركيا منذ قرن تقريبا تطال الأرض السورية التي حكمها هو ذاته لنصف قرن تقريبا أيضا.

كما أن النظام ذاته هو الذي استفز تركيا للتعجل في مشروع المناطق الآمنة في الشمال عندما سمح لحليفه المبطن حزب الإتحاد الديمقراطي بإعلان الحكم الذاتي في الجزيرة السورية وهو يعلم تماما أن مثل هذا العمل سيستفز تركيا التي ليس لها مصلحة أبدا بتمدد النفوذ العسكري لحزب العمال الكردستاني على امتداد حدودها فسارعت لإنجاز درع الفرات لقطع الطريق عليه باتجاه البحر وإنشاء وترسيخ حزام سيكون تركمانيا عربيا مختلطا في الغالب يكون سدا في وجه أي تفكير بتوسع الفصائل الكردية غربا.

الأمر الذي يعني أن المسبب وحده – أي النظام في حالتنا هذه – هو وحده المسؤول عن تبعات النتائج ومع أن النتائج قد لا تصب في مصلحة السوريين بشكل عاجل إلا أنه بكل أسف لم يعتد إلا المتاجرة بالمصالح الوطنية السورية لحساب مصالحه ،   وفي مجمل الأحوال ، نحن كنّا ولا زلنا كسوريين نتمنى أن يتوصل السوريون لطريق الخلاص وحدهم وأن يكونوا هم وحدهم صانعوا المناطق الآمنة حاليا حتى الوصول لمرحلة تصبح فيها كل أراضي سوريا آمنة وسليمة.

لكن التمنيات مختلفة عن الواقع الذي يحكي يوميا عن عمق الشرخ الحاصل بين السوريين بحيث لم يعد حاليا من الممكن حل أي مسألة دون الإستعانة بالنفوذ الدولي الذي تغلغل في سوريا وبات صاحب النفوذ الأول سواءا كان من جهة الدول حليفة النظام أو الدول الداعمة للثورة . لهذا فنحن نتحدث ونفصّل هنا في إطار الحلول المؤقتة الممكنة والتي علينا مواجهتها وقراءتها بشكل دقيق لنتوصل إلى تصور واضح حولها ونعرف ما هو بصالحنا مؤقتا وما هو غير ذلك وما هي المحظورات وما هي المخاطر الآن ومستقبلا .. وعلينا أن نخرج برؤية أكثر تحقيقا لمصالح سوريا كوطن نريده آمنا كاملا والسوريين كشعب نريده سالما آمنا موفور الكرامة .. وعلى هذا الأساس نتابع في الدراسة .

أما المنطقة الآمنة الثانية المتفق عليها دوليا وهي الواقعة تحت النفوذ الروسي والتي تشمل الساحل مع حماة والغاب وغربي حمص ومدينة حلب ، وهي ما يمكن تسميته ( الخِناق السوري ) بحيث انه يشمل كل المنافذ المؤدية للبحر ، كما يشمل سهل الغاب أغنى منطقة انتاج زراعي وحيواني لسوريا والأهم من هذا كله ، أنه يشمل قاعدة حميميم الروسية التي تتحكم اليوم بغالبية الإيقاع في سوريا . إن روسيا أرادت من هذا الاختيار أن تقول للعالم أجمع أن العلويين تحت حمايتي المباشرة  وأن قاعدتها العسكرية شرقي المتوسط ستبقى ثابتة للأبد كما أن حقول الغاز الحالية والمستقبلية كلها مرتهنة لها حتى تكتمل فاتورة دخولها في الحرب السورية التي لن تنتهي ببساطة.

ومن هذه الرسائل الواضحة ندرك جميعا ان روسيا لم تأتِ لحماية سوريا بل لحماية النظام وحده والعلويين وحدهم دونا عن كل السوريين مقابل أن تحفظ مصالحها بالغاز والقواعد العسكرية .

إلا أن الأمر يزداد تعقيدا عندما ندخل بحيثيات المنطقة الآمنة الثالثة من المناطق الآمنة المتفق عليها ، في الجنوب والتي ستقع حكما تحت إشراف أمريكي ، وحيث كانت تشمل فقط امتدادا على كامل الحدود الإسرائيلية بمساحةتفوق ال2500 كلم مربع من ريف درعا إلى ريف القنيطرة ، وهي مساحة تم الاتفاق على التحضير لها دوليا ،  إلى أن جاءت زيارة الملك عبد الله الثاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية ولقاءه للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريق عمله وأعضاءا كثر نافذين في الكونغرس الأمريكي لتحقق للأردن دورا أوسع على حدودها الشمالية بحيث طلبت الأردن أن تشمل المنطقة الآمنة الجنوبية في سوريا أي شمال الأردن.

كامل الحدود السورية الأردنية أيضا أي محافظة درعا كاملة ومحافظة السويداء كاملة والبادية الشرقية من محافظة السويداء التابعة إداريا لبادية ريف حمص لتتجاوز المساحة الإجمالية العشرة آلاف كيلو متر تحدها جنوبا وشرقا الحدود الاردنية وشمالا خط منحني مقعر ممتد من مثلث الحدود العراقية الأردنية السورية في الشرق ليتابع غربا ليستمر من جنوب تل دكوة ليتابع شمال منطقة اللجاة  وصولا لريف القنيطرة على كامل محاذاة الحدود مع الجولان السوري وغربا الحدود مع الجولان وإسرائيل ..

وبالتالي يلعب هذا الحزام دورين مزدوجين ، الأول هو أنه سيكون حزام أو منطقة عازلة تفصل حدود إسرائيل والأردن عن مناطق نفوذ القوى المتشددة داخل سوريا ، والثاني هو أنه في العمق باتجاه سوريا سيكون منطقة آمنة للمدنيين السوريين .  مقابل أن تقوم الأردن بتنسيق إدارات ذاتية لهذه المناطق تحت إشرافها المباشر وتشارك الولايات المتحدة بسبعة آلاف جندي لتامين هذه المناطق على أن يستعان في محافظة درعا بالفصائل الثورية التي أثبتت التزامها بالإشراف الأردني سابقا ، وتلتزم كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية بتمويل هذه المنطقة الآمنة ، علما بأن السعودية عرضت بشكل مباشر إستعدادها لإرسال قوات برية تابعة لدرع الخليج  للقيام بهذه المهمة مع الجيش الأردني  والأمريكي في حال تم الإتفاق على اعتماد هذا المشروع كاملا ..

وحتى اليوم لم يتم حسم المساحة بشكل نهائي إلا أن الأمور تسير باتجاهه خصوصا وأن روسيا لم تبدي أي اعتراض على التوسعة لأنها تدرك إمكانية مقايضة مصالحها بمقابله مع الولايات المتحدة في مكان آخر .. إلا أن المعترض الوحيد حاليا هو نظام دمشق الذي لن يتبق له من كامل مساحة سوريا بعد توزيع مناطق الإشراف والنفوذ إلا العاصمة دمشق ومحافظة السويداء مع جزء من محافظة درعا بالإضافة لما يتمكن من انتزاعه من سيطرة داعش التي تسيطر اليوم عمليا على المساحة الأوسع من سوريا غير المأهولة وتسيطر تماما على الرقة وجزء من دير الزور.

وأغلب الظن أنها تتبع حصرا لإيران ونظام دمشق ، أي أن مناطقها هي تحصيل حاصل للنظام مستقبلا كما هو الآن .. ونظرا لأن ورقة الأقليات تهم النظام كثيرا لأجل سلامة ظهوره أمام المجتمع الدولي كحامي للأقليات فهو لن يتنازل عنها بسهولة ، ليس لأهمية الأقليات عنده بل لأنه يدرك أن من الممكن له أن يحصل على الكثير مقابل التنازل عنها ضمن تسوية نهائية وليست مرحلية .

ما الذي يخشاه السوريون من مشروع المناطق الآمنة :

يسود على العلاقات السورية – السورية  من جهة والسورية – الدولية من جهة ثانية حالة من انعدام الثقة في معظمها وهشاشة في الثقة إن وجدت ، وحيث أنه من الثابت أن الأمور انتهت لتتحكم فيها لغة المصالح فإن للسوريين مخاوفهم بهذا الشأن ، وأهم تلك المخاوف هي أن ينتهي أمر المناطق الآمنة لتكريس نوع من تقسيم سوريا مليا أو أن يكون نواة لمشروع تقسيم أكبر قد يظهر مستقبلا ، وفي واقع الأمر لا توجد أية ضمانات حاليا تبدد هذه المخاوف لأنها مخاوف حاضرة وبقوة في أوسع وسط شعبي سوري بكل أطيافه .

وكما أن هناك من بعض السوريين من يدرك  المخاطر ويشجع جدا على المشروع أملا منه أن يصل لمرحلة من الإستقلال أو الحكم الذاتي ، إلا أن هناك مجموعات من السوريين أيضا تعمل ليلا نهارا على تجنّب هذه الحلول عبر طرح بدائل موضوعية تحفظ لسوريا وحدتها كدولة وتضمن دستوريا لا مركزية في الإدارة وتوسيعا في صلاحيات الإدارة المحلية لتشبه ما يسمى بالحكم الذاتي ، ونافل القول أن كل هذه المشروعات في سباق مستمر مع الزمن وأيها يتحقق أولا قد يَنْفذ إلى زمن طويل ، الأمر الذي يعني أن جميع السوريين اليوم أمام اختبار مصيري لوطنهم ، فإما أن يحفظوه وإما أن يخسروه إلى زمن طويل قد يمتد إلى مرحلة غير معلومة .

النقطة الثانية من المخاوف السورية أن يتم ابتلاع هذه المناطق عبر تذويبها في خصوصية الدول المشرفة عليها ، لتتحول بعد زمن إلى خيار الإندماج بالدول المشرفة عليها وتنسلخ إلى الأبد عن سوريا الأم التي لم يصل عمرها إلى قرن من الزمن على هذا الشكل الذي عرفناه جميعا ، لكنه في النهاية هو الوطن الذي ولدنا وكبرنا فيه وهو على هذا النحو وكفى بذلك سببا لنسعى معا للحفاظ عليه كما هو ..

النقطة الثالثة من المخاوف السورية هي أن يكرّس هذا الحل اصطفافا سوريا سوريا وتتسع دوائر العداء وتتمدد ظواهر العنف والتبعية  فيما لو فشل هذا الحل فعلا في احتواء الناس بأمان وحرص وهذا الفشل إن حدث فسيكون تمدد الحرب والخراب غير محدود العواقب وقد يتطور لحرب إقليمية قد لا تبقي ولا تذر .

النقطة الرابعة تتعلق بالسوريين اللاجئين في أوربا وكندا وأستراليا الذين يظنون أنه وبمجرد تفعيل المناطق الآمنة فإنه من الممكن للدول التي احتضنتهم كلاجئين أن تسعى بشكل مباشر إلى ترحيلهم إلى تلك المناطق ونزع صفة اللاجئين عنهم ، وبالتالي إلغاء كافة المزايا التي يتمتعون بها حاليا ، وإذا أخذنا بعين الإعتبار أن هناك نسبة أكثر من 60% من اللاجئين في تلك الدول هم من أبناء المناطق الآمنة أصلا ، والتي لم تتعرض لأي نوع من الأخطار ، فسيكون سهلا علينا أن ندرك حقيقة موقفهم المعادي لمشروع المناطق الآمنة التي لن تعود عليهم بالنفع أبدا إن حدثت اليوم أو كانت موجودة منذ سنوات .

أما النقطة الخامسة فتتعلق بخوف السوريين الذين يمكثون بالمخيمات منذ سنوات والذين هم الأولى بالإستفادة من أية ميزات تقدمها المناطق الآمنة لتعويضهم ما فات ، من احتمال فشل إدارة تلك المناطق وبالتالي  أن يكونوا مضطرين ليعيشوا حالة اللجوء من جديد لكن على أرض سورية ، بحيث لا عمل ولا مدارس ولا طبابة ولا وثائق رسمية معترف عليها كما يجب .. هذا الفشل إن حدث هو أكثر ما يرعب السوريين في المخيمات وهو وجه حق واضح يجب القلق بشأنه بشكل جدي .

المخاوف والتحفظّات الدولية من حل المناطق الآمنة في سوريا :

وكما أن في المجتمع الدولي من يدعم فكرة المناطق الآمنة ، ويطالب بها ، إلا أن هناك في ذات المجتمع الدولي من يخشى عواقب قيام تلك المناطق ويأتي على رأس تلك المخاوف الدولية النقاط التالية :

أولا : الخشية أن تصبح المناطق الآمنة مرتعا للإرهاب فيكون ملاذا آمنا لتفريخ المنظمات الإرهابية أو منطلقا لعمليات إرهابية يخطط لها ويتم تنظيمها من داخل تلك المخيمات .

ثانيا : الخشية من عواقب وجود السلاح في تلك المناطق حتى لو كان سلاحا فرديا ، لأن استخدامه ولو على مستوى بسيط قد يتم تفسيره لمصلحة من يريد إفشال مشروع المناطق الآمنة ويقوم باستهدافها بحجة الرد على مصادر النيران . فتضيع الجهود الدولية هباءا ، لذلك تؤيد هذه الدول أن ينحصر السلاح بيد الشرطة المشرفة على أمن تلك المناطق على أن يكون سلاحا فرديا فقط .

ثالثا : تخشى بعض الدول من تفويت مكتسباتها المنتظرة من عقود إعادة إعمار سوريا إذا انحصر الحل بيد القوى الثلاث تركيا وروسيا والولايات المتحدة  لهذا فهي تؤيد الانتقال السياسي والحل الشامل مهما تأخر على أن تدعم فتح الأبواب الضيقة لتسابق دولي لجني ثمار المسألة السورية عبر أقنية محصورة بها .

رابعا : تتحفظ بعض الدول وخصوصا الأوربية منها من تزايد النفوذ التركي في المنطقة ، كما تخشى بنفس الوقت من ازدياد قبضة روسيا على التحكم بأسعار الغاز إذا ما باشرت باستثمار الغاز السوري مجددا .

خامسا : هناك قلق تركي حقيقي من تكرار تجربة المناطق الآمنة على غرار ما حدث في العراق حيث تمكن حزب العمال الكردستاني من إعادة بناء ذاته واستخدم الإقليم في العراق لإمداد خطوطه في العمق التركي ولهذا فهي تعترض على ان تشمل المناطق الامنة المحمية دوليا المناطق التي يسيطر عليها اتباع البي كي كي وبدورهم فإن السياسيين الأكراد يخشون من أن تصبح منطقتهم منطقة آمنة فتتوجه إليها جحافل النازحين العرب الأمر الذي قد يغير من الوزن الديمغرافي في مناطقهم التي يعتبرون فيها اليوم أكثرية .

مبررات مؤيدي المناطق الآمنة :

سبع سنوات تقريبا ولم يسمع أحد صوت الذين لا يريدون مغادرة سوريا وبنفس الوقت يطلبون الأمان ، ويطلبون فك الحصار ، ويطلبون توفر الحد الأدنى من سبل الحياة ..  لقد أن الأوان لأن لا يعتبر أي سوري آمن في الخارج نفسه وصيا على ما نريد في الداخل .

بهذه العبارة اختصر صديق رأيه .

وصديق آخر مدني في مناطق الاشتباك قال إن المشكلة هي انعدام ثقتنا بالأطراف الدولية ، ونخشى أن تتحول هذه المناطق الامنة الى جيوب داخل سوريا لكننا مضطرون للمغامرة بقبولها على الاقل لنخرج من الوضع المأساوي الذي نعيش  وعائلاتنا فيه منذ سنوات .

وصديق ثالث : قال أنا مع أي حل اسعافي يفتح ممرات امنة لنا ولعائلاتنا ويدخل لنا المساعدات بشرط ان يكون حلا اسعافيا ولا يتم تكريسه لاجل غير محدد .

وصديق رابع قال : لا يمكن الثقة بالنظام ولا بالاطراف الدولية التي لم تفكر بنا طيلة الستة سنوات .. نحن نريد الامان لكل سوريا وان قبلنا بها سيكون الامر كمن صام وصام وافطر على بصلة .. لكننا مع هذا بحاجة ماسة لهذه البصلة لنتابع صيامنا .

وصديق خامس قال : لا تسألنا ما هو شكل الحل ، فنحن نريد حلا من أي نوع وكفى تزيينا للخوازيق التي يأكلها السوريون !! أرجو أن لا يخاطبنا الجميع إلا بما هو حقيقي وتسمية الامور بمسياتها ويقولون لنا يا سوريين بدنا نعطيكن ابرة بنج اسمها المناطق الامنة لبين ما الله يفرجها اما بياخدكن لعندو او بيلاقيلكن حل . ولا حدا يقوللنا مناطق امنة ومناطق مدري ايش .

وصديق سادس قال ان هناك فرقا بين المناطق الامنة والمناطق العازلة وهو يخشى ان يكون سحب السلاح ذريعة لتشكيل مناطق عازلة بين النظام والثوار واي خرق بينهما سيدفع ثمنه المدنيون . فان كان هناك حل لهذه النقطة يمكن ان تنجح ولو كحل مؤقت .

وصديق سابع قال . لا يمكننا الرهان على المناطق الامنة كحل لكن بالنسبة لنا إن نجح بنسبة عشرة بالمية فهو يفرج عنا قليلا ولو كان مؤقتا .. ناخذ منه شوية نفس ومن ثم نتابع الغطس .

وصديق ثامن قال ، إن كانت هناك ضمانات لأن لا تتحول هذه المناطق لأمارات طائفية وعرقية فمرحبا بها ، كخطوة أولى في طريق تحقيق الأمان لكل سوريا ، غير ذلك لن نرتضي ولن نقف عند حد دونه .

وهكذا فإن معظم الآراء المؤيدة للمناطق الآمنة لا تؤيده على إطلاقه بل تضع مخاوفها في مقدمة جوابها والشيء المشترك الوحيد بين كل السوريين هو أنهم يطلبون حلا جذريا وآمنا لكل سوريا وليس فقط لمناطق دون أخرى ، إلا أنهم لا يمانعون إذا كانت الأمور واضحة وجلية ومحصّنة ، أن يتم البدء بمناطق محددة ومن ثم يتم التوسع شيئا فشيئا ليشمل كل سوريا ، وطبعا ذلك لن يكون سهلا في ضوء تعدد الدول المشرفة على المناطق الآمنة وبالتالي تضارب المصالح والأجندات .

وفي ختام القول ، وحتى لو أدت المناطق الآمنة لشيء من التقسيم فإن هذا أمر يتحمل مسؤوليته النظام الذي يتعنّت في التوصل لحل سياسي شامل وعادل ومنصف لكل السوريين ، النظام الذي يريد الحرية لنفسه فقط في استلاب سوريا واستعباد السوريين ، النظام الذي بكل أسف تمكن من إطلاق ألسنة بعض المعارضة التي قام بتصنيعها في الداخل لتتشدّق بمصطلحات تؤسس للتقسيم على غرار نظريتهم العصماء ، سوريا المفيدة !! تلك النظرية التي استغبوا فيها كل الشعب السوري المدرك لألاعيبهم والعارف لأي مكان يريدون الوصول.

في أن يصرفوا نظر السوريين عن حقول القمح والقطن والغاز والنفط في المناطق الشرقية ( الغير مفيدة ) على حد زعمهم وتركيز أنظار السوريين على المدن الغربية بينما يستفرد النظام وداعشه بالإستيلاء على كل مقدرات سوريا لزمن طويل جدا تحسبا لأي طارئ مستقبلا ..

وأكرر القول بأنه من المحزن أن ينقسم عتاة السياسة السوريون إلى مروجي أجندات دولية وتابعين ومتعهدين لتمرير مصالح الدول في الداخل والخارج بينما تحتاج سوريا الوطن لكل صوت وطني يخفف من آلامها ويرفع عنها ضيمها .. ولعلّ التغيير الحاصل في جنيف في الساعات الأخيرة الماضية من تميز حقيقي لوفد المعارضة الأكثر تجانسا وتمثيلا أكثر من أي وقت ، وتحقيقه خطوة مهمة بإلزام المجتمع الدولي بتنفيذ تعهداته بإلزام النظام لقبول مناقشة الإنتقال السياسي للسلطة يكون مخرجا مهما ينقذ سوريا من تبعات الحرب ومخاوف التقسيم إن تمت متابعته وإنجازه في الوقت الأكثر حساسية وخطرا على عمر سوريا ووجود السوريين .

 دراسة تفصيلية عن مشروع المناطق الآمنة

لم يعد بإمكان أحد أن ينكر التعقيد الذي وصلت إليه الحالة السورية بسبب تداخل مصالح الدول المؤثرة فيها بعد أن تشعبت وتمددت إقليميا ودوليا ، فباتت مقايضة المواقف الدولية في سوريا عابرة لقارات أخرى حيث تتم توليفات المصالح الدولية المتضاربة لحساب أو على حساب المصالح الدولية في سوريا ، ليست المصالح في شبه جزيرة القرم أولها ، كما لم يكن الإتفاق النووي الإيراني آخرها ، كما لن ينتهي الأمر عند ملف اليمن أو ليبيا أو حتى السودان الذي يستعد لرفع العقوبات عنه في الأشهر القادمة.

منذ أعوام كان جميع السوريين يتنكّرون لفاعلية المصالح الدولية في الشأن السوري فلا النظام يعترف بفاعلية الدور الإيراني والروسي لمصلحته واللذان باتا يتصرفان بالملف السوري تصرّف الصاحب وليس الداعم، ولا ممثلي المعارضة يعترفون بأي دور دولي يتحكم في تحركاتهم وقراراتهم وحتى في معاركهم ..

إلا أن كل هذا الإنكار، لم يعد ممكنا اليوم، لأن حرارة المصالح الدولية، قد صهرت كل غلاف يخفي حقيقة ما تحتها وبات اللعب على المكشوف هو القانون الذي يتحكم بالمعادلات كلها اليوم.

ورغم أن بعض الدول لا تزال تلجأ إلى المواربة في بعض التفاصيل، إلا أن القواعد بشكل عام باتت واضحة للعيان، ولن يغيّر إنكار المصالح في النتيجة من شيء..  الشيء الوحيد الذي لم ولن يتغيّر، هو أن الوطن السوري وحده الذي يدمّر، والسوريّون هم الذين يُقتلون ويشّردون، ويدفعون الثمن الأغلى لكل تأخير في الحلول، ويخسرون آلاف الأرواح والأحلام بين كل انتظار لجلسة مباحثات، وجلسة أخرى، فالوقت في التقويم السوري عدّاده من أرواح بريئة وكثير من الخراب على كل المستويات.

منذ بدايات الثورة في عام 2011 ، كان رد النظام على المطالب الشعبية ، قاسيا ، بل ومفرطاً في العنف والقسوة ، ورفع لأجل تأكيد إمعانه في تعمّد الحلول العسكرية شعاره المشهور ( الأسد أو نحرق البلد ) ، هذا الشعار الذي كنّا جميعا نظنّه مبالغةً في الإنشاء وتخويفٍ من ما هو قادم ، فالزمن في ذلك اليوم ، كان يبدو لنا أنه زمن مغاير ، وخصوصا أن القذافي كمثال ، واجه عاقبة وخيمة من المجتمع الدولي نتيجة دخوله في الرد العنفي على مظاهرات بنغازي ، وكانت الجهود الدولية تبدو جدية في التعامل مع علي عبد الله صالح في اليمن ، ولم نرى قبل ذلك  في رحيل زين العابدين بن علي في تونس وتنحي حسني مبارك في مصر.

إلا مقدماتٍ منطقية لتغيير شامل في أنظمة المنطقة العربية الشمولية برمتها !! لكننا لم نتوقع أبدا أن يصل التغيير إلى حدود سوريا ليقف عندها ، ولم نكن نتوقّع أبدا ، ثقل المصالح الإقليمية والدولية في المنطقة وتقاطعها مع مصالح حكام عرب كُثُر ، في وقف تمدد ثورات الربيع العربي بأي ثمن ، لكي لا تطال عروش من شعروا بتطاير شرر إرادة التغيير العربية إلى داخل حدود دولهم آنذاك ، بالمختصر ، نحن لم ننجح في قراءة احتمالات أن تغييرا مفاجئا قد طرأ على ريح التغيير بذاتها ، حتى أصبح الشعار الذي رفعه النظام عاليا مهددا بحرق البلد ، هو منهج العمل الوحيد الذي اعتمده على امتداد الأرض السورية في وجه كل من رفع صوته مناديا بالحريّة ، وأصبحت التصريحات الدولية النارية التي وقفت في وقت سابق في وجه طغيان القذافي ، مجرد بروتوكولات كلامية ، تُقال في كل مناسبة ، ولا تتعدى البرستيج السياسي لمعظم قادة العالم . ومع تفاقم القسوة في تعامل النظام مع المدن الثائرة ليصل إلى القصف الجوي والصاروخي لأحياء مأهولة برمتها ، بدأت تُسمع من ضمن عبارات التخدير الدولي لكل من ناصر الثورة السورية عبارة – حظر الطيران –  لتصبح مادة كلامية تطالب بها المعارضة في تصريحاتها وتلميحاتها ويدعمها المجتمع الدولي في تصريحاته فقط ويحيلها للدراسة فيما يثابر النظام على قصفه الممنهج للمناطق السكنية المأهولة بالسوريين ، فيدمر عشرات المساكن فوق رؤوس سكانها ، بذريعة وجود عدة مسلحين بينها . وعلى هذا المنوال جرى تدمير المدن السورية الثائرة أشهرا طويلة من انتظارتحقيق مشروع ( الحظر الجوي) في السماء السوريّة .

من مشروع حظر الطيران إلى مشروع المناطق الآمنة :

كانت تركيا التي احتوت أكبر موجة نزوح سورية بلغت في ذروتها الثلاثة ملايين ونصف مليون سوري ، من أول الدول التي طالبت بإنشاء مناطق آمنة للسوريين ، خصوصا أنها تلمّست بشدة عجز المجتمع الدولي عن إنتاج قرار موحد يفرض حظرا للطيران في السماء السوريّة.

وأدركت أن هناك أطراف دولية من الذين يملكون حق الفيتو يعرقلون باستمرار أي عنوان قد يساهم في تقييد يد النظام في وجه خصومه وخصوصا بعد أن تنامت موجات الإرهاب في سوريا ، التي باتت مقصدا لكل المتشددين التكفيريين في العالم الإسلامي.

لدرجة أنها أصبحت ذريعة قوية يملكها أنصار النظام في وجه كل خصومه ، حتى لو كانوا على حق ، لهذا طرحت تركيا مشروع المناطق الآمنة كعنوان لا يحمل استعداءا سياسيا لأحد ، لكنه يخفف من معاناة السوريين المدنيين الذين تم تهجيرهم من منازلهم ، ويخفف بالتالي من ضغط موجات النزوح واللجوء داخل سوريا وإلى خارجها.

ودعمت هذا المشروع ديبلوماسيا في كل المحافل الدولية ، وخصوصا تلك المتعلقة بمناقشات أزمة اللاجئين السوريين ، لكن المجتمع الدولي ، كان متراخيا في التعامل الجدي مع هذا المشروع ، ربما لأن معظم الدول يعرف أن الفيتو ينتظر في مجلس الأمن ، وربما لأنها متخوفة جدا من المساهمة بأي طريقة من الطرق بتوفير بيئة آمنة قد تستخدم لاحقا لتفريخ الإرهاب أو مساعدة الإرهابيين على إعادة تنظيم صفوفهم داخل مثل هذه المناطق !! وعدا عن ذلك ، وهذا سبب مهم لا يمكن التنكّر له أبدا ولا التقليل من شأنه ، أن معظم السوريين الذين وصلوا إلى جنّات بلاد اللجوء ، كانوا يتخوفون من تحقيق فكرة المناطق الآمنة في سوريا حتى لا تكون سببا في إعادة إرسالهم إليها وترك بلاد النعيم في الغرب المرفّه.

لهذا فقد قام بعضهم بتنظيم الحملات والندوات لمحاربة فكرة المناطق الآمنة والتركيز على مخاطرها دوليا وإقليميا ومحليا، لدفع المجتمعات في الدول التي يعيشون فيها لتبني رفضهم لها والضغط بالتالي على حكوماتهم لممارسة هذا الرفض، وربما لا نجافي العدالة إذا قلنا أن معظم هذه الأنشطة التي قام بها هذا البعض من اللاجئين كانت مسيسة ومدعومة من أجندة النظام وحلفاءه أنفسهم.

وبالنتيجة فقد استمر تزايد ذرائع المجتمع الدولي .. وبقيت تركيا وحدها تطالب وتدعم هذا المشروع مع بعض الأصوات الحليفة ، إلا أن المشروع لم يرَ النور أبدا حتى تاريخه .

ما الذي تغيّر لتطفو المناطق الآمنة من جديد كمشروع على السطح :

على الصعيد الإقليمي كان للتقارب الروسي – التركي  كبير الأثر في إنعاش مشروع المناطق الآمنة ، فتركيا لديها الكثير من الأوراق الضاغطة في سوريا وبالمقابل لديها الكثير من المخاوف على أمنها الإقليمي والقومي خصوصا بما يتعلق بملف حزب العمال الكردستاني وحلفاءه ، والذي يتم تسويقه إعلاميا على أنه مخاوف من ملف الأكراد !! خلافا للواقع ، لأن تركيا ليست لديها أية مشكلة مع الأكراد ، فأكثر من ُخمس عدد سكانها منهم وهم موجودون في أهم مفاصل الدولة التركية الحالية ، مشكلتها فقط مع مشروع حزب العمال الكردستاني الإنفصالي ومنتجاته وحلفاءه ، ومن جهة ثانية هناك تداخل ديمغرافي تركي سوري متبادل بين ثلاثة مكونات أساسية:

التركمان والعلويين والأكراد وهذا التداخل يفرض عليها التعامل بحذر شديد مع الملف السوري والتحسّب لكل المخاطر المحتملة في حال انفلت أي عقال من مكانه ، وهو ذات التحسّب الذي دفع تركيا للحصول على أوراق ضاغطة في الملف السوري ، وهي ذات الأوراق التي تحتاج روسيا لها في مشروعها القائم على استعادة ضبط سوريا مجددا ، إلا أن كل ذلك وحده لا يشكل المصالح الوحيدة بين البلدين.

وربما من دقيق القول أن مشروع خط غاز السيل التركي من روسيا وحده يضاهي كل مصالح البلدين مجتمعة في سوريا ، ومع هذا فإن ارتفاع مستوى التفاهم والتنسيق في سوريا بين تركيا وروسيا سيساعد في ضبط أي مشروع للمستقبل السوري نظرا لما تتمتع به كل من البلدين من نفوذ فاعل في الملف السوري بكل تناقضاته.

من هنا تماما ، ونتيجة لهذه التفاهمات بدأ مشروع درع الفرات والذي يعتبر المشروع التمهيدي لإنشاء أول منطقة آمنة في سوريا ، ومع أنه بدأ على يد فصائل المعارضة المعتدلة إلا أن أحدا لا يمكنه إنكار الدور التركي الحيوي الداعم لتقدمه ونجاحه وتثبيته أيضا ، وبهذا يمكننا القول بشكل حاسم أن تركيا قد دخلت عملية درع الفرات من بوابة تنسيقها مع الروس وليس من أية بوابة دولية أخرى ، حتى البوابّة الأمريكية ذاتها  .

أما على الصعيد العالمي فإن لِصعود دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية الأثر الأساسي في عودة ظهور ملف المناطق الآمنة في سوريا على سطح الملفات المعنية بمعالجة القضية السورية ، وإن كان طرح ترامب لها ليس قريبا من معالجة الأزمة السورية بحد ذاتها بقدر ما هو متعلق بمقترحاته للحلول التنفيذية لأزمة اللاجئين ذاتها في سوريا وغيرها و منعكساتها على العالم المتمدن أجمع ، فإنه إن كان جديا فعلا ، فيجب أن لا يتم إهمال مناقشته بمسؤولية عالية من قِبَلِ السوريين أنفسهم أولا ومن ثم مع شركائهم وداعميهم لكي لا يكون سلبيات هذا المشروع أكثر من إيجابياته ، وكي لا يكون مشروعا يراعي كل مصالح دول العالم ولا يعود بالنفع أبدا على السوريين .

ترامب شئنا أم أبينا هو رئيس جديد منتخب بأغلبية ساحقة  للولايات المتحدة بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، جديد شكلا ومضمونا وسياسة وأصلا ومستوى ولغةً ونهجا ، هو رجل أعمال وليس رجل سياسة ، وبالتالي هو أكثر العارفين من أين تؤكل الكتف ، وقد تبنى شعارا لا يحتمل التأويل : لكي تعود أمريكا عظيمة ! ولكي يثبت هذا الشعار هو بحاجة لتفعيل السلوك الأمريكي الذي يصب بهذا الاتجاه في كل تفصيل يواجهه ، ويثبت جدارته بحمل هذا الشعار ، وهو بالتالي ولأجل ذلك قد لا يأبه لأي فيتو في مجلس الأمن ، وقد لا يعنيه مجلس الأمن برمته ، لأنه يتحدث اليوم من مكتبه ويتخذ قراراته ويوعز لمسؤوليه بالبدء بالتنفيذ على المستوى الدولي حتى دون أن يذكر كلمة واحدة تتعلق بالمؤسسات الدولية برمتها.

لكل هذا وسبق فإن غالبية زعماء العالم وخصوصا النافذين في الملفات السورية يتحاشون التصادم مع رغبات ترامب وربما من العملي أن نذكر في موضوع المناطق الآمنة الذي نبحث فيه أن تصريحات ترامب وطلباته لمسؤوليه لدراسة مقترحات حول انشاء المناطق الآمنة في سوريا خلال تسعين يوما، كانت كافية لفتح سيل التصريحات الدولية المرحبة بالمشروع حتى أن روسيا نفسها رفعت تحفّظها عنه بعد أن اشترطت موافقة النظام في سوريا.

وطبعا هي تضمن موافقته مسبقا، على النحو الذي حدث حين ألزمته باتفاقها مع تركيا لعدم التعرض بالمطلق لعمليات مشروع درع الفرات.

بالمختصر فإن ترامب لا يأبه لأحد وقد رأينا خلال كل الحملات العالمية التي وقفت ضده بسبب موقفه من اللاجئين كيف أنه تجاوز كل ذلك بعبارتين قالهما علنا للشعب الأمريكي ، : إن على الدول التي تتهكم علينا لأننا لا نريد استقبال المزيد من  اللاجئين أن تفتح أبوابها لهم وخصوصا الدول العربية الغنية القريبة منهم ، والعبارة الثانية : لا يحق لأحد انتخبني لأجل هدف أن تعود أمريكا عظيمة أن يطالبني بوضع المزيد من الإلتزامات على كاهل أمريكا ، وخصوصا تلك التي لا تعود بالنفع على الشعب الأمريكي مباشرة .  .. هاتان العبارتان  تصدرتا كل وسائل الإعلام الأمريكي لتقلب كل التحريضات ضده لمصلحته ولهذا فهو يعرف ما يفعل ومستمر بذلك لطالما بقي رئيسا حيّا .

ماهية مشروع المناطق الآمنة:

يقوم مشروع المناطق الآمنة على نقطتين : الأولى هي إشراك جميع القوى الإقليمية وخصوصا الدول المتأثرة بموجات اللجوء السوري في تحمّل مسؤولية متابعة الحل الجزئي لأنها المستفيد الأول من تخفيف الضغط عنها ، والثانية هي:  تخصيص جزء من مساحة سوريا محدود المساحة وواضح الحدود على أن يكون ذو تماس واسع مع حدود دولة مجاورة لتحييده عن النزاع المسلّح في سوريا بكل أشكاله ، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية ومستلزمات الحياة البشرية إليه ، على أن يقع تحت إدارة مدنية وإشراف مباشر وحماية مباشرة من الدولة المجاورة له ومراقبة دولية  لفترة مؤقتة تمتد من سبعة إلى عشرة أعوام قابلة للتجديد حسب واقع الحال في الدولة ككل .

من هذا التعريف يمكن لنا أن نستشف النقاط الخلافية الأساسية حول المناطق الآمنة :

فيما عدا مسألة السيادة على الأرض ، هل ستعتبر المناطق الآمنة محمية أممية أم تابعة لسيادة الدولة الحامية والمشرفة ؟ وهي مسائل يحلها القانون الدولي إلا أن هناك نقاطا تتعلق بإدارة هذه المناطق

 أولها :  إتساع المساحة المخصصة كمنطقة آمنة بحد ذاته ، وثانيها : النقاط الحدودية ضمن سوريا ، ومع الدولة المجاورة ، هل ستأخذ شكل معابر حدودية رسمية ؟ هل ستتضمن نقاط ومراكز جمركية ؟ ما طبيعة عمل حرس الحدود في محيطها ، هل ذو طبيعة عسكرية أو نقاط مراقبة أو مخافر شرطية ؟ وثالثها : من هي الجهة المدنية التي ستدير العمل على هذه المناطق ؟ الحكومة المؤقتة المنبثقة عن الإئتلاف ؟ أم مجالس محلية منتخبة من أهالي المدن والبلدات الواقعة ضمنها ؟ تحت إشراف دولي ؟ ورابعها : إلى أي قانون ستخضع المناطق الآمنة : القانون السوري؟ أو قانون الدولة المشرفة ؟ وخامسها : من هي الجهة التي ستتولى الأمن داخل المنطقة الآمنة ؟ : الجيش الحر؟ أم شرطة تابعة للحكومة المؤقتة ؟ أم شرطة تابعة للدولة المشرفة ؟ وسادسها : هل ستكون المناطق الآمنة منزوعة السلاح تماما حتى لا تعطي ذريعة لأي طرف بشن هجوم عليها بحجة الرد على مصادر نارية ، أم أن السلاح الفردي فقط مسموح فيها ؟ وسابعها : ما حكم الوقائع والحالات التي تحدث على أرضها كالولادات والوفيات والحوادث ؟ أين سيتم تسجيلها ، وما القواعد التي ستحكمها وما هي قوة الوثائق الصادرة منها  وحدود صلاحياتها ؟ كجوازات السفر مثلا وشهادات التعليم وعقود الزواج وغيرها  ؟  كل هذه النقاط وغيرها هي نقاط خلافية إشكالية عند كل جلسة جدية لمناقشة طبيعة المناطق الآمنة . وربما لو عرفنا أن أقوى ورقة على الطاولة حاليا هي التي تحمل جوابا لكل هذه التساؤلات ، والمعنونة بأن المناطق الآمنة ستكون مقرا للحكومة السورية المؤقتة المنبثقة عن الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة  التي ستباشر أعمالها منها ، لأدركنا جزءا من الجواب ، لكنه سيفتح أمامنا سيلا من الأسئلة الأخرى حول صلاحية إجراءات الحكومة المؤقتة بحد ذاتها وصلاحياتها دوليا وهي التي لم تحقق حتى اليوم خطوات عملية واضحة في أهم مشاكل السوريين مثل الوثائق الرسمية بأنواعها ، كما أن السؤال الأبرز هو هل ستقوى الحكومة المؤقتة على فرض قوانين مدنية تحكم علاقات الأفراد في ضوء انتشار المحاكم الشرعية المسنودة من قوى دولية لا يستهان بنفوذها وتأثيرها ؟ كلها وأكثر أسئلة ستثور بقوة في المرحلة الزمنية القادمة وستكون محورا للصراع الدولي عليها بكل تأكيد .

لماذا النظام مستثنى من إدارة المناطق الآمنة ؟ :

صدر عن وزير خارجية النظام وليد المعلم كما يصدر بشكل مستمر تصريحات من مسؤولين يمثلون النظام تفيد بأن المناطق الآمنة مرفوضة شكلا ومضمونا ، وتعتبر تعدّيا على السيادة السوريّة ، وفي المقابل يدعون السوريين في الخارج للعودة مع تعهدهم بتوفير الحياة الكريمة لهم في المناطق الآمنة الحالية . !!

إن الجميع يعرف أن النظام يوفر بعضا من الأمان في المناطق التي تقع تحت سيطرته لسبب واحد ، هو أن غالبية سكانها من المحايدين أو من الموالين له ، وبالتالي هي مناطق نفوذ مطلق بالنسبة له ، والجميع يعلم كيف تعامل النظام مع المناطق المعارضة له بالحرق والتدمير الممنهج والتهجير المتعمد . فسلوكه تجاه المناطق التي يقطنها معارضوه ليس بحاجة لأدلة أو تعهدات لأنه مكشوف للقاصي والداني بأنه يعاملهم معاملة أشد الأعداء وليس لديه من لغة معهم إلا لغة القتل والاعتقال والتدمير والتهجير ، ومن هنا فإن أهلية النظام لإدارة مناطق معظم سكانها من معارضيه معدومة تماما بالأدلة التي تسببت بتهجير ملايين السوريين سابقا ، لذا فإن أهلية النظام خارج همّ الإثبات والمسألة تتعلق بالقواعد الأخلاقية أولا وأخيرا إذا لا يصح أخلاقيا أن يدير النظام الذي تسبب بقتل عدد كبير من أبناء المستفيدين من إنشاء المناطق الآمنة وتسبب بتهجيرهم لسنوات ، أن يعود هو ليرعى مصالحهم لأي سبب كان ، وأن يدّعي السهر على أمنهم وهو الذي قبل فترة قد قضّ مضاجهم ليلا نهارا واستلب أحلامهم وأمانيهم .

ومن جهة ثانية لإن النظام اليوم عاجز عن توفير أدنى أسباب العيش الكريم لمن تبقى من السوريين تحت سيطرته ، فلا دخل معقول ولا كهرباء ولا تدفئة ولا حتى أمان كامل ، فمن أين له أن يتعهد بتوفير الحياة الكريمة لمن خرجوا من سوريا مهجرين وعرفوا بشكل عملي كيف تعامل الدول المتحضرة شعوبها وتفتّحت عيونهم على حقوق لهم وواجبات على الدولة تنفذها على أرضية العدالة والاحترام لا على أساس الإكراه وفرض النفوذ والمحسوبيات .

ومن جهة ثالثة وبالمنطق العقلي ، فإن معظم المستفيدين من المناطق الآمنة مستقبلا هم ممن تحمّلوا كل الظروف التي سبقت من أجل إحداث التغيير الفعلي في سوريا وإسقاط نظام الإستبداد ، ومن غير العادل أبدا أن يتم استثمار الضغوط الدولية لإعادة كل هؤلاء قسرا لتحت سيطرة وتحكم النظام الذي لا يعترفون أصلا بشرعيته .

وأخيرا وليس آخرا : فإن كل ادعاءات النظام الإعلامية امام مناصريه لا تعنينا بشيء كمتابعين عن كثب لكل تطورات القضية السورية وبالتالي نحن أكثر العارفين أن النظام لا يملك من قراره شيء وأن كل الأمر من جهته بات منوطا بالإرادة الروسية ولطالما أن الإرادة الروسية تتجه للموافقة على المناطق الآمنة فلا عبرة أبدا لتصريحات كل رموز النظام . وهذا ما حدث قبل البدء بعمليات درع الفرات في الشمال وما سيتكرر في كل المناطق ولن يملك النظام أن يحرك ساكنا لأنه موافق بالمطلق على كل ما يتفق ويوافق عليه الروس وبأحسن حالاته يكتفي بالشجب والتنديد كعادته .

المناطق الآمنة المقترحة حتى اليوم :

إن ما هو محسوم حتى اليوم أن تتوفر ثلاث مناطق آمنة تحت إدارة وإشراف ثلاثة قوى دولية وهي تركيا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية ، بحيث تكون المنطقة الآمنة التي تقع شمال حلب إلى الشرق تحت الإشراف التركي بينما يعتبر الساحل السوري إضافة لغربي حمص متضمنا حماة والغاب وحلب  حتى حدود ادلب هي منطقة آمنة تحت إشراف روسي ، وأن تكون المنطقة الجنوبية غربي درعا على امتداد الحدود مع اسرائيل وحتى القنيطرة هي منطقة آمنة تحت إشراف أمريكي وإدارة أردنية . بينما هناك ثلاث مناطق أخرى مقترحة حاليا ، لكنها لم تحسم بعد بالإضافة إلى مقترحات بتوسيع مساحة المنطقة الآمنة في الجنوب سنأتي على ذكرها بعد قليل .

وأولى المناطق المقترحة وغير المحسومة حتى الآن هي المناطق الخاضعة اليوم لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية في الجزيرة السورية لتكون منطقة آمنة تحت الإشراف الأمريكي ، على أن يتم ذلك قبل إنجاز عمليات تحرير الرقة ودير الزور من قوات داعش لتتمكن من احتواء كل موجات النزوح المتوقعة إليها  ، وهذا المقترح يصطدم بموافقة تركية غير محققة بسبب مخاوف تركيا من تمدد نفوذ قوات تابعة لحزب العمال الكردستاني ، وموافقة روسية معلقة حتى الآن .

أما ثاني المناطق الآمنة المقترحة فهي الممتدة من الحدود العراقية – بعد تحرير الموصل من داعش – باتجاه الرقة لتصل شمالا لنفوذ قوات سوريا الديمقراطية دون أن يكون للأخيرة أي صلاحيات بإدارتها أو حمايتها حيث تقع حمايتها تحت مسؤولية قوات مشكلة من العشائر العربية هناك بالإضافة لإشراف دولي وهي تقع أيضا تحت الإشراف الأمريكي المباشر .

بينما تطالب لبنان بأن تطلق يدها بإنشاء منطقة آمنة ثالثة للسوريين بمساحة ألف كيلو متر على ظهر سلسلة جبال القلمون لتقوم بنقل مخيمات السوريين من أرضها إلى تلك المناطق مقابل أن تشرف هي عليها وعلى حمايتها وتأمينها . ولم يتم حتى الآن حسم الموافقة عليها من عدمه وبالتالي لم يتم تحديد الدولة الكبيرة التي قد تكون صاحبة حق الإشراف عليها ، أهي روسيا أو الولايات المتحدة .

ولو عدنا للحديث عن المناطق الآمنة المحسومة دوليا فيجب أن نبدأ بالحديث عن المنطقة الآمنة التي ستقع تحت الإشراف التركي ، والتي باتت قاب قوسين أو أدنى من استكمال السيطرة عليها من قبل قوات عملية درع الفرات المدعومة تركياً ، وبالتالي هي المرجحة أن تكون أولى المناطق الآمنة التجريبية دون منازع وخصوصا أن هناك الكثير من العائلات السورية قد عادت من تركيا  إلى جرابلس منذ طرد داعش منها الأمر الذي ُيفَسر أنها كمنطقة آمنة قد دخلت حيز التنفيذ حتى لو يتم تبنيها رسميا بعد ولو لم يتم ضبطها بالشكل اللازم والكافي قانونيا وأمنيا بعد ، ومن المهم في هذا السياق أن نذكر أنها ليست المرة الأولى التي يشرف فيها الأتراك على مناطق داخل سوريا ، إذ أن ذلك لم ينقطع ولو ليوم منذ عام 1920 تقريبا حيث عقدت معاهدة بين تركيا وفرنسا تتعلق بحق تركيا بالإشراف على الأرض الموجود عليها ضريح الجد الأول للعثمانيين سليمان شاه في الرقة ولم تتغير هذه المعاهدة حتى في زمن تعاقب حكومات متوالية على سوريا ، وحتى عندما نقلت تركيا مكان ضريح سليمان شاه بسبب سد الفرات اول مرة وسد تشرين ثاني مرة بقيت هذه المعاهدة سارية المفعول وبقي الضريح تحت حماية تركية مباشرة ومرفوع عليه العلم التركي ويعتبر من ضمن امتدادات السيادة التركية ، ومع أن الأمران مختلفان جملة وتفصيلا من جهة ان حق حماية الضريح وتأمينه مختلف تماما عن الإشراف على المدن المأهولة ، إلا أن ذريعة النظام بالتعدي على السيادة هي ذريعة واهية وخصوصا أنه لم يعترض أبدا على اتفاقية أبرمتها فرنسا مع تركيا منذ قرن تقريبا تطال الأرض السورية التي حكمها هو ذاته لنصف قرن تقريبا أيضا  ، كما أن النظام ذاته هو الذي استفز تركيا للتعجل في مشروع المناطق الآمنة في الشمال عندما سمح لحليفه المبطن حزب الإتحاد الديمقراطي بإعلان الحكم الذاتي في الجزيرة السورية وهو يعلم تماما أن مثل هذا العمل سيستفز تركيا التي ليس لها مصلحة أبدا بتمدد النفوذ العسكري لحزب العمال الكردستاني على امتداد حدودها فسارعت لإنجاز درع الفرات لقطع الطريق عليه باتجاه البحر وإنشاء وترسيخ حزام سيكون تركمانيا عربيا مختلطا في الغالب يكون سدا في وجه أي تفكير بتوسع الفصائل الكردية غربا .الأمر الذي يعني أن المسبب وحده – أي النظام في حالتنا هذه – هو وحده المسؤول عن تبعات النتائج ومع أن النتائج قد لا تصب في مصلحة السوريين بشكل عاجل إلا أنه بكل أسف لم يعتد إلا المتاجرة بالمصالح الوطنية السورية لحساب مصالحه ،   وفي مجمل الأحوال ، نحن كنّا ولا زلنا كسوريين نتمنى أن يتوصل السوريون لطريق الخلاص وحدهم وأن يكونوا هم وحدهم صانعوا المناطق الآمنة حاليا حتى الوصول لمرحلة تصبح فيها كل أراضي سوريا آمنة وسليمة ، لكن التمنيات مختلفة عن الواقع الذي يحكي يوميا عن عمق الشرخ الحاصل بين السوريين بحيث لم يعد حاليا من الممكن حل أي مسألة دون الإستعانة بالنفوذ الدولي الذي تغلغل في سوريا وبات صاحب النفوذ الأول سواءا كان من جهة الدول حليفة النظام أو الدول الداعمة للثورة . لهذا فنحن نتحدث ونفصّل هنا في إطار الحلول المؤقتة الممكنة والتي علينا مواجهتها وقراءتها بشكل دقيق لنتوصل إلى تصور واضح حولها ونعرف ما هو بصالحنا مؤقتا وما هو غير ذلك وما هي المحظورات وما هي المخاطر الآن ومستقبلا .. وعلينا أن نخرج برؤية أكثر تحقيقا لمصالح سوريا كوطن نريده آمنا كاملا والسوريين كشعب نريده سالما آمنا موفور الكرامة .. وعلى هذا الأساس نتابع في الدراسة .

أما المنطقة الآمنة الثانية المتفق عليها دوليا وهي الواقعة تحت النفوذ الروسي والتي تشمل الساحل مع حماة والغاب وغربي حمص ومدينة حلب ، وهي ما يمكن تسميته ( الخِناق السوري ) بحيث انه يشمل كل المنافذ المؤدية للبحر ، كما يشمل سهل الغاب أغنى منطقة انتاج زراعي وحيواني لسوريا والأهم من هذا كله ، أنه يشمل قاعدة حميميم الروسية التي تتحكم اليوم بغالبية الإيقاع في سوريا . إن روسيا أرادت من هذا الاختيار أن تقول للعالم أجمع أن العلويين تحت حمايتي المباشرة  وأن قاعدتها العسكرية شرقي المتوسط ستبقى ثابتة للأبد كما أن حقول الغاز الحالية والمستقبلية كلها مرتهنة لها حتى تكتمل فاتورة دخولها في الحرب السورية التي لن تنتهي ببساطة . ومن هذه الرسائل الواضحة ندرك جميعا ان روسيا لم تأتِ لحماية سوريا بل لحماية النظام وحده والعلويين وحدهم دونا عن كل السوريين مقابل أن تحفظ مصالحها بالغاز والقواعد العسكرية .

إلا أن الأمر يزداد تعقيدا عندما ندخل بحيثيات المنطقة الآمنة الثالثة من المناطق الآمنة المتفق عليها ، في الجنوب والتي ستقع حكما تحت إشراف أمريكي ، وحيث كانت تشمل فقط امتدادا على كامل الحدود الإسرائيلية بمساحةتفوق ال2500 كلم مربع من ريف درعا إلى ريف القنيطرة ، وهي مساحة تم الاتفاق على التحضير لها دوليا ،  إلى أن جاءت زيارة الملك عبد الله الثاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية ولقاءه للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريق عمله وأعضاءا كثر نافذين في الكونغرس الأمريكي لتحقق للأردن دورا أوسع على حدودها الشمالية بحيث طلبت الأردن أن تشمل المنطقة الآمنة الجنوبية في سوريا أي شمال الأردن ، كامل الحدود السورية الأردنية أيضا أي محافظة درعا كاملة ومحافظة السويداء كاملة والبادية الشرقية من محافظة السويداء التابعة إداريا لبادية ريف حمص لتتجاوز المساحة الإجمالية العشرة آلاف كيلو متر تحدها جنوبا وشرقا الحدود الاردنية وشمالا خط منحني مقعر  ممتد من مثلث الحدود العراقية الأردنية السورية في الشرق ليتابع غربا ليستمر من جنوب تل دكوة ليتابع شمال منطقة اللجاة  وصولا لريف القنيطرة على كامل محاذاة الحدود مع الجولان السوري وغربا الحدود مع الجولان وإسرائيل .. وبالتالي يلعب هذا الحزام دورين مزدوجين ، الأول هو أنه سيكون حزام أو منطقة عازلة تفصل حدود إسرائيل والأردن عن مناطق نفوذ القوى المتشددة داخل سوريا ، والثاني هو أنه في العمق باتجاه سوريا سيكون منطقة آمنة للمدنيين السوريين .  مقابل أن تقوم الأردن بتنسيق إدارات ذاتية لهذه المناطق تحت إشرافها المباشر وتشارك الولايات المتحدة بسبعة آلاف جندي لتامين هذه المناطق على أن يستعان في محافظة درعا بالفصائل الثورية التي أثبتت التزامها بالإشراف الأردني سابقا ، وتلتزم كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية بتمويل هذه المنطقة الآمنة ، علما بأن السعودية عرضت بشكل مباشر إستعدادها لإرسال قوات برية تابعة لدرع الخليج  للقيام بهذه المهمة مع الجيش الأردني  والأمريكي في حال تم الإتفاق على اعتماد هذا المشروع كاملا .. وحتى اليوم لم يتم حسم المساحة بشكل نهائي إلا أن الأمور تسير باتجاهه خصوصا وأن روسيا لم تبدي أي اعتراض على التوسعة لأنها تدرك إمكانية مقايضة مصالحها بمقابله مع الولايات المتحدة في مكان آخر .. إلا أن المعترض الوحيد حاليا هو نظام دمشق الذي لن يتبق له من كامل مساحة سوريا بعد توزيع مناطق الإشراف والنفوذ إلا العاصمة دمشق ومحافظة السويداء مع جزء من محافظة درعا بالإضافة لما يتمكن من انتزاعه من سيطرة داعش التي تسيطر اليوم عمليا على المساحة الأوسع من سوريا غير المأهولة وتسيطر تماما على الرقة وجزء من دير الزور ، وأغلب الظن أنها تتبع حصرا لإيران ونظام دمشق ، أي أن مناطقها هي تحصيل حاصل للنظام مستقبلا كما هو الآن .. ونظرا لأن ورقة الأقليات تهم النظام كثيرا لأجل سلامة ظهوره أمام المجتمع الدولي كحامي للأقليات فهو لن يتنازل عنها بسهولة ، ليس لأهمية الأقليات عنده بل لأنه يدرك أن من الممكن له أن يحصل على الكثير مقابل التنازل عنها ضمن تسوية نهائية وليست مرحلية .

ما الذي يخشاه السوريون من مشروع المناطق الآمنة :

يسود على العلاقات السورية – السورية  من جهة والسورية – الدولية من جهة ثانية حالة من انعدام الثقة في معظمها وهشاشة في الثقة إن وجدت ، وحيث أنه من الثابت أن الأمور انتهت لتتحكم فيها لغة المصالح فإن للسوريين مخاوفهم بهذا الشأن ، وأهم تلك المخاوف هي أن ينتهي أمر المناطق الآمنة لتكريس نوع من تقسيم سوريا مليا أو أن يكون نواة لمشروع تقسيم أكبر قد يظهر مستقبلا ، وفي واقع الأمر لا توجد أية ضمانات حاليا تبدد هذه المخاوف لأنها مخاوف حاضرة وبقوة في أوسع وسط شعبي سوري بكل أطيافه .

وكما أن هناك من بعض السوريين من يدرك  المخاطر ويشجع جدا على المشروع أملا منه أن يصل لمرحلة من الإستقلال أو الحكم الذاتي ، إلا أن هناك مجموعات من السوريين أيضا تعمل ليلا نهارا على تجنّب هذه الحلول عبر طرح بدائل موضوعية تحفظ لسوريا وحدتها كدولة وتضمن دستوريا لا مركزية في الإدارة وتوسيعا في صلاحيات الإدارة المحلية لتشبه ما يسمى بالحكم الذاتي ، ونافل القول أن كل هذه المشروعات في سباق مستمر مع الزمن وأيها يتحقق أولا قد يَنْفذ إلى زمن طويل ، الأمر الذي يعني أن جميع السوريين اليوم أمام اختبار مصيري لوطنهم ، فإما أن يحفظوه وإما أن يخسروه إلى زمن طويل قد يمتد إلى مرحلة غير معلومة .

النقطة الثانية من المخاوف السورية أن يتم ابتلاع هذه المناطق عبر تذويبها في خصوصية الدول المشرفة عليها ، لتتحول بعد زمن إلى خيار الإندماج بالدول المشرفة عليها وتنسلخ إلى الأبد عن سوريا الأم التي لم يصل عمرها إلى قرن من الزمن على هذا الشكل الذي عرفناه جميعا ، لكنه في النهاية هو الوطن الذي ولدنا وكبرنا فيه وهو على هذا النحو وكفى بذلك سببا لنسعى معا للحفاظ عليه كما هو ..

النقطة الثالثة من المخاوف السورية هي أن يكرّس هذا الحل اصطفافا سوريا سوريا وتتسع دوائر العداء وتتمدد ظواهر العنف والتبعية  فيما لو فشل هذا الحل فعلا في احتواء الناس بأمان وحرص وهذا الفشل إن حدث فسيكون تمدد الحرب والخراب غير محدود العواقب وقد يتطور لحرب إقليمية قد لا تبقي ولا تذر .

النقطة الرابعة تتعلق بالسوريين اللاجئين في أوربا وكندا وأستراليا الذين يظنون أنه وبمجرد تفعيل المناطق الآمنة فإنه من الممكن للدول التي احتضنتهم كلاجئين أن تسعى بشكل مباشر إلى ترحيلهم إلى تلك المناطق ونزع صفة اللاجئين عنهم ، وبالتالي إلغاء كافة المزايا التي يتمتعون بها حاليا ، وإذا أخذنا بعين الإعتبار أن هناك نسبة أكثر من 60% من اللاجئين في تلك الدول هم من أبناء المناطق الآمنة أصلا ، والتي لم تتعرض لأي نوع من الأخطار ، فسيكون سهلا علينا أن ندرك حقيقة موقفهم المعادي لمشروع المناطق الآمنة التي لن تعود عليهم بالنفع أبدا إن حدثت اليوم أو كانت موجودة منذ سنوات .

أما النقطة الخامسة فتتعلق بخوف السوريين الذين يمكثون بالمخيمات منذ سنوات والذين هم الأولى بالإستفادة من أية ميزات تقدمها المناطق الآمنة لتعويضهم ما فات ، من احتمال فشل إدارة تلك المناطق وبالتالي  أن يكونوا مضطرين ليعيشوا حالة اللجوء من جديد لكن على أرض سورية ، بحيث لا عمل ولا مدارس ولا طبابة ولا وثائق رسمية معترف عليها كما يجب .. هذا الفشل إن حدث هو أكثر ما يرعب السوريين في المخيمات وهو وجه حق واضح يجب القلق بشأنه بشكل جدي .

المخاوف والتحفظّات الدولية من حل المناطق الآمنة في سوريا :

وكما أن في المجتمع الدولي من يدعم فكرة المناطق الآمنة ، ويطالب بها ، إلا أن هناك في ذات المجتمع الدولي من يخشى عواقب قيام تلك المناطق ويأتي على رأس تلك المخاوف الدولية النقاط التالية :

أولا : الخشية أن تصبح المناطق الآمنة مرتعا للإرهاب فيكون ملاذا آمنا لتفريخ المنظمات الإرهابية أو منطلقا لعمليات إرهابية يخطط لها ويتم تنظيمها من داخل تلك المخيمات .

ثانيا : الخشية من عواقب وجود السلاح في تلك المناطق حتى لو كان سلاحا فرديا ، لأن استخدامه ولو على مستوى بسيط قد يتم تفسيره لمصلحة من يريد إفشال مشروع المناطق الآمنة ويقوم باستهدافها بحجة الرد على مصادر النيران . فتضيع الجهود الدولية هباءا ، لذلك تؤيد هذه الدول أن ينحصر السلاح بيد الشرطة المشرفة على أمن تلك المناطق على أن يكون سلاحا فرديا فقط .

ثالثا : تخشى بعض الدول من تفويت مكتسباتها المنتظرة من عقود إعادة إعمار سوريا إذا انحصر الحل بيد القوى الثلاث تركيا وروسيا والولايات المتحدة  لهذا فهي تؤيد الانتقال السياسي والحل الشامل مهما تأخر على أن تدعم فتح الأبواب الضيقة لتسابق دولي لجني ثمار المسألة السورية عبر أقنية محصورة بها .

رابعا : تتحفظ بعض الدول وخصوصا الأوربية منها من تزايد النفوذ التركي في المنطقة ، كما تخشى بنفس الوقت من ازدياد قبضة روسيا على التحكم بأسعار الغاز إذا ما باشرت باستثمار الغاز السوري مجددا .

خامسا : هناك قلق تركي حقيقي من تكرار تجربة المناطق الآمنة على غرار ما حدث في العراق حيث تمكن حزب العمال الكردستاني من إعادة بناء ذاته واستخدم الإقليم في العراق لإمداد خطوطه في العمق التركي ولهذا فهي تعترض على ان تشمل المناطق الامنة المحمية دوليا المناطق التي يسيطر عليها اتباع البي كي كي وبدورهم فإن السياسيين الأكراد يخشون من أن تصبح منطقتهم منطقة آمنة فتتوجه إليها جحافل النازحين العرب الأمر الذي قد يغير من الوزن الديمغرافي في مناطقهم التي يعتبرون فيها اليوم أكثرية .

مبررات مؤيدي المناطق الآمنة :

سبع سنوات تقريبا ولم يسمع أحد صوت الذين لا يريدون مغادرة سوريا وبنفس الوقت يطلبون الأمان ، ويطلبون فك الحصار ، ويطلبون توفر الحد الأدنى من سبل الحياة ..  لقد أن الأوان لأن لا يعتبر أي سوري آمن في الخارج نفسه وصيا على ما نريد في الداخل .

بهذه العبارة اختصر صديق رأيه .

وصديق آخر مدني في مناطق الاشتباك قال إن المشكلة هي انعدام ثقتنا بالأطراف الدولية ، ونخشى أن تتحول هذه المناطق الامنة الى جيوب داخل سوريا لكننا مضطرون للمغامرة بقبولها على الاقل لنخرج من الوضع المأساوي الذي نعيش  وعائلاتنا فيه منذ سنوات .

وصديق ثالث : قال أنا مع أي حل اسعافي يفتح ممرات امنة لنا ولعائلاتنا ويدخل لنا المساعدات بشرط ان يكون حلا اسعافيا ولا يتم تكريسه لاجل غير محدد .

وصديق رابع قال : لا يمكن الثقة بالنظام ولا بالاطراف الدولية التي لم تفكر بنا طيلة الستة سنوات .. نحن نريد الامان لكل سوريا وان قبلنا بها سيكون الامر كمن صام وصام وافطر على بصلة .. لكننا مع هذا بحاجة ماسة لهذه البصلة لنتابع صيامنا .

وصديق خامس قال : لا تسألنا ما هو شكل الحل ، فنحن نريد حلا من أي نوع وكفى تزيينا للخوازيق التي يأكلها السوريون !! أرجو أن لا يخاطبنا الجميع إلا بما هو حقيقي وتسمية الامور بمسياتها ويقولون لنا يا سوريين بدنا نعطيكن ابرة بنج اسمها المناطق الامنة لبين ما الله يفرجها اما بياخدكن لعندو او بيلاقيلكن حل . ولا حدا يقوللنا مناطق امنة ومناطق مدري ايش .

وصديق سادس قال ان هناك فرقا بين المناطق الامنة والمناطق العازلة وهو يخشى ان يكون سحب السلاح ذريعة لتشكيل مناطق عازلة بين النظام والثوار واي خرق بينهما سيدفع ثمنه المدنيون . فان كان هناك حل لهذه النقطة يمكن ان تنجح ولو كحل مؤقت .

وصديق سابع قال . لا يمكننا الرهان على المناطق الامنة كحل لكن بالنسبة لنا إن نجح بنسبة عشرة بالمية فهو يفرج عنا قليلا ولو كان مؤقتا .. ناخذ منه شوية نفس ومن ثم نتابع الغطس .

وصديق ثامن قال ، إن كانت هناك ضمانات لأن لا تتحول هذه المناطق لأمارات طائفية وعرقية فمرحبا بها ، كخطوة أولى في طريق تحقيق الأمان لكل سوريا ، غير ذلك لن نرتضي ولن نقف عند حد دونه .

وهكذا فإن معظم الآراء المؤيدة للمناطق الآمنة لا تؤيده على إطلاقه بل تضع مخاوفها في مقدمة جوابها والشيء المشترك الوحيد بين كل السوريين هو أنهم يطلبون حلا جذريا وآمنا لكل سوريا وليس فقط لمناطق دون أخرى ، إلا أنهم لا يمانعون إذا كانت الأمور واضحة وجلية ومحصّنة ، أن يتم البدء بمناطق محددة ومن ثم يتم التوسع شيئا فشيئا ليشمل كل سوريا ، وطبعا ذلك لن يكون سهلا في ضوء تعدد الدول المشرفة على المناطق الآمنة وبالتالي تضارب المصالح والأجندات .

وفي ختام القول ، وحتى لو أدت المناطق الآمنة لشيء من التقسيم فإن هذا أمر يتحمل مسؤوليته النظام الذي يتعنّت في التوصل لحل سياسي شامل وعادل ومنصف لكل السوريين ، النظام الذي يريد الحرية لنفسه فقط في استلاب سوريا واستعباد السوريين ، النظام الذي بكل أسف تمكن من إطلاق ألسنة بعض المعارضة التي قام بتصنيعها في الداخل لتتشدّق بمصطلحات تؤسس للتقسيم على غرار نظريتهم العصماء ، سوريا المفيدة !! تلك النظرية التي استغبوا فيها كل الشعب السوري المدرك لألاعيبهم والعارف لأي مكان يريدون الوصول ، في أن يصرفوا نظر السوريين عن حقول القمح والقطن والغاز والنفط في المناطق الشرقية ( الغير مفيدة ) على حد زعمهم وتركيز أنظار السوريين على المدن الغربية بينما يستفرد النظام وداعشه بالإستيلاء على كل مقدرات سوريا لزمن طويل جدا تحسبا لأي طارئ مستقبلا ..

وأكرر القول بأنه من المحزن أن ينقسم عتاة السياسة السوريون إلى مروجي أجندات دولية وتابعين ومتعهدين لتمرير مصالح الدول في الداخل والخارج بينما تحتاج سوريا الوطن لكل صوت وطني يخفف من آلامها ويرفع عنها ضيمها .. ولعلّ التغيير الحاصل في جنيف في الساعات الأخيرة الماضية من تميز حقيقي لوفد المعارضة الأكثر تجانسا وتمثيلا أكثر من أي وقت ، وتحقيقه خطوة مهمة بإلزام المجتمع الدولي بتنفيذ تعهداته بإلزام النظام لقبول مناقشة الإنتقال السياسي للسلطة يكون مخرجا مهما ينقذ سوريا من تبعات الحرب ومخاوف التقسيم إن تمت متابعته وإنجازه في الوقت الأكثر حساسية وخطرا على عمر سوريا ووجود السوريين.

جميع الآراء تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الطبل في جنيف والعرس في المناطق الآمنة

هيومن فويس: نجيب أبو الفخر لم يعد بإمكان أحد أن ينكر التعقيد الذي وصلت إليه الحالة السورية بسبب تداخل مصالح الدول المؤثرة فيها بعد أن تشعبت وتمددت إقليميا ودوليا ، فباتت مقايضة المواقف الدولية في سوريا عابرة لقارات أخرى حيث تتم توليفات المصالح الدولية المتضاربة لحساب أو على حساب المصالح الدولية في سوريا ، ليست المصالح في شبه جزيرة القرم أولها ، كما لم يكن الإتفاق النووي الإيراني آخرها ، كما لن ينتهي الأمر عند ملف اليمن أو ليبيا أو حتى السودان الذي يستعد لرفع العقوبات عنه في الأشهر القادمة. منذ أعوام كان جميع السوريين يتنكّرون لفاعلية المصالح الدولية في

Send this to a friend